رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

حكاية هذه القصص


عز الدين شكري فشير
7/15/2017 10:56:52 AM

هذه القصص كتبها  بالعربية  خمسة من الطلبة الأمريكيين في برنامج الدراسات العربية بجامعة »دارتموث»‬، وقدموها في امتحان التخرج من مادة »‬القصة القصيرة والشعر العربي الحديث» التي درستها خلال الفصل الدراسي المنصرم.
جاء هؤلاء الطلبة من خلفيات متباينة: ثلاثة شباب وفتاتان، من ولايات أمريكية مختلفة - من كاليفورنيا إلي نيويورك، ومن عائلات ذات تقاليد متباينة. ما الذي يدفع هؤلاء الشباب لدراسة اللغة والثقافة العربية؟ ليس لأحد منهم سابق معرفة بالعالم العربي: لا هم ينحدرون من عائلات مهاجرة ولا حبيب أو صديق عربي يجذبهم إلي هذا العالم المختلف والبعيد. فما الذي أتي بهم إلي هنا؟ الإجابة بسيطة: اتقاد الذهن والانفتاح الوجداني  نوع من القلق الذي يدعو أصحابه للبحث عن طرق أخري للتفكير والشعور، أي عن تجارب إنسانية أخري.
 من أين يأتي؟ من التعليم الأساسي الذي يحفز العقل علي التفكير، ويدفع الوجدان لتجاوز الحدود الضيقة للمألوف وينمي الاستعداد الإنساني الأصيل للتعاطف والتضامن مع الغير. هذه الروح هي أساس التعليم الليبرالي، من الحضانة  حيث يتعرف الأطفال علي اللغات والثقافات الأخري (ابني، ست سنوات، يتعلم في المدرسة الحكومية المجاورة كلمات التحية باليابانية والصينية والسواحيلية والعبرية، ويدرس الأسبانية)، وحتي »‬دارتموث» حيث يمكنهم دراسة اللغة العربية (ولغات أخري عديدة).
هؤلاء الخمسة اكتشفوا العالم العربي  أو بالأدق وجوه منه  بالصدفة البحتة: رحلة، مادة دراسية، محاضرة أو كتاب، ودفعهم تفوقهم الذهني وانفتاحهم وقلقهم الوجداني لاستكشاف هذا العالم المغاير. وما بدأ بمادة دراسية تطور إلي تعلم اللغة بشكل أعمق، وزيارات لبعض البلدان العربية  من المغرب إلي فلسطين، ثم الكتابة.
قرأنا في هذا الفصل الدراسي، قصصا قصيرة ليوسف إدريس، وعبدالحكيم قاسم، وجمال الغيطاني، ومحمد المخزنجي، وإبراهيم أصلان، وسحر توفيق، وعزة رشاد، ومي التلمساني، ومازن معروف (وفصل من »‬عطارد» لمحمد ربيع بمناسبة زيارته للجامعة)، كما قرأنا أشعارا لصلاح عبدالصبور (الناس في بلادي)، وأمل دنقل (لا تصالح)، ومظفر النواب (نداء إلي الطيارين العرب)، وبالطبع محمود درويش وحالة حصار.
ومن مميزات القراءة مع طلبة يلتقون بالكتابة الأدبية العربية من الخارج  أي لم يكبروا علي قراءتها مثلي  أنهم يقرأونها بعين نقدية، فلا شيء فيها يمر عليهم دون مسائلة. لا يشوش قراءتهم وجدان قديم يعمي العيون باستدعائه لأحاسيس الفترة التي قرأ فيها هذا النص لأول مرة (غالبا فترة الصبا والمراهقة). ومن ثم فهم يسألون الأسئلة التي عادة ما نغفلها: لم يستخدم الكتاب كل هذه المرادفات؟ لم هذه الجمل الطويلة التي تبدأ بموضوع وتنتهي بآخر؟ ولماذا كل القصص العربية حزينة: ليس فقط في نهاياتها، بل كلها، من أولها لآخرها، بمفرداتها ووصفها؟ لماذا أبطالها مهزومون ومستسلمون؟ وفوق كل شيء: أين الفعل؟ لم لا يفعل أي من هؤلاء الأبطال شيئا أبدا؟ ولماذا يقول أمل دنقل لا تصالح علي الدم ولو بدم؟ لماذا يقول أن الدم لا يتساوي؟ ولماذا يري أن حزن »‬الجليلة» أهم من حياة بقية الأطفال؟ وأهم من ذلك: لم ير أن حزن الجليلة علي فقدان أبيها سينتهي باستمرار القتال؟
كتبنا قصصا كثيرة خلال الأسابيع العشرة التي استغرقها الفصل الدراسي، وأظنهم تشربوا روح القصة العربية الحديثة أكثر مما كنت أحب، فكتبوا كثيرا من القصص الحزينة، أبطالها مهزومون ويائسون، لا يرون أن لديهم القدرة علي الفعل، وإن قاموا بفعل فهو في غالب الأمر يسرع بهزيمتهم أمام مصير لا فكاك منه  أي باختصار كتبوا قصصا عربية أصيلة (حتي نيكولاس، الذي حاول الفرار من هذه الروح بالكتابة عن مغامرات قط يعيش في شوارع مدينة مغربية، انتهي بقطه ضحية لاستغلال أحد أصحاب المطاعم).
في نهاية الفصل، حاولوا الخروج من هذا الإطار والكتابة بحرية أكبر، فجاءت هذه القصص الخمسة التي تقدم بانوراما واسعة للمعاناة الإنسانية - في العالم العربي وفي الولايات المتحدة علي حد سواء، وفي حين يستسلم البعض ليأس القصة العربية، يحاول آخرون التمسك بمحاولة الإنسان الصمود في وجه ظروفه القاسية ودفعها ولو قليلا  ما يكفي ليتيح لنفسه ومن يحب شعاعا من النور.