رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

المكتب


نيكولاس شيبرد
7/15/2017 10:57:51 AM


انتقلت إلي الأردن وعمرها 23 سنة. في الفلبين كانت طبيبة. في الأردن هي عاملة منزلية، أو خدامة، أو كما يقول بعض الأردنيين في جملة: "شي فلبينة". تتكلم اللغة التاغالوغية والإنجليزية بطلاقة. في المكتب حاولت أن تتذكر إذا قُدم إليها عقد عملها بالعربية أم بالإنجليزية في بداية هذه الأزمة.
- بالإنجليزية
ردت علي المحامية.
- إندونيسية؟ فلبينية؟
- فلبينية
- متي جئت إلي الأردن؟
- منذ سنة
- متزوجة؟
- لا
- أطفال؟
- نعم
- كم؟
- واحد،في الفلبين
- مسيحية؟ مسلمة؟ بوذية؟
-....
- ماذا؟
- مسيحية؟
- أين تسكنين؟
- الدوار السابع
- معك جواز السفر؟
- لا
- أين هو؟
- أخذوه مني عندما خرجنا من المطار
- من؟
- أحد الرجال، أعتقد أنه صديق كفيلي. طلبت منه أن يعطين إياه مرات كثيرة ولكنه رفض. يريد مني ألفي دينار وليس عندي المال
- ما اسم كفيلك؟
- علاء الغزاوي
- عندك رقم تليفونه؟
- ها هو
- كنت تشتغلين في بيت واحد أم أكثر من بيت؟
- عموماً في بيت واحد، ولكن أحياناً طلبوا مني أن أشتغل في بيوت أصحابهم أو أقاربهم
- متي كنت تشتغلين؟
- من الساعة الخامسة صباحاً إلي منتصف الليل
- كيف كان الأكل؟
- أعطوني ما لم يأكلوه
- سمحوا لك باتصال بعائلتك في الفلبين؟
- نعم
- من دفع؟
- اتصلت بهم علي حسابي
- كم دفعوا لك بالشهر؟
- 300 ولكنهم لم يدفعوا لي بعد الشهر الثالث
- دولار أم دينار؟
- دولار
- أين كنت تنامين؟
- في الشرفة
- كانوا يصرخون فيك؟ يضرّبونك؟
- نعم
- من؟
- زوجة كفيلي، كانت تغار مني. قالت إنني أحاول أن أسرق زوجها منها لأنه كان يحاول أن يغتصبني...
- حبيبتي...
تنهد شابٌ كان جالساً في الجهة المقابلة للطاولة في المكتب. نظر إليها وإلي المحامية، هز رأسه، ولمس جبهته بيده. بدا يعود إلي الكتابة.
- متي هربت؟
- منذ أسبوع. قفزت من الطابق الثاني في الليل. الآن أنا أبيت عند صديقتي
- وماذا تريدين؟ جواز سفرك؟ أن تسافري؟
- أريد أن أسافر وأريد أجر الشهور التسعة التي لم يدفعوها لي
- تمام، خذي هذه الورقة. رقم ملفك 42، اسم محاميتك بسمة. سنري ماذا يمكنا أن نفعله
هكذا، بعد 20 دقيقة لاغير، غادرت ذلك المكتب في الطابق الخامس في عمارة مثل كل العمارات الأخري في عمان. شعرت بالأمل للمساعدة التي وجدتها أخيراً وبسعادة لتنفس هواء ليس ممتلئاً بدخان السجائر. نظرت من الشباك إلي حمام يتمشي فوق سطح عمارة أخري، ثم، إلي رجل يعبر قطعة أرض شاغرة في الأفق. حاولت أن تقرأ آية القرآن فوق زر المصعد بينما كانت تنتظر وصوله.
مثل كل يوم، رفض سائق التاكسي أن يستخدم العداد لأنه فهم أنها لا تستطيع أن تنتظر في الشارع وهي بدون تصريح عمل أو إقامة. جلست وراءه بينما كان يحاول أن يكتب رسالة إلكترونية بيد ويدخن باليد الأخري. نظرت إلي مسبحة الصلاة في معصمه الأيمن. تنهدت وتنسمت رائحة عمان في المساء، ذلك الخليط من التلوث ونوع من البؤس. نظرت إلي هاتفها: رسالة جديدة من "زين"! ضحكت وفكرت في النكتة التي حكت له صديقتها: "مع عدد الرسائل التي يرسلها زين إليّ لا أحتاج إلي صاحب!" كانت الشمس تغرب. تأملت في الألوان الجميلة المنتشرة علي الشارع واللوحات الضوئية العديدة في جانبيه. بعد أن تجنب سائق التاكسي مالا يقل عن خمس حوادث، دفعت له 7 دنانير وصعدت سلم شقة صديقتها.
مرّ أسبوعين ولم تسمع شيئاً من المحامية. لا أحد اتصل بها من المكتب. بدأت تفقد الأمل. عندما اتصلت به في الصباح رد عليها صوت إمرة تقول "مركز الدعم للمساعدة والمساندة. أه حبيبتي، المحاميون في المحاكم الآن، حاولي مرة ثانية بعد الظهر". ولكنهم بعد الظهر كانوا يتغدون. بعد ثلاثة أسابيع، قررت أن تذهب إلي المكتب.
كما المرة الماضية، فتحت الباب امرأة كبيرة في السن، دون ان تتكلم أو توجهها. هذه المرة لم تنتظر بجانب المدخل. وقف الشاب وأشار إليها أن تجلس الي الطاولة، ابتسما. كان المكتب مزدحماً جداً. كانت عاملات مهاجرات تجلس علي كل الكراسي وتجبن نفس الأسئلة التي أجابت عليها؛ رأت الملفات المتروكة علي مكاتب المحامين. في تلك اللحظة أحست بالتعاطف. كان هناك نساء يضحكن ونساء يصرخن. ركز الشاب علي حاسوبه وهو يهمس بالعربية والإنجليزية. بدت بسمة ومحامية أخري تشعران بالإحباط. استمعت إلي المحادثات حولها.
- "هربت من كفيلي الأول ولكن الشرطة أحضرتني إليه"
"وأفرد التقرير مساحة للحديث عن التوقيف الإداري للعمال المهاجرين، أن عدد العمال الوافدين الموقوفين إداريا في مراكز الإصلاح والتأهيل أو بالمراكز الأمنية، بلغ نحو 198600 العام 2015، فيما تبلغ نسبة غير الأردنيين المحتجزين أو الموقوفين 4% من عددهم الإجمالي."
- "حبيبتي، انتظري"
- "تركوني علي عتبة السفارة بعد سقطت من الشباك، أمروني أن أنظفها"
"رغم أن التشريعات الأردنية المادة 100 المعدلة من قانون أصول المحاكمات الجزائية نصت علي أن مدة توقيف المشتكي عليه لدي مراكز الشرطة 20 ساعة يجري بعدها إحالته إلي المدعي العام، باعتباره الجهة القضائية المختصة بإجراء التحقيق، إلا أن مراكز الشرطة لا تزال تحتجز الوافدين لمدة تفوق هذه المدة، ومن خلال مقابلات نحو 281 ممن جري احتجازهم أفادوا ببقائهم في مراكز احتجاز الشرطة لمدة تتراوح من يوم إلي 11 شهراً."
- "ربطني إلي كرسي في القبو. حرقني بسكين حار علي ذراعي. قال إن ذلك سيعلمني ألا أهرب من البيت مرة ثانية."
الأربع الجالسون علي الطاولة سكتوا. كانت الجروح قاتمة علي جلدها. ثم، شرحت المحامية أنها لا تستطيع أن ترفع شكوي لأن ذلك حدث منذ ثلاث سنوات.
"ثم، أكد التقرير أن ليس هناك أمل."
خرجت من المكتب. تأملت في الآية علي الحائط، وسائق التاكسي الذي كان يلعب بهاتفه، والمسبحة المعلقة علي مرآة الرؤية الخلفية، والتلوث، ودخان السجائر، والضوء، والجدران المغطية برسوم، واصطدم التاكسي بتاكسي أخر. خرجا السائقان وبدآ يتجادلان في الشارع. جاءت الشرطة المرورية راكبة درجات نارية. استجوبتها الشرطة عن الحادث، في نهاية النقاش سألتها عن أوراقها.
- هناك أمر بحث عنك بتهمة السرقة من كفيلك... علاء الغزاوي، صح؟
- نعم، يا أستاذ
- تعالي.
- يقولون إنك هربت منذ شهر، هل هذا صحيح؟
- نعم، يا أستاذ
- أوجدت كفيلاً جديداً؟
- لا، يا أستاذ
- هل عندك الفلوس لدفع الغرامات؟
- لا، يا أستاذ
- تعالي
انتظرت في السجن. اتصلت بمركز الدعم للمساعدة والمساندة. جاءت المحامية لتزورها. ساعدتها في قضية السرقة ولكنها لم تسمع أخبار منها بعد ذلك. لم تستطع العودة إلي الفلبين حتي يتم دفع غرامات تواجدها في الأردن بدون تصريح عمل او تصريح الإقامة. كما إن التهريب يتطلب مالا كثيرا - تذاكر الطائرة غالية. تنهدت، علي الأقل، لم تذق ثقل التلوث في هواء الخيلية كما في شوارع عمان، فقط طعم البؤس.