رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

الحافلة


جيسيكا كوشكان
7/15/2017 11:00:21 AM



أراها كل يوم، الحافلة الرمادية التي تدور في الحي. أحيانا أراها تعبر أمام مدرستي أو بجانب دكان الأيس كريم. ولكنني في معظم الأحيان ألاحظها من نافذتي خصوصا عندما لا أستطيع أن أنام. خلال الليل يمر ضوء الحافلة في غرفتي من خلال النافذة ويغادر بسرعة مثل حلم لا أستطيع تذكره عندما أستيقظ. تعمل الحافلة بدون توقف، أربع وعشرون ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع. تحمل الحافلة بعض سكان المدينة. يركب الناس الحافلة من المحطة القريبة من بيتي، ولكنها تتوقف عند هذه المحطة مرتين فقط في اليوم، مرة في منتصف الليل و مرة قبل الفجر.
أحيانا أرقب المشهد من نافذتي. وعادة أري نفس الناس يركبون الحافلة ينزلون منها. هناك دائما الولد الصغير، قد يكون عمره ثمانية أعوام، عام فقط أقل مني. ينتظر عند المحطة وحيدا حتي تظهر المرأة، ويحدق أمامها طوال الوقت. المرأة، في العشرينات من عمرها، تلبس فستانا أسود وأحذية حمراء ومكياجها ثقيل. ثم يظهر جاري الذي ماتت زوجته منذ سنتين. ينتظر الحافلة ويحمل وردة واحدة في يده. دائما يصلون بهذا الترتيب.
عندما أسأل أمي عن الحافلة ترفض أن تتكلم معي عنها، فقط تحذرني من ركوبها. وعندما أسألها لم لا تسمح لي بركوبها تصمت. أريد أن أعرف إلي أين يذهب هؤلاء الناس؟ إلي أين تسافر الحافلة؟ أريد أن أعرف.
في مدرستي أتكلم مع أصدقائي عن الحافلة ولكن آباءهم لا يكشفون لهم أي معلومات. وهكذا قررت هذا الصباح أن أركب الحافلة عندما تنام أمي. وقفت علي طريق المدرسة أرقب الحافلة. لا أعرف كم من المال سأحتاج للتذكرة، ولكن معي قطعتين نقديتين في جيبي. لن أشتري آيس كريم اليوم. ولن أكل كل غذائي خلال الاستراحة في المدرسة. سأحتفظ بقطعة من السندوتش لمغامرة هذه الليلة.
لم أتكلم كثيرا مع أصدقائي خلال الاستراحة. سألوني لماذا أنا صامتة، فقلت لهم أني مريضة. وعندما مشيت إلي بيتي مرت بي الحافلة مرتين. المرة الأولي جمدت في طريقي لأني خفت أن الحافلة ستقرأ أفكاري وتعرف خطتي. المرة الثانية جمدت لأني سألت نفسي ماذا سأفعل حين لا أعود إلي أمي، و ماذا لو ابتلعتني الحافلة ثم بصقت أخري مستنسخة مني ولم تدرك أمي أنها ليست أنا.
أدخل المنزل وأصعد الدرج بسرعة دون تحية أمي. تأتي إلي غرفتي وتبدأ في سؤالي أسئلة لكنها تتوقف عندما تراني في سريري وتظن أنني أنام، لكني أدعي النوم. الساعة الثالثة بعد الظهر. ولكني نمت في الحقيقة واستيقظت في التاسعة ليلا. وجدت العشاء علي طاولة بجانبي وورقة من أمي: استريحي حبيبتي. هل يمكنني أن أتركها بهذه الطريقة؟ تحبني أكثر من أي من أمهات أصدقائي. ولكن لابد أن أركب الحافلة. قلت لنفسي سأفعل هذا.
بعد انتهاء مسلسل أمي في الساعة التاسعة أجلس في سريري. أراقب الحافلة من نافذتي وأمد يدي للمس القطع النقدية في جيبي. أفتح النافذة وأقفر إلي الأرض. أذهب إلي المحطة. أنا أول شخص هنا. بعد ربع ساعة أري الولد يقترب من نهاية الشارع و أشعر بالراحة، فلست وحدي.
أقول له: أهلا، كيف الحال؟
ولكنه لا ينظر إلي. بعد قليل تقترب امرأة الماكياج الثقيل والأحذية الحمراء. تتوقف بجانبي وأبتسم لها بعصبية وتحدق هي أمامها. ثم يصل جاري بالوردة وألاحظ أن الشوك خرق إصبعه وهناك قطرات دم علي الأرض. عندما تصل الحافلة نركبها جميعا. ترتعش ساقاي ويدق قلبي. أصعد الدرج وأمسك اثنتين من القطع النقدية في يدي ولكني لا أري السائق. هناك فقط ستار أسود أمامي وعلي يساري، ولا أري الآخرين.
أسأل في الهواء:
-عفوا يا سيدي؟ كم الأجرة؟
لا أحد يستجيب لي وتغلق الأبواب ورائي ويرفع الستار الأسود علي يساري وأري الناس الذين انتظروا معي علي المحطة ولكنهم يبدون مختلفين. أري الولد وهو يضحك في ذراعي امرأة جميلة. تعطيه حلويات وشوكولاتة وتبتسم له. تقول:
-يا ابني، يا حياتي!
يقول لها الولد:
-افتقدك يا أمي.
أمشي وأري المرأة صاحبة المكياج الثقيل تجلس علي ساق الرجل ويده تحت فستانها، علي ساقها، ويقول لها شيئا مجاملا عن أحذيتها الحمراء. يهمس بشيء في أذنها وتضحك بصوت عال ولكن لا أحد يبدي قلقه. تضع إصبعها علي شفتيه و ترسم قلب حولهما. يميل إلي الأمام ويقبلها. أشعر بالغثيان، وأواصل المشي.
في المقعد التالي أري الرجل العجوز تجلس بجانبه امرأة وهما يمسكان بأيدي بعضهما. يبدو أن المرأة زوجته ولكن هذا ليس ممكنا. أنظر حولي في الحافلة. هل هذه أشباح؟ الولد مع أمه الميتة؟ والمرأة مع حبيبها الميت؟هل هذا ممكن؟ أشعر بشخص يلمس يدي وألتفت. لم أر هذا الرجل من قبل. يسألني:
-كيف ركبت هذه الحافلة؟
-انتظرت عند المحطة.
-وهل تعرف أسرتك أنك هنا؟
-لا، تركت غرفتي من النافذة عندما غاصت أمي في النوم.
-لماذا تركت بيتك سرا؟
-لان أمي تحذرني دائما من ركوب الحافلة.
-أمك تحذرك من الحافلة؟
-نعم.
-وماذا تقول عنها؟
-أنها خطيرة جدا.
-وماذا تعتقد أنت؟ هل الحافلة خطيرة؟
أنظر حولي وأنظر إلي الولد يضحك مع المرأة، والمرأة الأخري تقبل حبيبها، ثم أنظر إلي جاري وزوجته والوردة في يدها. لا أحد يبدو خائفا. أنظر إلي الرجل بجانبي وأهز رأسي: لا. يسألني:
-لماذا ركبت الحافلة؟
-أردت أن أعرف إلي أين تذهب.
-هل تريدين معرفة هذه الحافلة؟
-مرة ثانية أهز رأسي، ولكن هذه المرة قائلة نعم. يبتسم الرجل الغريب ويقول لي:
-هذه الحافلة عندها محطة واحدة فقط.
-واحدة فقط؟
-نعم. هذه الحافلة لا تذهب لأي مكان.
-ولماذا يركبها الناس؟
-يركبونها لأنهم فقدوا الغرض الوحيد الذي كان عندهم ولا يعرفون كيف يواجهون الشقاء في حياتهم.
-هذه الحافلة تسمح لهم بالهرب من حزنهم والتظاهر أن حياتهم مختلفة للحظة. فهذه الحافلة مفيدة!
-لا، علي العكس. الحافلة يمكنها أن تحرمك من عيش حياة حقيقية. الناس علي هذه الحافلة لا يدركون أن الألم جزء ضروري في حياتنا. كل شيء عندهم هنا مؤقت.
-يشير الرجل إلي الولد ويشرح لي:
-الولد الذي مع المرأة عنده أم حقيقية ويعيش معها في هذه المدينة ولكنها مريضة عقليا فيأتي هنا. يلتق بهذه المرأة التي فقدت ابنها في حادث سيارة كانت تقودها.
-فيدعون أنهم ذات صلة؟
-نعم. والشابة التي رأيتها تكره جسمها ووالديها يذكرونها بقبحها كل يوم. فلذلك تريد الحب وتسمح للرجال بلمسها. أحيانا أري الرجال يبكون، يشتاقون لزوجاتهم.
-و جاري؟ لماذا هو هنا؟
-يا حبيبتي…يا حبيبتي، هل كل شيء تمام؟
أري أمي بجانب سريري و أنظر إلي الساعة، إنها الثالثة والنصف. ابتسم لها وأقول:
-نعم، كل شيء تمام.