رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

«قطار الأيتام»


شاريدان راسل
7/15/2017 11:01:43 AM

كنا نحلم بالقطارات، أنا واختي. في كل مرة يعبر قطار الشحن الكبير والأسود بجانب بيتنا، كنا نطارده حتي لا نستطيع الجري أو حتي يختفي القطار في الأفق. وبعد أن يختفي القطار، نجري إلي البيت ونتوسل إلي والدينا أن يسمحا لنا بالسفر بقطار، إلي أي مكان. كنا نحلم بالمغامرات في بلدنا الكبير والغامض.
تحقق حلمنا بأسوأ طريقة.
عندما كان عمري 13 سنة وعمر أختي 9. مرضت أمي، ومن بعدها أبي. كانا مريضان بحمي، وما زلت أتذكر صرخات أمي من الهلاوس، وآهات أبي من الألم. بعد أسبوعين، ماتا. جاء رجل من الحكومة وقال لنا انه يجب علينا السفر إلي مدينة فانكوفر في ولاية واشنطن، بعيدا عن مدينتنا، والسكن مع خالتنا--لأنها كانت الشخص الوحيد من عائلتنا التي لا زالت علي قيد الحياة.
في ذلك الوقت، كان هناك قطارات خاصة لسفر الأيتام من شرق البلاد إلي الغرب للعمل في المزارع. أخذنا الرجل إلي محطة القطار. كان معنا حقيبة واحدة صغيرة، فيها فستانان - واحد لي وواحد لأختي، بعض الخبز، وصورة من عرس والدينا. لم يكن لدينا بطاقة هوية، ولا مال. أعطاني الرجل ورقة وصورة: »هذا عنوان خالتكما، فيفيان، وهذه خالتكما في الصورة. محطتكما المحطة الأخيرة، في فانكوفر. لا تنزلا من القطار قبل محطتكما.»‬ تركنا في المحطة مع الأطفال الآخرين، وبدأت اختي في البكاء.
قلت »‬لا تبكي، جوسي، حبيبتي. انظري إلي القطار. كم هو جميل ولامع. انظري! هذه مغامرة حقيقية، جوسي. ياللا أنا متحمسة، سنجد كراسي في درجة الأولي».دخلنا القطار ولكن لم يكن هناك درجة الأولي أو كراسي: مجرد بطانيات رمادية علي الأرضيات الخشبية. وجدنا بطانيتين في ركن الحجرة، وجلسنا.
لم يغادر القطار حتي أصبح مزدحما جدا. كان هناك عدد كبير من الأطفال، كلهم فقراء وأيتام مثلنا. لا يوجد مساحة فارغة في العربة ولم أستطع الحركة. الأيتام من جميع الأعمار، رضع إلي شباب، ولم يكن في العربة كلها سوي رجل واحد للإشراف. البنت الجالسة بجانبي تحدثت إلي:
»‬أهلا، أنا اسمي كارولين.»
»‬أنا اسمي الينور، وهذه أختي جوسي.»
»‬إلي أين تذهبان؟»
»‬إلي بيت خالتنا في فانكوفر. وأنت؟»
»‬إلي نبراسكا. هل أنتما يتيمتان؟»
»‬نعم. كل الأطفال هنا أيتام. صحيح؟»
»‬أنا لست يتيمة.» قالت كارولين. »‬ولكننا فقراء، وهناك مزارع من نبراسكا سيدفع لأمي وأبي خمسة دولارات كل شهر إذا عملت جيدا في مزرعته.»
تفاجئت. »‬ياللفظاعة! هل أنت حزينة؟»
»‬لا. لن أفتقد والديّ. أبي يضربني كل يوم، يقول انني شقية. ربما هذا المزارع سيحبني. وربما لديه زوجة جميلة ولطيفة، وتكون كأمي.»
أصبحت كارولين صديقتنا المفضلة في ذلك الوقت. كان عمرها 12 عاما، ولكن يبدو أنها أكثر حكمة مني. كانت تحكي لنا كثيرا عن غرب البلاد: »‬الغرب ليس مثل الشرق--الشرق مدن ومصانع وزحام. الغرب فضاء واسع وجبال وحيوانات ورجال البرية. مع كل قصة تهدأ جوسي أكثر، وأصبحنا-ظننا-مستعدتين للحياة في فانكوفر. بعد ثلاثة أيام من بداية الرحلة توقفت جوسي عن البكاء، أخيرا. ولكنها بدأت في البكاء مرة أخري عندما وصلنا الي نبراسكا و غادرتنا كارولين. وصلنا بعد منتصف الليل، وكنا نحن الثلاثة فقط  من كل القطار - مستيقظات. قالت كارولين:
»‬هذه محطتي. اعتنيا بنفسيكما واكتبا رسالة لي من فانكوفر بعد وصولكما.» قبلتنا علي خدينا، ونزلت.
بدأ القطار يتوقف عدة مرات في اليوم، وواحد بواحد ينزل الأطفال منه. لم يكن لدينا أصدقاء بعد كارولين. وكان هناك رضع كثيرون في عربتنا، وكان معظم الأطفال أولاداً غاضبين ومزعجين. واحد منهمهنري-كان الأسوأ. صرخ في جوسي »‬توقفي عن البكاء!» بسبب بكائها طول النهار، وبعد أن صرخ فيها، بكت بصوت أعلي. احتضنتها قريبا من صدري حتي هدأت قليلا، وكنت احكي لها قصص. لم أبك قط، يجب أن أكون قوية وذكية من أجل جوسي، النور الوحيد المتبقي لي في العالم.
كانت الحياة في القطار مؤلمة جدا-جلسنا لأسبوعين علي خشب صلب، وأكلنا خبزا بزبدة مرة واحدة في اليوم. كان للحمام رائحة مقرفة ولم نستطع الاغتسال. كنت قذرة للغاية عندما وصلنا أخيرا - إلي فانكوفر.
قلت، »‬يلا جوسي، سنتعرف علي خالتي فيفيان. لا تبكي، إنها لطيفة. أنا أعدك أنها لطيفة وستحبنا كأننا ابنتيها. هذا وعد جوسي، ياللا.»
أحرقت الشمس عيني عندما نزلت من القطار واستنشقت الهواء المنعش. مشيت ناحية امرأة طويلة، مرتدية الأسود تماما، بنظرة قاتمة علي وجهها. قلت: »‬السلام عليك خالتي فيفيان. أنا الينور وهذه اختي جوسي. نشكرك كثيرا لفتح بيتك إلينا، ونتمني أن نكون صالحتين.»
نظرت إلينا، بنفس النظرة القاتمة علي وجهها. لم تبتسم، وقالت» »‬حسن.»
تبعناها إلي »‬حديقة الورود»، النزل التي تملكها. أخيرا. التفتت إلينا وقالت: »‬ياللا، سأريكما غرفتكما.»صعدنا السلم حتي الطابق الأعلي. به غرفة واحدة وباردة بسرير واحد، بطانية واحدة، ووسادتين صغيرتين. في الركن، سطل للحمام. »‬ها هي،» قالت فيفيان. »‬اتركا حقيبتكما وانزلا فورا. عندي عمل لكما.»
»‬خالتي، هل نستطيع الاستحمام؟ والأكل؟»
ابتسمت، ولكن حتي ابتسامها قاتم. »‬يا ابنتي، يمكنكما الاستحمام بعد العمل. هل تريدان أن تصبحا نظيفتين وتعملان من بعدها؟ وللأسف ليس لدي طعام الآن. ربما تستطيعان الذهاب إلي السوق لشراء الأكل، وطبخ العشاء. بعد ذلك يمكنكما الأكل.»
نظرت إلي قدماي. »‬طيب يا خالتي.»
»‬اه، ولا تنادياني بخالتي، اسمي مدام فيفيان، أو مدام فقط. ياللا عجلا، عندكما عمل.»
أعطتنا قائمة طويلة. كانت تريد منا ترتيب الأسرة في كل الغرف وغسل الأرضيات وسطول الحمام، ونزع الأعشاب الضارة في الحديقة، وطبخ كل الوجبات. أكملت بقدر ما استطيع. كانت جوسي ضعيفة ولذلك قمت بكل العمل. كل ليلة، نستريح معا أنا وجوسي - في السرير واحكي لها قصة جديدة. »‬لا تقلقي» قلت لها، »‬لن نبقي هنا إلي الأبد. هناك أمير في مكان ما، وسيجيء لإنقاذك.»
تقول جوسي، »‬هناك أمير؟ لي؟»
»‬نعم، حبيبتي، لأنك أميرة ولكل أميرة هناك أمير ينقذها.»
»‬متي سيجيء؟»
»‬لا أعلم. ولكن كوني صبورة ولا تقلقي. هناك أيضا جنيات وملائكة تراقبك وتحميك.»
كانت كل قصة تستند في الواقع. حكيت لها عن أمنا- أسميتها ملكة الجنيات، التي تجلب اللطف والجمال إلي العالم. وهي تحب ملك الجنياتأبانا-الذي يجلب السلطة والمعرفة إلي الناس. »‬يحميانا.» وكان هناك دوما ساحرة شريرة اسمها فيفيان. دائما تحاصر الأميرة، ولكن تخسر في النهاية ضد الملك والملكة وقوي الخير. مع مرور الوقت، استعدنا قوتنا. لم نكن سعيدتين، ولكن قانعتين بالاستقرار في حياتنا. ولكن الاستقرار استمر لسنة واحدة. فقد قررت فيفيان بيع النزل والانتقال إلي مدينة سياتل. ذات يوم، نادتني إليها.
»‬يا الينور، أريد التكلم معك!»
»‬نعم مدام.»
»‬كما تعرفين، سوف انتقل، ولكن هناك مشكلة صغيرة. بالرغم من أني بعت هذا النزل، فليس عندي مال كاف لأخذك أنت وجوسي، ولكني استطيع أخذ واحدة.» ابتسمت ذلك الابتسام القاتم وأضافت: »‬أنت قوية يا الينور، ولكن جوسي ليست كذلك. هي تحتاج إلي وفي الحقيقة أنا أحبها. هي التي ستذهب معي إلي سياتل.»
قلت. »‬وأنا؟ تحتاج جوسي إلي، أنا التي أطمئنها عندما تبكي، وأساعدها علي النوم، وأطعمها، واغسلها! ليست أنت!»
غضبت فيفيان. »‬لقد قررت بالأمس، لا داع للجدال، تعرفين أن الجدال يزعجني.»
كنت اعرف أن ليس هناك أمل. »‬وماذا عني إذا؟ أين سأذهب؟»
»‬قطارك سيغادر غدا في الصباح، ستذهبين إلي مونتانا، وتعملين في بلدة لدي رجل اسمه روبيرت غراي.»
قمعت دموعي عندما قلت لجوسي عن الوضع. أما هي فبكت كما بكيت عندما كانت صغيرة جدا. لم احك لها أي قصص تلك الليلة، احتضنتها حتي الصباح ولم أنم. أخذتني فيفيان إلي محطة قطار مبكرا. القطار، الذي كان من أحلام طفولتي صار الآن أحد كوابيسي. لم أكن أعرف ماذا سيحدث لجوسي، النور الصغير والوحيد في هذا العالم. لم أكن اعرف ماذا سيحدث لي.
للمرة الأولي منذ وفاة والداي، بكيت.

تعليقات القرّاء