رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

العودة


جيريمي برونيسلو
7/15/2017 11:02:44 AM

أول مرة زار فيها المدينة القديمة كرهها تماما. كانت ذكريات تلك الزيارة منبصمة علي روحه ولن ينساها أبدا - الازدحام، والضوضاء، وتلك الرائحة النتنة التي تخللت حواسه. ولكنه الآن أحب رائحة الطين والخضر المتعفنة التي انبعثت من أحد المستنقعات العديدة في الزقاق الضيق. المرة الأولي كان يقف مع والديه وكل إخوته وسط الزحام، ولكنه الآن يقف وحده وسط الشارع الخالي من أي علامات للحياة. أحس بالنسيم البارد علي وجهه وتنهد. أغمض عينيه وابتسم. ما أحلي الحرية!
منذ أربع عشرة سنة لم يشعر بأشعة الشمس علي وجنتيه ولم يذق عذوبة الهواء الخارجي. في تلك السنوات الطويلة شعر فقط بمتانة جدران الزنزانة الباردة مثل الجليد في سجنه تحت الأرض. أربع عشرة سنة في السجن. كرر الكلمات لنفسه بصوت عال. لم يكد يصدق هذا العدد ولكن زائر هذا الصباح أكد له أنه صحيح. ذلك اليوم، أيقظه صرير الباب الحديدي الصدئ وعندما فتح عينيه رأي رجلا يجثو في ركن الغرفة. لم يتجاوز حجم الزنزانة عشرة أمتار مكعبة فكان عليه الجثو تفاديا لارتطام رأسه بالسقف. باغته الزائر إذ لم يزره أحد طوال سجنه - لم ير حتي وجها إلا وجهه الذي رأي انعكاسه أحيانا في أكواب الماء. كان الرجل كبير السن وممتلئ الجسم وانبعثت منه رائحة سجائر قديمة ولكنه كان لطيفا. تكلم معه بصوت خفيض. في بادئ الأمر لم يفهمه. بعد أربعة عشر عاما من الحبس الانفرادي كان قد نسي كل الأصوات إلا صوته. أدرك أن الرجل كان يحملق فيه كأنه ينتظر إجابة فسأله بتلعثم أن يكرر سؤاله. ابتسم الرجل بصبر حقيقي وسأله مرة أخري: »أنت جمال العبادي؟»‬
رد عليه بصوت متهدج: »‬نعم.»
اتسعت ابتسامة الرجل وقال: »‬مبروك يا جمال. هذا صباحك الأخير في السجن. أخيرا أسقطنا النظام السابق و أنت الآن حر.»
وهكذا وجد جمال نفسه في شوارع المدينة القديمة. بعد خروج الرجل من زنزانته دخل رجل آخر وأعطاه جلبابا أبيض نظيفا. ثم خرج صامتا. لبس جمال وهو يفكر في حريته الجديدة. خرج من الزنزانة التي قطنها أربع عشرة سنة وتبع الرجلين اللذين كانا يصعدان السلالم الكثيرة إلي مخرج السجن. لم يفكر في الطريق بل في حياته الجديدة التي ستبدأ بعد خروجه من السجن. خرج من بناية عادية تماما في المدينة القديمة فوقف. تهادت دمعة واحدة علي خده. بداية جديدة.
أراد أن يزور عائلته. هل عرفوا بإطلاق سراحه؟ هل عرفوا أنه كان في السجن أصلا؟ فكر في أمه وبدأ يجري تجاه بيت عائلته، انهمك في التفكير فيها إلي حد أنه لم يلاحظ أن العمارات حوله كانت مجرد أكوام من الأنقاض بسبب الصواريخ التي دمرتها خلال الحرب. لم يلاحظ وجري حتي وصل إلي بيت أسرته في أحد الأحياء السكنية علي أطراف المدينة.
ولكنه لم يكن بيتا. كان في مكانه كومة من الأنقاض. نظر حوله وأدرك أن كثيرا من البيوت في الشارع قد هوت. »‬لا،» قال لنفسه، »‬هناك خطأ. هذا ليس الشارع الذي سكنت فيه قبل سجني.» لكنه كان يعرف أن الثورة والحرب قد دمرت البيت الذي قطنته عائلته منذ مائة سنة. »‬أسرتي انتقلت إلي مكان آخر. أكيد! الآن هم يعيشون في حي ما وعودتي إليهم ستسعدهم كثيرا!»
هم بالذهاب إلي أحد البيوت المقامة علي الطرف المقابل كي يتصل بأسرته لكنه رأي امرأة عجوزا تمشي من بعيد. أم جواد، جارة أسرته من زمن. كان متحمسا، فلربما هي تعرف أين أسرته الآن.
فاجأها قدومه فسقطت كل الأشياء التي كانت تحملها في يديها، ثم تعرفت عليه وبدأت تصيح وتبكي بدون نهاية. لكن هذه الدموع والصيحات لم تنبع من سعادتها برؤيته بل من الحزن والحسرة. ذكرها وصوله بالماضي والمعارف الذين ماتوا منذ بداية الحرب الثورية. دعته إلي بيتها وهي ما زالت تبكي ومشيا معا في الشارع الصامت.
كان البيت صغيرا وباليا فقد خربت أجزاء الجدران في الهجمات الصاروخية الحكومية التي كانت تمطر عليهم كل أسبوع تقريبا. قالت الحكومة إنها تكافح الإرهابيين ولكن في حقيقة الأمر لم يجد إرهابيين هنا أيامها بل المقاومة. لكن الحكومة لم تبالِ وأرادت الحفاظ علي سلطتها بأي طريقة ممكنة.
جلسا في صالون البيت وشربا القهوة بدون كلام. مر الوقت ببطء. ثم قال جمال فجأة: »‬هل تعرفين أين أسرتي؟»
كانت أم جواد مطرقة. لم تتكلم. رفعت فنجان القهوة إلي شفتيها ومصمصت رشفة صغيرة كأنها لم تسمع السؤال. ابتلعت القهوة وأخيرا ردت عليه: »‬ماتوا.»
لم يصدق جمال أذنيه. »‬ماتوا؟»
رفعت بصرها إليه. »‬أعدمهم النظام لأنهم لم يمتثلوا لقوانين الحكومة الجديدة.»
لهث جمال وتسارع نبض قلبه. »‬لا، مستحيل! أيدت أسرتي المقاومة!»
»‬نعم،» قالت أم جواد بحزن، »‬ولكن النظام الجديد لم يكن يمثل المقاومة التي أيدناها.» صمتت وشربت من فنجانها.
لم يشرب جمال. حملق في عينيها. »‬ما معني هذا الكلام؟ عندما أفرجوا عني اليوم ظننت أن المقاومة أسقطت النظام السابق، أخيرا. أليس كذلك؟»
هزت رأسها. »‬بعد اندلاع الحرب الثورية، ظهر الكثير من الجماعات المعارضة. سجنوك لأنك أيدت قوات المقاومة الديمقراطية، صحيح؟ لكن في وسط الحرب بدأت المقاومة العلمانية تخسر معاركها وتدريجيا فقدت السيطرة علي حركة المقاومة لصالح قوات المقاومة الإسلامية. في نهاية الحرب بقيت جماعتان فقط:  النظام السابق والإسلاميون. لم يكن لدينا خيار آخر. كان إسقاط النظام من الضروري، فكان علينا أن نؤيد الإسلاميين.»
بدأت تبكي من جديد. »‬رفضت أسرتك أن تؤيد الإسلاميين وقالت إنهم إرهابيون. بعد سجنك أراد الإسلاميون أن يضربوا مثالا علي حزمهم. وفي يوم بارد في الشتاء منذ ثلاث سنوات، جمع الإسلاميون أفراد أسرتك في العاصمة، حيث كانوا يسكنون بعد خراب بيتهم، وأعدموهم في الميدان.»
قاطعت دموعُها كلامها. وجم جمال وتأمل وضعه. كيف حدث كل ذلك بينما كان يجلس في السجن؟ كيف قتلوا أسرته دون إبلاغه؟ وفوق هذا كله لماذا أطلقوا سراحه؟
عرف الإجابة عن السؤال الأخير في قلبه. عرفوا أنه سيعود إلي بيته وسيعلم بإعدام أسرته بسبب معارضتهم للإسلاميين. عرفوا أن حياته الحرة بدون عائلته ستكون أسوأ من الحياة في السجن. أرادوا تعذيبه.غضب جمال من العالم. استمرت أم جواد في البكاء بينما خرج هو من البيت. كانت السماء تمطر. عدا في الشوارع ومر بالمباني المدمرة حوله. جري إلي وسط المدينة، إلي الميدان حيث قتلت أسرته. جثا علي ركبتيه وبكي. »‬لماذا؟» صرخ بأعلي صوته. »‬لماذا دمرتم حياتي؟»
استمر في البكاء، لاهث الأنفاس. »‬لن أصالح! هذا ليس الوطن الذي أريده. استبدلنا نظاما قمعيا بنظام آخر لا يهتم بحقوق مواطنيه. أريد إسقاط النظام هذا!»
جاءت الشرطة واحتجزته. جاءت به إلي السجن مرة أخري وهو ما زال يصرخ ويلعن النظامين اللذين دمرا حياته. جلس في ظلمة زنزانته صامتا، منتظرا القمع والموت اللذين لا مفر منهما.