رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

كوكس - دورة الزمن


كريستوف رانسماير ترجمة: حنان منير
8/5/2017 10:15:40 AM

الفصل الأول
هانج زو -الوصول

بلغ كوكس الأراضي الصينية تحت أشرعة رخوة في صباح يوم من أكتوبر، اليوم الذي تم تحديده لتنفيذ حكم كيان لونج - سيد جبابرة الأرض وإمبراطور الصين-علي سبعة وعشرين من رجال الضرائب والعقارات بقطع أنوفهم.
سرت الكتل الضبابية ببطء في ذلك اليوم الخريفي المعتدل فوق سطح المياه الهادئة لنهر كيان تانج، ذاك النهر الضحل ذي القاع الرملي في الأصل، والذي سُخِّر مائتا ألف عامل لتوسعته في عملية عسيرة بالوسائل البدائية المعروفة التي لم تتعد الجواريف والسلال، وذلك لتنفيذ مشيئة الإمبراطور في إصلاح عيب تجاسرت الطبيعة علي اقترافه، وجعْل النهر صالحا لملاحة السفن العملاقة، وربط المدينة بالبحر وخليج هانج زو.
كانت حركة الضباب الجارفة تحجب السفينة عن أعين الحشد الذي تجمع في ساحة المحاكمة، المتاخمة للميناء. بحسب سجلات الشرطة، كان عددهم ألفين ومائة شاهد علي عدالة الإمبراطور كيان لونج المعصوم من الزلل.
ما بين ثرثار وصامت متوجس، ترقب الكثيرون منهم في حلاتهم الزاهية حضور السياف، ملتفتين ملمح الجسد المهيب للسفينة ثلاثية الصواري الذي يظهر بين حين وآخر، وهو يسري في النهر مقتربا، كلما انقشع الضباب. يا لها من سفينة!
لم يستطع بعض المحكومين المقيدين علي أعمدة، هم أنفسهم، سوي أن يرفعوا رؤوسهم ناظرين نحو السفينة الشراعية التي تمخر في صمت بأشرعتها المربعة ذات اللون الأزرق الداكن، بينما بدا أن حشد المتجمعين حول المنصة التي تحمل المحكوم عليهم قد نسوا أن كل اهتمام العالم مخصص وفقط لتنفيذ أوامر الإمبراطور بدقة بالغة، ابن السماء الذي، علي سبيل الرحمة، سمح بأن يشاركه البشر والأشياء في كل شاردة ونظرة من أعين عبيده.
لا فيضان ولا انفجار بركانياً ولا زلزال ولا حتي كسوف الشمس مبررات مقبولة لأية خاطرة ترد علي بال أحدهم أو للانشغال بوقائع الحياة المعتادة، دون الإذن من جلالة الإمبراطور المعظم.
بعملية توسيع نهر »كيان تانج»‬ أثبت الإمبراطور أن إرادته استطاعت أن تجعل المدينة قابعة علي ساحل البحر، وجعلت البحر يصل لحدود حدائق ومتنزهات »‬هانج زو»
من وقتها أصبحت السفن الجارية تُحمل بقوة المد والجزر حتي شاطئ ومرسي المدينة كأنها قرابين المحيط إليها، بينما مكن تبادل المد والجزر علي مجري النهر المعاكس، والذي كان كمرآة تعكس عظمة الإمبراطور، السفن الكبيرة من أن يسعها النهر.
ولكن، ما الأهمية فعلا لدي العظيم الذي تحكم قوانينه كل مناحي الحياة، ومسري نهر، والحدود الساحلية وتتحكم حتي في طرفة العين وأفكار الرأس الخفية إذا ما اقتربت سفينة شراعية لم يُر قبل في ضخامتها عابرة المياه السوداء العميقة حتي دخلت مياه ال »‬كوان تانج» الجيرية ذات رائحة المدابغ الكريهة؟
كان الإمبراطور مختفيا عن الأنظار، بعكس السفينة التي كانت تظهر لعدة نبضات من القلب قبل أن يحولها الضباب مرة أخري إلي واقع بلا أدلة.
علي ساحة المحاكمة بدأ بعض الأفراد الجالسين علي المحفات أو المستظلين بأشجار اليوسفي في التهامس حول الشائعة التي انتشرت في الأيام الماضية المسربة من بلاط الإمبراطور عن القدوم المنتظر لرجل إنجليزي علي سفينة شراعية محملة بآلاته الثمينة والساعات... لكن، وأيا كانت هوية المتهامسين، لم يجرؤ أحد منهم علي الإشارة نحو السفينة ثلاثية الصواري التي تقترب في الأفق، وهم يتلفتون حولهم بعد كل جملة في حذر مخافة أن تتنصت عليهم إحدي آذان الإمبراطور العديدة، أو أن يراهم أحد أتباعه المنتشرين في ستراتهم المطرزة وأروابهم الموشاة بالفرو، والذين في استطاعتهم أن يشوا بأسمائهم بكل يسر إلي الشرطة أو إلي المخابرات السرية مُتهَمين بأنهم انشغلوا بشيء آخر سوي ما أمر الإمبراطور بأن يكون همهم الأوحد، ألا وهو تنفيذ الأحكام المرتقب... تلك هي إرادة الأعظم، ولكن، هل تتجه تلك السفينة الزرقاء المهيبة نحو أبهي وأغني مدن إمبراطوريته وفق إرادته فعلا؟
كيان لونج سواء خفي عن الأبصار، أو خطفها في إشراقته الذهبية الحريرية البراقة المشربة بالحمرة، كان في كل حالاته... إلاها، ورغم انتهائه في تلك الأيام من جولة تفقدية لسبعة أقاليم في مدينة هانج زو في قافلة تضم أكثر من خمسة آلاف من رجال حاشيته، وأنه يهم بالعودة إلي بكين في أسطول مكون من خمس وثلاثين سفينة عبر »‬القنال الكبير» الشارع المائي الذي حفر خصيصا لتنقله وحده، إلا أنه لم تقع عليه عين أي أحد من سكان تلك الأقاليم ولا حتي كبار أعيانها، ولو للمحة واحدة، فالإمبراطور في آخر الأمر لا ينبغي له أن يجهد عينيه في النظر إلي المتاعب الحياتية اليومية، ولا أن يرهق مزاجه في محادثات لا داعي لها.. ما يُري أو يُقال يقوم به أتباعه، وهو يري كل شيء ولو بعيون مغمضة، ويسمع كل شيء وإن كان نائما.
في هذا الصباح كان الإمبراطور كيان لونج، ابن السماء وسيد الأزمان أسيرا لهلاوس الحمي تحلق به عاليا فوق أسوار وأسطح »‬هانج زو».
محروسا بالمئات من المحاربين المدججين بأسلحتهم، فوق السحب الضبابية في مكان ما بين سلاسل التلال الخضراء، حيث يفرض الهواء الخريفي المحمل بالعطور الطيبة نفسه بقوة، وحيث يُجمَع أغلي أنواع الشاي في الإمبراطورية...كان الإمبراطور راقدا كالطفل الرضيع علي سرير معلق علي أربع ضفائر حريرية مزخرفة بخيوط أرجوانية ومعطرة بزيت الخزامي والبنفسج تتدلي من الدعائم الخشبية الحمراء لخيمته الاحتفالية الفخمة.
فوق ستائر السرير المعلق الشفافة ترفرف ريشات طائر العندليب المطرز في التيار الهوائي بكسل.
نصب رجال البلاط خيامهم وخيمة الأعظم الحريرية عاليا فوق المدينة، زاهدين في فخامة قصور هانج زو الخالية والمعدة لاستضافتهم منذ أسابيع، ذلك لأن الإمبراطور يفضل الرياح في أسفاره أحيانا وتقلبات الجو التي يواجهها حصن من أقمشة وأربطة وبيارق علي جميع الحجرات والأسوار حيث تتربص المخاطر والفخاخ التي يمكن أن تنصب له من المتآمرين والقتلة.
في تلك الأيام، وأخذا في الاعتبار الارتفاع الشاهق لقباب التلة حيث يعسكر كيان لونج، بدا الأمر كأنه يحاصر إحدي مدنه.
محاطا بطوفان من ورق الالتماسات والأحكام والمخطوطات البديعة والتقارير واللوحات مائية والعديد من الرسائل التي ما تزال معقودة ومشمعة في انتظاره لقراءتها وتفحصها ثم اعتمادها ربما أو الإعجاب بها أو رفضها كما هو الروتين اليومي المعتاد في تلك الساعة الصباحية، كانت الأحلام تطارد الإمبراطور المحموم، أيقظته منها محاولة خادمه الأول إنقاذ مستند هام من قبضته المتقلصة علي جسده المنتفض وتجفيف جبينه المتعرق بقطعة من قماش الباتيستا المُنداة بخلاصة اللوتس.
»‬لا. لا! ابتعد عني» قالها الرجل ذو الاثنين والأربعين عاما الذي أظهره بذخ الوسائد والشراشف حوله مرهفا وضعيفا إلي حد ما، متقلبا ومعترضا كطفل صغير غاضب... كان يريد لكل شيء أن يبقي في مكانه حتي صوت حفيف الفوضي الورقية.
حركة واحدة غير ملحوظة من سبابة الإمبراطور تكفي لأن تتحجر يدا الخادم وأن تتراجعا فورا عما همتا به.
ورغم ذلك... مَن مِن الحضور جميعا من خدمه المنحنين في صمت، أو الأطباء الذين توعدوا بالقتل لو أفلتت منهم كلمة واحدة عن الحمي أو أي مظهر آخر لضعف الأعظم خارج حدود خيمته، ومَن من حرسه الخاص في دروعهم الأرجوانية الحمراء المتحلقين حول الخيمة كالمدرعة الحية الساكنة، كان يجرؤ علي التشكك في أن الإمبراطور المتمدد أمامهم محموم وغارق في نوبات التعرق ليس، وفي نفس اللحظة هناك في المدينة السفلية المُحاطة بالضباب. أنه ليس حاضرا الآن وسط السبعة والعشرين محتالا المهددين بالتشويه وأنه ليس هناك الآن في قلب المياه السوداء للمرفأ حيث يُسمع صليل مرساة السفينة الإنجليزية العملاقة وهي ترتطم بقاعها.
وكأن ذلك الصليل الذي أخرس الجموع هو الإشارة لظهوره... فحتي وقبل أن تستقر المرساة في القاع وتشتد سلسلتها، تقدم رجل يابس شديد النحول له ضفيرة بطول حزام الخصر في صمت ناحية أول وتد قيد إليه أحد السبع والعشرين الصادرة ضدهم الأحكام.... إنه الجلاد.
انحني قليلا أمام المحكوم عليه الذي كان يتمتم في رعب، وضغط بإبهامه الأيسر أرنبة أنفه إلي الأعلي وبمدية تشبه المنجل في يده اليمين أحدث قطعا سريعا بداية من منبت الأنف مرورا بعظمته ووصولا إلي أول الجبهة.
مع الصراخ المؤلم الصادر عن وجه غريب يشبه كثيرا الجمجمة ومع التجويف الذي أنتجه البتر والذي اندفعت منه الدماء دافقة، ومع تنامي تلك الصرخات التي تصم الآذان بعد مرور الجلاد علي الأوتاد واحدا تلو الآخر، اختلطت أصوات ضحكات متفرقة ومتزايدة.
الآن بعد أن فقدوا ماء وجوههم فقدوا أيضا وأخيرا أنوفهم! وتلك عقوبة لطيفة، لطيفة للغاية في مقابل أنهم روجوا أوراقا بلا قيمة في أسواق بكين وشنغهاي وهانج زو في محاولة لإخفاء خديعتهم باستخدام أموال الضرائب، تلك الأموال الذهبية التي تخص القيصر!
زاحفين علي بطونهم توجب عليهم تأدية الشكر والعرفان للقضاة، وبحسب رأي بعض الضاحكين المتجمعين فوق منصة الحكم كان ينبغي أن تقطع أعضاؤهم الذكورية وتحشر في أدبارهم حتي تمتلئ أفواههم بخرائهم، أما أن تتدفق الدماء من وجوههم القذرة وأن تسقط أنوفهم كالفاكهة العطنة فوق المنصة فقط فقد كان ضربا من الرأفة.
شمشم زوج من الكلاب الضالة التي تتبع خطي الجلاد حول الغنائم الساقطة، لكنها لم تمسها قط، بل فعل سرب من الغربان التي هبطت في صمت قبل لحظات قليلة من فقدان آخر مذنب لأنفه، من فوق الأجراس المنتشرة علي سطح معبد بوذي، والتي وبدون أية أسباب واضحة أهملت أربعة أو خمسة من الأنوف المتناثرة وتركت من خلفها آثار مخالب فوضوية دموية.
تُري هل كان الإمبراطور حاضرا في هيئته الخفية مبتسما وسط الشهود السعداء بعدالته؟
وكأن صليل حلقات المرساة وصرخات الألم المفزعة التي تبعتها والتي صعدت من المدينة أسفله حررته بلا رجعة من أحلامه المتشابكة، انتصب ابن السماء القابع في الأعلي بين سلاسل التلال فوق سريره المعلق والذي ما زال يهتز بنعومة من أثر انتفاضاته المحمومة الأخيرة.
لكن... حتي الخادم الراكع في تلك اللحظة بجوار السرير المعلق لم يستطع تفسير ما قاله كيان لونج حينها وهو يزأر: هل وصل أخيرا؟ الإنجليزي هذا، هل وصل؟
وقف أليستر كوكس، صانع الساعات وبَنَّاء الآلات القادم من لندن، حيث يرأس أكثر من تسعمائة ميكانيكي للصناعات الدقيقة وصائغي المجوهرات والذهب والفضة، علي حافة ثلاثية الصواري »‬الشعري اليمانية» متجمدا رغم إشراقة شمس الصباح التي ارتفعت فوق تلال هانج زو تاركة الضباب يتبخر فوق المياه السوداء.
برد. برد. اللعنة.
تلك »‬الشعري» كانت المأوي والملاذ البغيض الأوحد له طوال سبعة أشهر قضاها في رحلات بحرية مزقتها العواصف من أول شاطئ ساوثهامبتون الإنجليزي إلي الشواطئ الأفريقية المدنسة بالملاريا عن طريق رأس الرجاء الصالح مرورا بالمرافئ الهندية والجنوب شرق آسيوية الملوثة بالملاريا أيضا وصولا إلي خليج هانج زو النتن.
خلال تلك الرحلة تعرضت السفينة لكسرين رئيسين في هيكلها، مرة وهي علي الشواطئ السنغالية، والأخري وسط تيار هائج أمام جزيرة سومطرة، وفي الحالتين تعرضت هي وما تحمله من نفائس لغرق مؤكد.
ولكن مثل سفينة نوح حماها القدير وما عليها من حيوانات معدنية عجيبة من طواويس مصوغة من الذهب والفضة ورصعت ريشات ذيولها بالأحجار الكريمة، وفهود آلية، وقردة وثعالب قطبية فضية الشعر، طيور رفراف النهر، وعنادل، وحرباوات من نحاس مطلي بالذهب يتحول لونها من الأحمر الياقوتي إلي الأخضر الزمردي القاني، لم تغرق »‬الشعري» في قاع البحر إنما وبعد إصلاحات طويلة الأمد علي شواطئ عدوانية الطابع تمكنت من استئناف رحلتها إلي أرض واعدة يحكمها إمبراطور إله.
كوكس الذي لم يبحر في حياته من قبل، نما لديه عَرَض عجيب في الليالي الصاخبة التي فقد حتي الربان فيها الأمل في أن تقوي سفينته علي الصمود أمام البحار العاصفة، وكان يتفاعل مع المواقف الكارثية المخيفة: بدأ جسده يتجمد عند إحساسه بالخطر، حتي تحت الحرارة الاستوائية لجنوب شرق آسيا وإندونيسيا. وكان الأشخاص المجاورون له يسمعون أحيانا صوت اصطكاك أسنانه من البرد.
ويعزي ارتجافه في هذا الصباح المشمس إلي نظرة واحدة أخذها من خلال التليسكوب المزخرف بدقة والذي انتوي تقديمه هدية لمُضيفه امبراطور الصين في أول مقابلة بينهما.
فسر طاقم السفينة بالإضافة إلي كوكس الأصوات الضاحكة والصارخة وقرع الأجراس الآتية من ساحة المحاكمة محمولة عبر النسمة السارية فوق المياه الراكدة، والتي عبرت لأسماعهم من خلال الثقوب في هيكل السفينة المصاب علي أنها مظاهر احتفالية... إمبراطور الصين علي ما يبدو قد أعد استقبالا حافلا لقدوم مصمم الآلات وصانع الساعات المسيحي الغربي الأوفر حظا علي الإطلاق.
وفي واقع الحال كانت هناك صواريخ نارية تصعد إلي السماء، باهرة لدرجة أن أذيال الدخان اللولبية المتكاثرة المتصاعدة بعد انفجارها لم تبهت ألوانها القوس قزحية بجوار الشمس الساطعة في الأفق. لكن نظرة كوكس عبر التليسكوب لم ترصد مسرحا مزينا بالورد تقف عليه فرقة أوركسترالية، ولا صواري ترفرف فوقها الرايات... إنما منصة يعلوها سبعة وعشرون وتدا كدليل كاف علي أن هذا لم يكن احتفالا قط.
ارتجف كوكس. استدعت ذاكرته مشهد رسل الإمبراطور... اثنين من الرجال بضفائر طويلة يرتديان زيا غريبا، علي بساطته مصنوعا من الحرير والصوف اللامع اللذين حملا إليه دعوة الإمبراطور في ذلك الخريف المشؤوم منذ عامين حين توفيت ابنته الحبيبة أبيجيل -شمسه ونجمته-ذات الخمسة أعوام إثر إصابتها بالسعال الديكي.
توجه الرسولان إلي الغرفة الجنائزية لرؤية كوكس الذي رفض مقاطعة حراسته لجثمان ابنته ولقاء الشخصين رفيعي المستوي في غرفة الاستقبال. حينها كانت قد مرت عليه ثلاثة أيام بلا طعام نهائيا وما لا يكاد أن يذكر من الشراب واستمع لصوت مترجم يعمل لدي شركة شرق الهند التجارية كأنه قادم من مكان بعيد وهو ينقل له كلمات الرسل: باسم الإمبراطور العظيم كيان لونج ابن السماء، نلتمس من السيد أليستر كوكس الحضور إلي بلاط بكين كأول شخص من بلاد الغرب يسمح له بدخول وسكن إحدي المدن المحرمة وذلك لابتكار تحف لم تخطر علي بال أو وقع عليها نظر أعظم المتحمسين المحبين لجمع الساعات والماكينات في العالم من قبل وعلي حسب مخططات ورؤي وأحلام الأعظم.
في الوهلة الأولي ظن الرسولان أن النعش داخل غرفة أبيجيل الجنائزية المزينة بأكاليل من الزهور الدمشقية البيضاء ودستات من الشموع البيضاء النقية لا يرقد فيه جسد طفلة ميتة، إنما أحدث إبداعات صانع الآلات الأشهر، ملاك ميكانيكي مصنوع من أجود الصفائح المعدنية، والذي سوف ينهض ويفتح عينيه في أي لحظة مستجيبا لضغطة علي زر ما.
أثقل كوكس جفني طفلته بالياقوت الأزرق الذي كان قد خصصه لحدأة حمراء طلب صناعتها منه دوق مارلبورو.
بجناحي الحدأة الفضيين غطي كوكس ذراعي أبيجيل النحيلتين. علي جسدها الهزيل من الحمي والسعال، المتدثر في كفن من القطن الساتاني، كان جناحا الطير الجارح يلمعان كأنهما جناحي ملاك.
كوكس نفسه كان يشعر وقتها أن بشرته وملامحه قدَّت من معدن، برودة دموعه التي تسيل ببطء فوق وجنتيه أشعرته كأنه تمثال يجلس أسيرا لجوفه المظلم، حينها أدرك أحد الرسولين ما اختلط عليه من أمر، وأن الجثمان الماثل أمامه لطفلة لا لآلة فانحني بشدة ثم خر علي ركبتيه أمام الجسد الصغير مقدرا أنه إجراء كاف لإظهار احترامه لمراسم الحضارة الأجنبية عنه.
في العامين اللاحقين لم تمر ساعة في يوم إلا وكانت أبيجيل تسكن خاطر كوكس، وتوقف تماما عن صناعة الساعات.
لم يجد الرغبة في استعمال أي ترس أو مكبح أو بندول ولا إنجاز أي من الأعمال المبعثرة فوق طاولة العمل، عندما تكون تلك الأشياء أجزاء في أداة قياس الوقت الذي يمر كالبرق ولا سبيل لمضاعفته ببذل أي كنز من كنوز العالم.
خمس سنوات، فقط خمس سنوات! كانت نصيب أبيجيل من الحياة بكل ما فيها من زخم، وبعدها كان لزاما عليه أن ينزل تابوتها الصغير في أعماق حفرة في مدفن هاي جيت، وباستثناء آلة زمنية غامضة وضعها علي شاهد قبرها بديلا عن ملاك من الرخام أو إله غابة حزين، أزال كل الساعات من حوله، حتي الساعة الشمسية المعلقة علي الناحية الجنوبية من منزله في مقاطعة »‬ شو لين » لم تسلم من ذلك.
اعتزم أن يكشف عن تصميم تلك الساعة التي أحاطها اللبلاب والزهور بعد شهور قليلة من الدفن، والتي لم يريه حتي لـ »‬فاي»، علي طاولة عمله في الصين، هناك حيث يجري البحث عن آلية تستطيع أن تدور وتدور في الزمن حتي يتسع وتخرج منه إلي الأبدية، كما تحرر الحشرة نفسها من قيد شرنقتها. سماها »‬ ساعة حياة أبيجيل» حلية القبر المستترة مرة بالنوارات ومرة بأوراق الأشجار اليابسة، ومرة بزهور الكركديه، علي حسب فصول السنة... والتي أراد أن يستقرئ منها ما ينقضي من عمره وربطه بالراحة الأبدية لأبيجيل.
عندما كانت تنفذ في مصانعه في ليفربول أو لندن أو مانشستر طلبيات لمقاييس الوقت »‬الساعات» من أفراد الأسر الحاكمة أو شركات الملاحة أو البحرية الملكية علي أيدي المئات من صناع الساعات والميكانيكيين المهرة والمزودة بكونومتر »‬تحكم ميقاتي» وصنعوها علي هيئة طائر الشحرور أو العندليب وأضافوا إليها أصواتها التي تصدح بتغاريد مختلفة حسب أوقات اليوم إن كان ظهرا أو مساء أو ليلا...كان ذلك كله ومنذ وفاة أبيجيل ينفذ تحت إشراف صديقه وصاحب عمره جايكوب ميرلين والذي صاحبه حتي الحافة.
كما الآن ولسبعة أشهر مضت، كان جايكوب يقف غالبا إلي جوار كوكس علي ظهر السفينة، كأنه يتخوف في أي لحظة من الحاجة إلي إيقاف أليستر كوكس ذأتعس رجل في العالم-عن البحث عن سلامه النفسي في عمق المحيط الأسود.
لن نضطر بالضرورة إلي بلوغ الأرض عن طريق منصة الإعدام، أليس كذلك؟ تساءل ميرلين الذي يحمل منظارا أيضا.
شهد كوكس تنفيذ حكم الإعدام لمرة واحدة في عمره، فوق منصة علي ضفاف نهر التايمز حيث شُنق ثلاثة من لصوص البحر بواسطة أحبال قصيرة علي غير العادة حتي لا ينالوا رحمة كسر العنق عن طريق المسافة المعتادة للسقالة، بل يختنقون رويدا رويدا وبقسوة تحت وطأة ثقل أجسادهم حتي الموت. »‬رقصة القراصنة» أطلق المشاهدون تلك التسمية علي اللصوص وهم يركلون الهواء في محاولاتهم البائسة للتنفس، تلك هي العدالة الملكية.
ارتجف كوكس. خلال العقدين الماضيين أرسلت أرقي بيوت إنجلترا والقارة كلها طلبيات عدة إلي مقره في شو لين، بعضها لرفاهيتهم الشخصية، والبعض الآخر لكي يكتسبوا صداقة حكام ورجال بلاط ممالك عظمي لا تقهر، مثلما أهدي أحدهم أحد رجال بلاط الإمبراطورية الروسية. لكن، هل حدث أبدا أن طلب أحد الـمُهدي إليهم من أصحاب النفوذ والعظماء والذين تسلموا هداياهم مرفقة بطلبات من الذين أهدوها لهم من قبيل تيسيرات في الطرق التجارية أو تسهيلات جمركية أو أية مميزات أخري أن يري صانع تلك الساعات والآلات؟
امبراطور الصين فعل
وكوكس الذي قبل دعوة كيان لونج بعد أن أمضي شهرين في التفكير، أرسل لبكين مسودة تفصيلية بالحبر لخطوات صنع طائر رفراف آلي علامة علي موافقته علي الحضور، علي أمل أن تلهيه سفرته إلي الصين عن قسوة الزمن، وأن يصنع آلات، وربما ساعات من جديد. مخلوقات آلية ستظل في حقيقة الأمر ألعابا دائما بالنسبة لهذ طواويس عنادل أو فهود من الياقوت الأزرق والأحمر اللامع، ألعابا لأبيجيل.
وها هو الآن من بعد أمراء ومليارديرات وملوك الحرب في أوروبا، أغني وأعنف البشر في زمانهم، يأتي الدور علي إمبراطور شبه إله في قاعات عرشه وساحات التجمهر لكي يلعب بالحيوانات المدهشة والدمي التي تخص الملاك النائم - والمنتظر أن يُبعث -تحت شجرة صنوبر باكية في هاي جيت، وأن يضيء مملكته بومضة من براءة الطفولة.

تعليقات القرّاء