رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

حروف الغربة


عصام سعد حمودة
8/5/2017 10:16:54 AM


من بين الصمت تدافع الصوت عاليا: »بوستة»‬ هاتفا باسم جيرانه الذين يسكنون في الدور العلوي في المنزل المكون من دورين.
يتوالي النداء.. يخفت.. يرتفع لينزوي شيئا فشيئا الصمت الذي كان يحيط به، هذا الصباح لم يسمع صرخات الأم في وجه ابنتها الصغيرة؛ التي كانت تذرع الشقة ذهابا وإيابا وصوت بكاء البنت الذي دائما يبدد صمته. يمضي تجاه باب الشقة.. بريد.. يمضي. بين حيرة وتردد يفتح مناديا بالرغم من أنه قطع صلته بهم ولم يعد يربطه شيء بهم. يرتد لصوته صداه، يقذف إليه الموزع خطابا راجيا تسليمه إليهم. يدخل شقته.. يلقيه علي أقرب أريكة، يسقط علي اسم الراسل.
يده ترتعش وهي تضم الخطاب بين الأصابع، يمعن في اسم الراسل جيدا يأبي قدره أن يذوق طعم النسيان.
تذكر خطاباتها إليه.. كلمات مسطورة علي ورق ملون، أحلام.. أحبك.. أعشقك.. إلي الأبد. رحلت لبلاد أخري بعيدة بعد زواجها. يعلق كل يوم أحزانه بعد رحليها. يدفنها بين دفات الصدر.
يذكره بها دائما سكن أختها معه بنفس المنزل، تسميتها لابنتها باسم حبيبته، الحزن يسبل دروبه والقلب يحمل أتراحاً كثيرة والنفس كل يوم تشقي في غيابها. يقرر فتح الرسالة فقد اشتاق لحروف كلماتها، يلقي بها مستغفرا ومتعوذا، ولم يترك ركنا في أركان شقته لم تطأه قدماه.. ماثلة في مقلتيه حروف اسمها، أشياء كثيرة تزجره وتنهاه، وما الذي يضيره لو قرأها وأعادها من جديد لهيئتها الأولي.
يعالج لزوجة الخطاب.. يفضها. تسيطر عليه مسحة من قلق وتساؤلات عديدة تحويها تلك الرسالة؟ أأسرار بين أختين؟! بالرسالة شيء يذكر عنه. تمر مقلتا العينين بسرعة علي الديباجة والتحيات والسلامات.
أما بعد
أختي الغالية: في تلك البلاد لا أحد يزور أو يزار. يموت الإنسان دون أن يدري به أحد من جيرانه. اللهم إلا إذا انبعثت تلك الرائحة؛ فتتأذي مشاعرهم. وقتها يتحركون وعندها تستقر في العين لحظات قليلة جدا من الحزن، ثم يعودون لحياتهم من جديد كأن شيئا لم يكن. تذكرين ونحن صغار شقتنا وشقق الجيران المفتوحة ندخل إحداهما.. نأكل.. نشرب.. نلعب. كان الدفء يحيط بكل القلوب. فارقت السعادة نفسي وعافتها منذ وطئت قدمي تلك البلاد. عندما رحلت من بلدنا عندما حرمت منه. حروف كلمة ممحوة، تلك هي حروف اسمه. تتسمر الحروف الممحوة في المآقي.. تغيم الرؤية.. تتبعثر السطور.. تختلف الجمل والكلمات.
***
يأتي من بعيد صوت.. يغيب في نشوته..
ما بحبش حد إلا أنت           ولا نفسي كمان يا حياتي
من بعد ما حبك غطي          غطي علي حبي لذاتي

 
وهي تأتي لزيارة أختها تمارس طقوسا لا تحيد عنها.. »‬بس.. بس»، عيناه لأعلي، تشير له بالساعة، تحدد الموعد بأصابعها.
كان يصل قبل موعده بوقت طويل يجدها في انتظاره جالسة. تتشابك أصابعهما، وسط الصخور والموج المتلاطم حولهما، ينسجان أحلامهما الصغيرة يبنيان بيوتا وقصورا، يحتضن كفها رسالة منه، تناوله الأخري، ويمضيان عائدين. تمحو أصابعه دمعة انحدرت علي خده، يعود لمزج أحرف الرسالة وتكوين الجمل من جديد.
أختي العزيزة/..
في ذلك البلد الكل ترس في آلة صماء.. تحكمها قوانين وأشياء كثيرة تلتهم من يغفل عنها أو يتواني لحظة، روتين يومي لا تتغير أحداثه أبداً.
يصحو زوجي من نومه.. يتناول إفطاره واقفا.. يسرع لعمله. وأظل جالسة في انتظاره. يعود آخر اليوم وقد نسج خيوطا للنوم، وأعد نفسه لذلك دقائق قليلة وصوت دوي أنفاسه يبدد صمت الليل الطويل.
كل شيء يتجمد.. غبش جليدي علي زجاج النوافذ التي يطل منها ضوء باهت في وسط الصقيع، الشمس والنجوم اختفيا ولا يبقي إلا ضوء الطريق والشعاع المتسرب من خلال الستائر.
شيء يجبرني علي الرجوع. أحلم بتخطي تلك الأسوار، تحطيمها، حتي لا أعود إليها ألعن في كل يوم الغربة التي جعلتني لم أر أمي في لحظاتها الأخيرة. ملعونة تلك التي سرقت مني الأحلام.
(....) أتخيله يرقد بجواري. توقظه قبلاتي علي وجهه، أنهل من حبه ولا أفيق إلا علي صدي ابتسامة باهتة من زوجي.
هل عرف غيري؟ كيف هو؟.. أتزوج؟ مازلت احتفظ برسائله. أسمعك تقولين كيف وقد مزقتها بيديك.
لم أتخلص منها.. أعدت لصقها من جديد، وطُمست معظم حروف كلماتها لا يهم فإني أحفظها عن ظهر قلب.
تهفو الروح إليه. أشتاق لأنامله حين كان يداعب خصلات شعري، واستوقفني مرة أثناء صعودي لك ولم أدر بالدنيا حين لامست شفتاه شفاهي، وانتفض جسدي وارتعش.
أختاه:
سئمت كل شيء ولم يعد هناك سوي الرجوع، ولم يعد يربطني بالغربة شيء وتحطمت بيني وبين زوجي كل الأشياء.
أختك (.....)
يمعن جيدا في قراءة ما يخصه في الرسالة وما تتحدث عنه حروف كلماتها، أعاد قراءتها مرات ومرات، وفي كل مرة تتفاوت بالقلب مشاعر كثيرة، وما كان يؤرقه ويشغل تفكيره هو كيف يعيد الخطاب إلي هيئته الأولي.