رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

حارس الفراغ


ياسر جمعة
8/5/2017 10:18:39 AM


يأخذ نفَساً طويلاً من سيجارته، يبتلعه، ويطفئها في الجدار بحرصٍ، ثمَّ يضعها في جيب قميصه الملتصق، من كثرة اتساخه، بجسده النحيف. يسعل في حذَر وهو يتلفَّت من خلف ستارة النافذة الحائل لونها. يتناول زجاجة مياه من الركن المظلم، يرتشف منها جرعة صغيرة ويعيدها مكانها، وقبل أن يرفع بندقيَّته، يمسح علي لحيته كثَّة الشَّعر.
من عدسة البندقيّة يري جيش الأعداء، الذين كانوا أصدقاء الصبا، وهم يُبيدون المدينة. يتردَّد، في البداية، في مواجهتهم، وما يلبث، حيال عويل النساء وبكاء الأطفال والكهول، أن يقاتلهم، واحداً تلوَ الآخر يقتلهم وهو يصرخ، ويختلط صراخه بدويِّ الرَّصاص، الذي ما زال يحتل كيانه وأذنه، معظم وقته السائل، إلي أن يفيق، وقد نام، أو غاب عن الوعي، أو مات برصاصهم كما يتمنَّّي.
يري طفلاً، يركض ضاحكاً نحو أمِّه، التي تحمله في سعادة.. تشعُّ نوراً، يغسل روحه، فيغمض عينيه عليهما وهما وسط حديقة منزلهم الصغير. ينقبض قلبه ما إن يري الطفل يكبر في خياله، وينضمُّ لأحد الفريقين. تمزّقه الحيرة: يريد للطفل حياةً مديدةً، يصنع فيها كلّ أنواع الجمال، ولكنَّه يعلم أن... أن... يفتح عينيه مفزوعاً.
يُشعل ما تبقَّي من سيجارته مرَّةً أخري، غير عابئٍ أن تنتهي، وقد ركن بندقيَّته، وجلس مستنداً إلي الجدار، الذي أخفتْ لونه الحقيقيِّ، الرسومات المتداخلة، التي كان يرسمها ببقايا الأخشاب المحترقة، كلَّما شاهد، بعد طول مراقبة، ما يدلَّ علي أنَّ هناك حياة.
- هذا أسد، لا لا.. إنَّها قطِّة.
بأصابع يده اليسري يجفِّف دموع عينيه السَّاهدة، ويعاود النظر من عدسة البندقيَّة. تتحرَّك القطّة وهي تتشمَّم ما تحت الأنقاض، تتوقَّف أخيراً، يركِّز أكثر، يتزايد دقَّ قلبه وهو يراها، تحاول جاهدةً، أن تجذب ذراعاً تخثَّرت عليه الدماء.
- هذه ذراع، لا لا.. إنِّها رأسٌ بشعرٍ أسودٍ حريريٍّ.
يرتجف، يركن السلاح، يتلفَّت حوله، تستقرُّ نظرته علي لوحة المرأة ذات الجمال اليونانيِّ، التي وجدها دون إطارها، الذي رآها به، يوماً، في رحلةٍ كان قد قام بها، صبيَّاً، إلي المتحف الوطنيِّ. يتّجه إلي بقايا المقعد الوحيد، يُشعل فيه النار، ويضع علي ظهره( شالاً) نسائياً قديماً، ويقترب بينما أسنانه تصطكُّ.
تقع عيناه علي عدسة سلاحه، فيري ما رآه عبرها خلال شهورٍ طويلة.
- خيالاتٌ كانت هذه أم حقيقة؟
يتبسم وهو يهزُّ رأسه، يسري الدِّفء في أوصاله، يقوم إلي بندقيّته، يحملها وينظر، من خلف الستارة، عبر عدستها، يري، في كلّ الاتجاهات، نفسه. يندم أنَّه أنهي ما تبقَّي من السيجارة.
- هذا وقتها.
يُخرج من جيب بنطاله الرَّصاصة الوحيدة، التي يحتفظ بها منذ مدّة كبيرة، يلقّمها البندقيّة، ودون أن ينظر عبر العدسة، لأوّل مرَّة، يوجّه الفوَّهة إلي حلقه.

تعليقات القرّاء