رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

جارتنا ماتيلدا


أسماء هاشم
8/12/2017 10:07:54 AM

بيتها علي حافة نصف دائرة تشكل ساحة تتخذها نساء النجع فضاء للونس، جلسة العصاري  التي  تعقدها نسوة النجع في  تلك الساحة كانت تضم الجميع بمن فيهن جارتنا ماتيلدا التي  لا تختلف عن نساء النجع . ترتدي  »التوب « الأسود حين تخرج وتغطي  رأسها بطرحة مماثلة وتحت الطرحة تعصب رأسها بإيشارب مورد كانت تجذبه تلتزين قورتها بوروده . بعد موت الزوج صار الإيشارب قطعة من ثوبها الاسود تقصه علي شكل مثلث وتثني  حوافه بالماكينة وتربطه بشدة علي قورتها لتخفف الصداع الذي  صار يلازمها منذ جلست خلف ماكينة الخياطة .
بعد موت الزوج تحولت ساحة الونس لسرادق عزاء وشاركتها النساء النحيب عليه والنوم علي تراب الأرض حزنا عليه وكن يحملن صواني  الطعام من بيوتهن مرصوص عليها العيش الشمسي  المدور وطبيخهن المطهو خصيصا من أجلها بالزيت . فيما بعد ساعدها الجيران علي استبدال ماكينة الأحذية التي  كان يمتلكها الزوج الراحل بماكينة لصناعة الملابس.
بفرح جلست خلفها وبهمة راحت تضغط علي المشغل وتتابع اتساع دائرة زبائنها لتتعدي نسوة النجع إلي أقاربهن وأصدقائهن ومعارفهن في  النجوع الأخري ..
وانشغلت .. لم تعد تخرج كثيرا لجلسة الونس إلا في  لحظات هروبها من ازعاج صوت الماكينة كما تقول ورغبة منها في  رؤية النور بعدما تعبت عيناها من لمبة النيون المعلقة في  سقف الغرفة وأرهق بصرها التدقيق في  سن إبرة الماكينة وهي  تلضم الخيط في  ثقبها والتركيز في  خطوتها وهي  تنغرس في  نسيج القماش. خوفا من الاسترخاء في  جلسة الونس فإنها تجلس علي عتبة بيتها وفي  حجرها قماش تقصه أو ثوب تفك غرزه المغلوطة واحيانا تتستريح من كل هذا وتصنع لنا تدمي  من القصاقيص المتناثرة حولها ومن بقايا الأقمشة . قطعة مزدوجة مستطيلة تقصها علي شكل صليب تشق ذراعه السفلي  والأطول من كل الأذرع ليصبح ساقي  الدمية وبعدما تثبت بابرتها طرفي  القطعة تحشو بدنها بالقصاقيص . حتي تصير كطفل وديع .
علي هامش جلسة الونس كنا نحن بنات النجع نخطط مربعات الحجلة . سميرة ابنة جارتنا ماتيلدا كانت تشاركنا اللعب وتتقافز مثلنا علي رجل واحدة لمطاردة نفس الهدف وحين ينهكنا التعب تكون الدمي  التي  صنعتها جارتنا ماتيلدا بطلات لعبتنا التالية .
قبل سنوات تغيرت خارطة النجع وتراجع بابها ليختبئ في  نهاية ممر طويل ، ضيق ، له اتساع عرض الباب فقط محشور بين حائطين شاهقين لبيوت الجيران الذين زحفوا واستحوذ كل منهم علي المساحة الخالية قدام بيته وزحف علي الجانب لتتآكل واجهة بيتها.
حدث هذا بعد مشاجرة عنيفة بين الجيران ارتفعت فيها الأصوات والنبابيت وصراخ نساء النجع بينما جارتنا ماتيلدا ظلت في  بيتها خلف ماكينتها . تواصل دفع القماش تحت سن الابرة بينما ظلها يهتز علي صورة المسيح المعلق فوق صليبه علي الحائط المجاور .
كانت المشاجرة قد هدأت بتدخل رجال النجوع الأخري وانغرست النبابيت التي  كانت مرتفعة منذ لحظات في  قلب أرض المعركة وبدأ الجميع التقسيم توقتها فقط خرجت جارتنا ماتيلدا من بيتها . التفتوا إليها بثوبها الأسود الكالح وجسدها الذي  ترهل قليلا من جراء الجلوس خلف ماكينة الخياطة . لم تقف كثيرا قالت ما أرادت بجملة واحدة وصوت كان يخفي  رجفة واضحة لحظتها توقف الجميع وكأنهم  تذكروا فجأة وفي  تلك اللحظة فقط أنها تسكن البيت المجاور وتشارك الجيران في  الساحة الخالية قدام البيوت وأنه لابد لبيتها من مدخل وكان هذا الممر ..
تركت الجميع وعادت تجلس خلف الماكينة تضغط بقدمها علي المشغل بعصبية وتدفع القماش تحت سن الابرة وتتابع تقافزها صعودا وهبوطا وهي  تلتهم القماش فيجري  هاربا من الجهة الأخري . وعلي الجهة الأخري للماكينة كانت تقف بنت من بنات النجع تستعجلها لتنتهي  من تفصيل ملابسها . وبينما يدها تدفع القماش انغرس سن الابرة في  اصبعها خلصته بصعوبة وانتزعت الثوب ورمته في  وجه الصغيرة وزعقت في  سميرة ابنتها لتأتي  بقليل من الماء البارد ليجمد الدم النازف .
تغيرت خارطة النجع وتقلصت ساحة الونس تخاصة بعدما فتح في  جانب منها باب مندرة النجع واحتلت دكك المندرة جزءاً كبيراً من المكان فلجأت النسوة للدرب المفضي  لبيت جارتنا ماتيلدا يخبئن فيه ضحكاتهن ويتبادلن الأخبار . ونادرا ما كانت تشاركهن . وإن كانت تحرص علي توزيع عقود الخرز والطواقي  المشغولة عقب عودتها من زيارة دير مارجرجس .
قبل سنوات غادرت جارتنا ماتيلدا النجع. اشترت بيتا في  المدينة ولم يعد يراها أحد إلا مصادفة وغالبا في  شارع كنيسة المحطة وهي  ذاهبة أو عائدة من قداس الأحد.دقائق قليلة تقضيها مع من تراه في  سرد ذكريات النجع وجلسات الونس ولا تقصر في  دعوة الجارة القديمة علي كوب شاي  في  بيتها غير أن الجارة التي  مازالت تسكن النجع وتأتي  إلي المدينة لبعض الأمور الضرورية تنصرف علي وعد بزيارة قريبة .
جمعتنا مع سميرة ابنتها المدرسة الثانوية في  المدينة وفي  أول يوم دراسي  جريت ناحيتها وتظاهرت أنها لا تعرفني  ذكرتها بالحجلة التي كنا نتقافز داخل مربعاتها والدمي التي  كانت تصنعها أمها من قصاقيص الأقمشة وعقود الخرز الملون التي  تهدينا بها عند عودتها من دير مار جرجس مطت شفتيها وهزت كتفيها مؤكدة عدم معرفتها بما اذكر من تفاصيل فانسحبت أتعثر في  حرج شديد. داريته بالبحث عن نقاط الاختلاف بيننا فتذكرت الصليب المدقوق علي يدها وعيشها الشمسي  «المقرن» ورائحة معينة لا نخفي  نحن الصغار بحتنا عنها كلما دخلنا بيتها وطالعتنا صور المسيح المعلق فوق صليبه وأيقونات العدرا والقديسين الذين لا نعرف اسماءهم والترانيم القبطية المنبعثة من جهاز مدفون وسط أكوام الأقمشة .