رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

فصَام كَتاتُوني


محمد أبوالدهب
8/12/2017 10:10:51 AM

تعمَّدَ هيثم ألا يُظهر اهتماماً بما قاله الطبيب . لديه عُقدة قديمة ، وباقية علي ما يبدو ، مع الذين لم يكونوا، ثم صاروا، أطباء : أبوه لم يغفر له عدم دخول كلية الطب. ساعة موته، رفع رأسه بمشقة، وبدلاً من ترديد الشهادتين، تململ: لو كنتَ دخلتَ كلية الطب !
لم يكن - حتي - مهتماً بياسر ، ولم يستبعد أنه يدبِّر مَقلباً جديداً: هاتَفه هذا الصباح بعد ثلاث سنواتٍ من الخصام. طلب أن يرافقه إلي عيادة النفسيّة والعصبيّة. يخاف، إذا ذهب وحده، أن يجبره الطبيب علي الحجز بالمستشفي. كانت نبرته مُلزِمةً بلا ضرورةٍ مثل قرارٍ جمهوري في دولةٍ سائبة، وضائعةً - في نفس الوقت - مثل سحابة بيضاء وحيدة في زُرقة سماء الصيف. مع ذلك تردَّد هيثم، وفكَّر في اعتذارٍ مُفبرَك ، كعادته عند التملُّص من المواعيد ، لكنه ارتأي أن مشواراً كهذا لن يدمِّر العالم ، إضافة إلي شعورٍ كئيب ألمَّ به حين استبدل نفسه بياسر: أية مذلة أن تلجأ لمَنْ جافيته وجافاك. فضلاً عن وسواس عابرٍ - أضحكه ، تقريباً -  بأنه السبب !
 خرج ، عاقداً العزم علي ألا يعاكس إرادة الطبيب، إذا قرَّر التفريط في إرادة ياسر !
> > >
اعتقد لوهلةٍ ، داخل غرفة الكَشْف ، أنه في حفلة تنكُّرية ، وعندما يفرغ المحتفلون من أداء أدوارهم ، يتكشَّف - علي إيقاع سَرْسعة ضحكاتهم - أنه المغفّل الوحيد : ليس الطبيب المتحذلق الوسيم - وسامة أشرار السينما الجُدد - طبيباً .. ولا الممرِّض الجسيم ، الذي لا يفعل غير كتْم الضحك ، وترديد ( عيني ! ) ، إلا حدَّاد مُسلَّح .. أما ياسر ، فيروح يتثنَّي بجسده الليِّن ، كما لو كان لامرأة ، ويصوِّب سبابتيْه - واحداً بعد آخر - إلي وجهه ، مكافحاً الزغُطَّة التي داهمته من شِدَّة القهقهة ، ليقول متشفِّياً ، وهائصاً : شُفتني وأنا مجنون !
ما غذَّي تشكُّكه أن ياسر أجاب عن تساؤلات الطبيب بسرعةٍ ، وطَلاقة ، كأنه ذاكرَها قبل مجيئه ، وكأن الأمر مُتفَق عليه . ثم إن ابتسامة الوسيم خبيثة مصطنعة ، يُراد بها عَرْض نجاحه في تشخيص الحالة ، في وقتٍ قياسيّ ، وبأقل مجهود ، كدأْب العباقرة !
   في الطريق إلي ياسر ، حيث ينتظر تحت البيت ، لم يكن هيثم واثقاً إن كان يجب أن يبدو مُشفِقاً أو بالأحري متسامحاً ، بما يتضامن مع الوضع الطاريء الغامض ، أم يواجهه مُكشِّراً ، آخذاً علي خاطره ، بما يتناسب مع أعوام القطيعة . خصوصاً وأن زوجته - رغم أنها لم تمنعه من الخروج ، كما اعتادت مؤخراً - أعلنتْ عدم ارتياحها للقصة كلِّها . كان عليه ، علي أية حال ، أن يستدعي يومهما الأخير ، لكنه أحسَّ بذاكرته تتنحَّي ، كأنها تُدار بلُغَةٍ لا يعرفها ، فانفرطت التفاصيل هاربة ، كأنما إلي بطن مقبرة بِلا شاهد . وقَنع بأنه يومٌ جديرٌ ألا يَحضُر حين يُستدعي .
  من بعيد ، ميَّزَ ياسرَ واقفاً في جلبابه الأبيض ، مُنيراً كَطيْف ، في ظُلمة مدخل العمارة . راودته حاجةٌ ، كالإلهام ، إلي خلع ملابسه كاملة ، لولا أن يداً مسَّت كتفه ، وصوتاً همَس : اهدأ يا حبيبي !
> > >
  كان الطبيب يقصد أن يجلس ياسر في مواجهته علي الكرسي ، لكن ياسر تراجع خطواتٍ ، وقرفص في الركن مثل واحدٍ يؤدي موقفاً احتجاجياً ، أسفل صورة لشخص متألِّمٍ ، يمسك دماغه بيديه كلتيْهما ، بطريقةٍ تبرهن علي أنه مصروعٌ بالصداع . تصلَّب علي هيئة الشخص ، وراح ينظر لبعيد . بغمزة عينٍ منع الطبيب هيثم من الاعتراض ، وسأل ياسرَ - بلا مقدِّمات - إن كان يسمع أصواتا . ياسر ، الذي يحسبه الواقفون في دنيا غير الدنيا ، أجاب علي الفور : ( من تَلَتْ سنين ، كل يوم يكلمني في التليفون واحد ميت ، يقول لي : » لو عاوزني أقابلك حلو ابعت لي هيثم »‬.. سكت ياسر، مقلِّداً المتألِّم بالصورة. أشار له هيثم بإبهامه مُشجِّعاً ، مايدلُّ علي أنه لا يرفض أن يصير مقتولاً. رشقه الطبيب بنظرةٍ محتقِرة، كما لو أنه اخترع خطيئة لا يعرفها العالم . استنتجَ هيثم ، بوازعٍ من عُقدته الدفينة، أن كل ما يفعله الطبيب مجرد مَنْظَر . هَمَّ بأن يَلكمَه في أنفه ، لولا أن ياسر استأنف الكلام من نفسه : »‬آخِر مكالمة امبارح ، صرختُ فيه عشان يخرس خالص ، وقلت له إني مش هتحرك من مكاني رأي هيثم - كأنه »‬فيما يري النائم»‬ - الطبيب الوسيم كشرير ، الخبيث المتحذلق ، الذي دخل كلية الطب بناءً علي رغبة أبيه، يدور حول مكتبه علي أطراف أصابعه كراقص باليه مغرور ، ثم يتنهد هابطا، كأنما من كوكب لم يُكتشَف بعد ، علي مقعده بتباطؤ واستعراض، عارضاً اقتناصه لحظة نادرة للشعور بالاسترخاء ، قبل أن يلمس نظَّارته بطرف سبَّابته حائزاً بها - اللمسة - علي المعرفة وحده ، فيصدر ، أخيراً ومنتشياً ، حكمه النهائي الذي لا معقِّب له: »‬دي حالة فصام ، وغالباً كتاتوني »‬
 تسرّب إلي الآذان، في مفاجأة جفل لها المبعثَرون في الغرفة يتبادلون نظرات مرتابة كأخوةٍ أعداء، جَزَعُ أنثي ، بنبرة يائسة، مُشتهاة :» يعني ايه كتاتوني»؟
> > >
شرد هيثم في تسمية المضروب بالفصام: فاصم، مفصوم، أَم متفصِّم ؟.. ينتقي علي سبيل السخرية، نكايةً في الطبيب، وتضليلاً للمحتفلين . تحيَّرَ ، فتحوَّلَ يضحك ، متخيِّلاً أنه استردَّ صديقه المفقود بعد أن منحه اللقب الطبيّ الطازج : »‬ ياسر الكتاتوني ! »‬ تواترتْ ضحكاته علي لحن تصفيقه، وغنائه : »‬ رُوح يا كتاتوني ، تعال يا كتاتوني ! »‬ .. تهيَّأ لهيثم أنه أفلحَ في مكايدة الطبيب ، لأنه شخط بعصبيَّة في الممرِّض الذي قال ( عيني ) وهجم عليه ليطعنه بسرنجة. ارتعب هيثم ، ليس لأنه مُلاقٍ بطش الممرِّض ، ولا لأنه يخاف من الحُقَن ، إنما لأنه تحقَّق - الآن فقط ، وكأن الآن هذا لم يكن قبله شيء -  من تقرفُصه في الركن ، بديلاً لياسر . أطلق عينيه ، تمشِّطان الغرفة بحثاً عن صديقه الذي لم يكد يسترده ، لكنّ شهقة فزعٍ أفلتت من حَلْقه ، حين لمح ، من فوق كتفٍ عريض لجسدٍ مجهول ، زوجته ، جالسة تحكي وتبكي ، والطبيب راكع عند قدميها ينصت ويواسي : »‬ ياسر مات في حادثة من تلات سنين ، من يومها وهيثم علي الحال ده ، يقعد مقرفص طول النهار . ولما يقوم ، يمسك التليفون لحد ما ينام »‬
 اهتدي هيثم - بعد تفكير عميق استغرق رمشة عين - إلي أن دموع زوجته ليست إلا مناورةً ليجمعها فِراشٌ بالطبيب ، فانكفأ يخلع فردة الشبشب!