رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

قصتان


هالة البدري
9/2/2017 12:36:27 PM

مصيدة الأرانب
سافرنا مع أبي الذي أعير للعمل قاضياً في ليبيا.علمنا أن المعلمين والقضاة والأطباء يوفدون إليهاعلي نفقة الحكومة المصرية. وصلنا إلي مدينة طرابلس، ونزلنا في فندق يطل علي البحر، قضينا فيه الأسبوع الأول، ثم تركناه بعد أن أجر أبي لنا بيتًا في المدينة، كان البيت واسعًا، وله حديقة كبيرة، مزروعة بالفاكهة؛ تين، ولوز،وبرتقال، وكان سورها من شجر كثيف، يفصلها عن صحراء، تقف بها عربات قطار، دمر في الحرب العالمية الثانية. صدرت لنا تعليمات بعدم تجاوز السور، وعدم اللعب في المخازن، لأن المالك قاض ليبي، نقل هو وعائلته إلي مدينة أخري، وسمح لنا بإيجار البيت اكرامًا لأبي.
سرعان ما مددنا أعناقنا لنتجاوزالسور، وبعد وقت قليل، استكشفنا الصحراء، وعربات القطار الصدئة،  مع أبناء الجيران.                                                                                  
كنا إذا خرجنا في الصباح المبكر إلي الحديقة، فرت من أمامنا أرانب جبلية . لم نستطع الإمساك بها أبدًا، لم نكن نهتم بالأرانب التي يأتي بها أبي ودادة فكرية من السوق، لكن الأرانب التي تمرح ليلًا في   الحديقة، وتهرب إلي الصحراء، من مطاردتنا أطارت صوابنا.                       
ذات عصر، اكتشفنا جحرها بجوار باب الشرفة، وانتظرناها بالساعات، كانت تطل علينا، وأنوفها ترتجف، ثم تركض مختفية في الجحر، حفرنا وراءها ولم نطلها، واعتبرناها شغلنا الشاغل، حتي اكتشفنا مواعيدها في الصباح المبكر جدا.                                                          
أفصح الصباح عن مفاجآت؛ التين يتفتح، ويصلح للأكل، نجمعه ونلتهمه، قبل أن يستيقظ أهل البيت، دون أن نبالي بطلبات أبي »اتركوا واحدة، الفاكهة من فوق الشجرة لها طعم آخر»‬..
لم يضبطنا أحد، ونحن نقض أمن السحالي، ونفتح »‬الزلع» التي يخزن فيها أصحاب البيت »‬القديد»، لم نستسغ طعمه، فتركناه، كما تركنا اللوز المر، والخوخ الأخضر، وقررنا انتظارالأرانب بقفص فارغ من أقفاص الفاكهة، اختبأنا خلف كنبة كبيرة حتي خرج جسم الأرنب بالكامل، والقينا فوقه القفص. لكنه أفلت بأعجوبة، في المرة العاشرة ،لم يفلت.وركضنا ونحن نحمله من أذنيه كما علمتنا أمي  ثم وضعناه في قفص كبير، وكلما اصطدنا آخر حبسناه معه، نطعمه الخضراوات والجزر كل صباح، ونتحسس فراءه الرصاصي الناعم. أصبح لدينا عشة أرانب.
في جولاتنا للنكش في الحديقة عثر أخي علي شيء. أمسكه بيده، ودخل يركض نحو أمي وهو: يصيح حبل ، حبل.     
ضربت أمي الثعبان ، فأوقعته ميتًا، وهي تصرخ: يا نهار اسود.
جاء الجنايني علي صراخها قائلا: لاتخافي هذا حبل صغير لا يؤذي.
سمعنا ضجة وطرقات علي الباب، ودخلت نساء كثيرات يولولن. مات القاضي صديق أبي. حملنا متاعنا ، وعدنا إلي الفندق، في انتظار سفرنا إلي مدينة مصراتة، التي انتقل إليها أبي، تاركين صيدنا في القفص الكبير، وعربات القطار في الصحراء ، واللوز فوق أغصانه، وشجرالتين علي حاله لم نقطعه ، حتي لايخرج عفاريته وجنياته، لتملأ البيت كما يقول الجنايني.
مصيدة            
كنت  الفتاة الوحيدة التي تلعب مع أربعة صبيان كل يوم. فضلتهم علي اللعب في البيت مع بنات الجيران، اللاتي رفضت  أمهاتهن نزولهن للعب معنا في الخلاء. كن يدعونني للعب معهن في الغرف، أو إذا سمح لنا بالخروج يكون اللعب في المدخل الواسع للمبني، مع تنبيهات مشددة بعدم مغادرتنا باب المنزل، والخروج إلي الحديقة، رغم  أنها مسورة بسور حجري ضخم  يحجزها عن الشارع، وعن الأرض الخلاء المترامية الأطراف من حولنا..
أحببت اللعب بالعرائس، وتعلمت كيف أفصل للعروس ملابسها، وكيف أطرزها، وأحيكها، لكنني كنت أنهي الحياكة بسرعة بعد المغرب، وفي الصباح أطير إلي الحديقة، حيث أخي وأصحابه يلعبون الكرة، أو يبحثون عن الأرانب والسحالي، والحيوانات الصغيرة المختبئة تحت ركام أوراق الشجر. يصغرني أخي بسنة واحدة. مازال في الخامسة ويدخل المدرسة لأول مرة هذا العام . قرر فريق اللعب مهاجمة أعشاش العصافير فوق الشجر بعد أن وجدوا جميع المصائد التي نصبوها بالأمس فارغة سواء في الحوش، أوفي الأحراش خلف البيت. جمعوا بعض الكراكيب الموجودة في العراء :كرسي مكسور، وصندوق صفيح، وعلبة كرتون، ثبت فشل كل منها علي الفور حين اعتلاها أكرم واحدا واحدا, وضعوا باقي الكراكيب فوق بعضها، لكنها لم تكف للوصول إلي الشجرة طويلة الساق.
صعد أكرم فوق كتف حمادة، وأمسك بأول فرع، ثم مد يده لأحمد ليساعده علي بلوغ الشجرة، واكتفينا أنا و حمادة وعدنان بالانتظار. تسابق أكرم وأحمد حتي وصلا لاهثين لفرع خفيف. صرخت، وتوقف أحمد عن الصعود، في حين أمسك أكرم بالعش الأول، وقذفه فوقع علي الأرض، وتكسر البيض، ثم بلغ العش الثاني، فلما رآه فارغاً تركه، وحمل العش الثالث في كفه، ورح ينزل، وابتسامة عظيمة تظلل وجهه، فلما وصل إلي الفرع الأخير، نظر إلينا محتاراً. كان عليه أن يمسك ساق الشجرة بيديه الاثنتين حتي ينزلق بسلام. سمعنا صوت صوصوات صغيرة ، ورأيناه يضع العصافير في جيب البنطلون، ثم ألقي بالعش وهويحتضن الساق فوقع علي رأس حمادة، وانزلق بسرعة كبيرة حتي لمست قدماه الكرسي المكسر. أمسكنا به، وأخيراً وقف فوق الصندوق معلنا انتصاره، وأخرج العصفورين، ووضعهما علي الأرض.
 تحلقنا حولهما ورأيناهما يحاولان الوقوف، ثم يعودان إلي الرقاد، وهما يرفرفان بأجنحتيهما، ومنقاريهما مفتوحان علي وسعهما، يتحسسان الهواء بحثاً عن الطعام .مددت يدي أتحسسهما، وأنا أسأله: لماذا أخذتهما مازالا بدون ريش؟ لماذا لم تتركهما في العش حتي يكبرا، ثم تصطادهما بعد ذلك؟
اختطفهما من فوق الأرض قبل أن أحملهما، وأعادهما إلي جيبه قائلاً :أنا اصطدتهما ولاعلاقة للبنات بالصيد.                                                                                          
ركض والأولاد من ورائه .قال سعيد ضاحكاً : مالك ولعب الأولاد؟ العبي بالعروس.
قلت: سأخبر أمي.                                                                          
 راح أخي يضرب بمقدمة حذائه كل حجر يصادفه، ويدفعه للأمام  .التقطوا أغصان الشجر، وراحوا يبحثون عن السحالي، ثم لعبنا استغماية حتي سمعت صياح دادة فكرية وهي تنادينا. كانت قد توقفت لجمع نبات الرجلة لتضعه في السلاطة.                                                         
قال عدنان: تأكلون طعام الغنم يامصاروي؟                                                       
قالت دادة فكرية: نزرعها في مصر ,هنا تنمو وحدها في الصحراء. ذهبت دادة فكرية للمنزل، وهي تنبهنا للعودة سريعاً، ورجعنا نحن للعب . تساقط المطر بقطرات صغيرة .لم نكترث لها، كونا حلقة واسعة، وفتحنا أذرعنا ووجوهنا  متجهة نحو السماء نتلقي الرذاذ بألسنتنا، ثم هطل المطر بقوة ودوي صوت الرعد، فتبللت أجسادنا، وصاح أحدنا صيحة الاختباء،  فركضنا متفرقين .تعثرت في حجر، ووقعت علي الأرض كاسحة كل ما أمامي من حصي وأعشاب جافة،  فلما رفعت رأسي كي أقف، وألحق بهم، وجدتني في مواجهة عصفورين عاريين من الريش وقد فارقا الحياة.

تعليقات القرّاء