رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

خرائط النسيان


هناء بدر
9/2/2017 12:40:04 PM

 أعلم أنهما كانا هنا منذ فترة قصيرة. متشابهان بنفس اللثغة. أخان أو صديقان لا أعلم. لكنهما كانا هنا وأحضرا أشياء. هل أحضرا هذه المجلة؟ لست متأكدا. لكنها جديدة. أعني  أني  لم أشترها بنفسي. أو لا أعتقد ذلك. أتعلمين، لست مستاء من مسألة النسيان هذه. حياتي  مستمرة بدون تغيير يذكر. أعتقد أن الأمر أصعب لمن حولي. يحاولون التشبث بما يعرفون عني  وعن العالم، ويغضبهم ألا أتابع مثلهم نفس التفاصيل. أعلم أنهم يخشون تدهور الوضع، لكن من يعلم أين سنكون غدا، وماذا ستكون حالتهم هم أصلا. نعم، أنسي أشياء كثيرة. ويتكرر نسياني  لنفس الشيء في  نفس اليوم لأكثر من مرة. لكن ماذا يعني هذا؟ أن يحتاجوا لتذكيري  به، أو ألا أتذكره فأفكر بشيء آخر. لا أكثر. يخشون أن أؤذي  نفسي، أو آخرين، لكن ذلك لم يحدث بعد، كما أن أوجه الأذي في  عالمنا كثيرة. يعني  بدون نسيان من الأصل قد أقع من فوق سور البلكونة وأنا أطعم فرخ الحمام الذي  يعيش تحتها إن تأخرت أمه، مثلا. مثلا، بالطبع. أبالغ يعني. وقبل أن تقولي  لي  أن لا فرخ حمام بأسفل البلكونة وأني  أنسي أين أنا، سأقول لك أليست قصة ظريفة؟ بم يضيرك الاستماع إليها؟ في  واقع ما، داخل خيالي، هناك فرخ حمام، أسفل بلكونة، ينتظر أمه.

>>>

أكثر جملة كان يؤلمني  سماعها منها هي: »أنا إزاي  مش فاكرة»‬. يؤسفني  عزيزتي  أن الرد ليس لديّ، أو لدي أي  ممن تسألينهم. تريدين معرفة أين كنتِ وقت وفاة أبويك؟ بمكان ليس ببعيد عنهما، علي الأرجح. حكيت لنا من قبل أنك حضرت علي الأقل جنازة أو عزاء كل منهما. لم يخفوا عنك الخبر طويلا أو أي  شيء من هذا القبيل. »‬إزاي  كل دول ماتوا؟!» جمع من الأخوة والأخوات وأولاد وبنات الأعمام والخالات. فجأة وجدت نفسك لا تتذكرين وفاتهم وتبكينهم كأنما وصلك الخبر للتو. »‬أنا بس اللي  فاضلة؟ إزاي؟» يؤسفني  ذلك حبيبتي  لكني  لا أفهم لم اخترت أن تتذكري  حياتهم وتنسي  موتهم، فجأة. يؤسفني  أيضا أن أخبرك أنك  أيضا نسيتِ ابنك البكر. ابنك الوحيد، قرة عينك. غضبت عليه حين رحل وفرضتِ علي ذكره حظرا تدريجيا حتي بات طي  النسيان وصرت تردين بثقة: »‬عندي  خمس بنات». لكن لا، لن أخبرك بذلك. لن يفيد بشيء. يدهشني  صمتك المشدوه لأوقات طويلة كما تدهشني  قدرتك، بعد نوبات الغضب، أن تفاجئينا طفلة من جديد وتنظري  لنا بعينين زرقاوين فضوليتين تحوطهما تجاعيد رقيقة وتسألينا عن أعمارنا وتضحكين. طبعا أخبرناك بها من قبل، وسنخبرك من جديد، وطبعا ستقولين أنك في  نفس العمر أو أصغر، لكن بهجتك في  تلك اللحظات تنسينا أهمية التّذكر، ولو لوهلة، ونحتفل باهتمامك بنا وبالحياة.
>>>

أنا في  السابعة والعشرين. لا أشكو من أي  أمراض واضحة، فقط ذاكرتي  تهرب مني  كل يوم بصورة أكبر ولست متأكدا مما يعنيه ذلك. سألني  الطبيب إن كنت أعاني  من القلق المزمن، أوالصدمات، وأجري تحاليله. لا أعاني  من أي  شيء علي وجه التحديد، وأعتقد أن هذا ما قاله الطبيب أيضا إن لم تخني  الذاكرة. مشكلتي  تنحصر في  أنني  أصبحت أثير قلق معارفي  عليّ رغم أني  أحاول تجنب الموضوعات الغائمة في  ذهني  في  وجودهم. مثلا وصفات الطعام لم أعد أتذكرها. سألتهم مرارا وتكرارا وكتبتها في  ورق أضعته ثم لم أرد أن أقلقهم أكثر من ذلك فتوقفت. صرت أضع الأشياء علي بعضها وآكل وأظل أحن لطعم أعرفه في  مكان ما بداخلي  لكن لم أعد أستطيع وصفه حتي. العناوين ما زالت واضحة ولا أتوه في  الشوارع لكن أنسي شكل العمارات وأتعجب دائما لتغييرات يقولون أنها حدثت منذ عشرين سنة أو أكثر. لا أفهم كيف يكون ذلك ممكنا وأنا كان عمري  وقتها سبع سنوات علي الأكثر. أتذكر الأقربين وأرحب بالباقين، لا أحتاج أن أعرف أسماءهم بالتحديد، هم أشخاص ودودون في  وجود آخرين مألوفين وهذا يكفي. لا أري أن حياتي  بها أي  مشاكل حقيقية لكنهم ينهمكون في  تقصي  أخبار أدوية وأعشاب الذاكرة ونصائح أخصائيي  التنمية البشرية وتدريبات الإنترنت. »‬أنا بخير»، أكرر لهم، فيقولون: »‬لم لا نجعل حياتك أحسن»، ويغطون القلق في  صوتهم بابتسامة وحماس من يدعوك لماتش كرة قدم استثنائي  أو يذيع إعلانا عن كريم لتفتيح البشرة. حسنا. إن كانت هذه وسيلتهم الوحيدة كي  لا يفقدوا الأمل فيّ  تماما ويحاولوا تغيير مسار حياتي، فليبحثوا كما يشاءون.

>>>

كانت في  البداية تنسي أشياء ثانوية. مثل: أين وضعت كوب الشاي، أو سبب وجود فوطة المطبخ في  الصالون. مع الوقت، أصبحت تنسي أنها أعدت الشاي  من الأصل، وتعده من جديد. كل هذا بدا عاديا. تخطت الثمانين ببضع سنوات ومن الطبيعي  أن تضعف ذاكرتها القريبة. تسألني  أربع مرات عن الساعة التي  سأزورها فيها وتعتبرني  متأخرا للغاية رغم أني  أخبرتها من الطريق أني  سأتأخر لربع ساعة ولم أتجاوزها. تقول بلهفة: »‬أقلقتني، تأخرت، وسمعت أصوات بالشارع والطرق أصبحت خطرة هذه الأيام. يقولون ...». »‬جدتي، أرجوك، حين أقول لك أني  سأتأخر وتسمعي  صوتي  لا تقلقي. الطرق تكون مزدحمة. اتصلي  بي  إن أردت أي  شيء» . »‬صحيح»، وتسهم. لم تقتنع أبدا بالورقة الكبيرة التي  كتبت لها عليها أرقام الجميع بالخط العريض. تعودت أن تستقبل المكالمات فحسب، وتخشي أن يصيبها مكروه وهي  وحدها ولا يشعر بها أحد. »‬إتصلي  إذا أحسست بشيء.» توميء وأعلم أنها لن تفعل. تحتفظ برصيد الهاتف لطوارئ لن تجيء أبدا. أعطيها الشوكولاتة التي  تحبها وتبتسم. »‬في  الدولاب، تحت علبة زرقاء، كيس أبيض. احضره.» أجد فيه الكيك الذي  أعدته من أجلي. »‬حلو مع الشاي..» تقول، كأنني  أحتاج لتشجيع. تحفظ مطبخها ووصفاتها عن ظهر قلب. ليست متأكدة من اسم الرئيس الحالي  رغم أنها تتابع الأخبار، لكن تعرف مكان كل قشة في  المطبخ وتخبئ أقربها إلي قلبها في  أماكن تقول أنها لا تخبر عنها سواي: »‬تلك طنجرتي  المفضلة»، تقول بلهفة حين أناولها إياها. هي  صغيرة، فقط. لا أري ما يميزها.
>>>

أعود للبيت منهكاً بعد الغروب بقليل. شخص ما طلب مني  ملاقاته غدا، أنا متأكد، لكني  لا أتذكر من هو. أبحث في  رسائلي  عن إشارة لموعد أو لقاء لكن لا أجد شيئا. يتصل فريد: »‬ستأتي  لعيد ميلادي  غدا؟» لا، ليس هو. »‬احتمال أكون مشغول» »‬دايما كده؟ طب اسمع، لو ماطلعتش حاجة مهمة هزعل.» »‬حاضر والله». هل كانت زيارة عائلية؟ هل كان موعد عمل؟ علي أي  حال، إن كان الأمر مهما، سيؤكد الشخص الموعد أو يتصل قبلها فأذهب إليه. أعد وجبة ما وأتناولها أمام التلفاز. فيلم رأيته من قبل لكن لا أتذكر حبكته. تلك من مميزات النسيان، علي فكرة. يمكنك قراءة نفس الكتب ومشاهدة نفس الأفلام مرارا وتكرارا دون ملل. أتساءل أحيانا كم مرة عليّ مشاهدتها لأتذكرها وأحاول أن أختبر نفسي  بتكرارها لفترة لكن يجتذب انتباهي  شيء آخر لا محالة فأعود إليها بعد أيام أو أسابيع وقد نسيت أغلبها. تعلمت أن أعتبر كل مشهد في  بيتي  جديدا، وكل يوم مغامرة. إذا دققت النظر، قد أجد الأرز في  الصالة، أو ملابس النوم في  المطبخ. هذا يعد مجرد اكتشاف، وليس مدعاة للذعر. عندما تأتي أختي  وتري هذه الأشياء، تركبها حالة من التوتر الشديد. تسميها »‬الفوضي» رغم أنها تعرف أنني  لم أختر أماكنها واعيا. لكنها ترفض أن تسميها أي  شيء غير»‬الفوضي». أريد أحيانا أن أسميها العالم الموازي. طريقة ترتيب لاوعي  أنا للأشياء. إذا تتبعناها نستطيع بالتأكيد التوصل للتسلسل المنطقي  لأفكاري  وأفعالي. أنا مثلا يحتمل أني  قد حملت كيس الأرز لأضع بعضا منه للعصافير في  البلكونة فرن جرس الهاتف فرددت عليه ثم دخلت لأنام فظل هناك. صحيح أنني  لا أتذكر هذا التسلسل لكنه منطقي  بشكل ما ويرسم سير حياتي  بمجموعة من الأغراض الموضوعة في  غير أماكنها. ليست مجرد »‬فوضي».

>>>

لم تكن جدتي  تتخيل أن تقسو علي شخص ما في  يوم من الأيام. طالما حكت لي  عن طيبة قلب أمها وملائكيتها وكيف أنها كانت قدوتها ومثلها الأعلي. ظلت تحاكيها طوال حياتها في  حلاوة اللسان والذوق والكلام الذي، في  أسوأ الأحوال، يحمل معنيين دون الغلط المباشر. في  لحظات قليلة كانت تطلق لغضبها العنان، لكنه كان غضبا »‬مبررا»، ضد »‬أغراب» يحاولون »‬استغلال» الأسرة الطيبة. كانت تلك »‬تيمة» الغضب المشروع. الدفاع عن »‬طيبة» العائلة في  مواجهة العالم »‬المستغل». لم أوافقها البتة في  مواقفها لكنني  كنت أقف مبهوتا أمام الشرر المتطاير في  عينيها. أفعلا بها هذه الطاقة؟ هذه القدرة علي الغضب و، أو هكذا بدا لي، الشر؟ كانت تحب الابتسام، وتشجعني  عليه. تحب الكلمات اللطيفة، والمجاملات، والضحك في  التجمعات. تقول إن الضحك والإضحاك من سمات الإنسان المتحضر. كان الآخرون يتعجبون من صخب تجمعاتنا وحرصنا علي الضحك لكنه كان قد صار طقسا عائليا يزداد المرء براعة فيه بالممارسة فلم يكن هناك وقت لمقاطعة سير المرح والشرح للأغراب. كانت تفخر بأننا جميعا مثلها، مرحون محبون للحياة ودمثو الأخلاق. حتي أخذت هي  بالشتيمة ورمينا بالأغراض.

>>>

وصلتني  رسالة في  منتصف الليل: »‬آسف لن أستطيع الحضور غدا». تنفست الصعداء. لم أكن أتذكر البتة وعدي  له بالتلاقي  في  الغد. لكني  لم أعد أتعب نفسي  بمحاولة التذكر، أسعد فقط بكون الحياة تثبت لي  دائما  قدرتها علي السير بدون ما يعتبره الناس من الأساسيات: الذاكرة، الخطط المستقبلية، التأكد من كل الشيء… أشعر كأنني  علي غيمة تحملني  من مكان لآخر، من لحظة لأخري، دون مجهود كبير. يتصل فريد في  الصباح ليطلب مني  أن أحضر مخبوزات من الفرن المجاور لي  إن كنت ذاهبا لعيد ميلاده فتكتمل صورة اليوم. علي ورقة النتيجة بجانب الباب أكتب: »‬عيد ميلاد فريد. مخبوزات. اليوم 7 مساء». كانت ذاكرتي  حديدية من قبل. صدقيني. كنت مرجع العائلة لجميع القصص والأحداث القريبة والبعيدة، كأن لم يكن لدي  ما أهتم بتخزينه سوي ما يخصهم. لكنني  كنت أقرأ أيضا، وأذاكر، وأتفرج علي التلفاز، وأسرد كل ذلك بدون مشاكل. صدقيني. أو لا، لا تصدقيني. رغم كثرة ما يكررون ذلك ويتحسرون، لا أعلم ما خيل لي  وما الذي  حدث فعلا. بالأمس في  الحديقة كنت أتحدث عن الشعور بالغثيان فرأيت أمامي  شابا يتقيأ في  صندوق المهملات. اندهشت وأخبرت صديقي  الذي  كان معي  فالتفت ليراه لكنه كان قد رحل، عدنا لحديثنا فعاد الشاب للصندوق وتقيأ من جديد. نبهت صديقي  لذلك فأكمل جملته والتفت بينما الولد عائد لمجلسه وراء الشجر من جديد. في  مزحة جادة قال صديقي  أنه إن كان لا شاهد غيري  علي ما حدث، فلا دليل قاطع علي حدوثه فعلا. لا أعلم، قد يكون كلامه صحيحا.

>>>

»‬أنا مجنونة يعني؟ يعني  أنا مجنونة؟» كانت جدتي  تصرخ والشرر يتطاير من عينيها. كانت تتهم أمينة، الخادمة، التي  كانت اسما علي مسمي وتعمل لدي الأسرة منذ عشرين عاما، بسرقة ملاعقها الفضية. أتينا بالملاعق وعددناها أمامها مرارا وتكرارا فظلت تصرخ فينا أننا نتهمها بالجنون. كان الرد صعبا. نحن لا نتهمها بالجنون لكنها يهيأ لها أشياء لم تحدث في  الحقيقة. يعني  لا أستبعد أن يكون السبب حلما رأت فيه أمينة ترحل بالملاعق… لا أوافق علي تشخيص الطبيب بالهذيان والخرف… للأشياء مسببات… ألم تمنعها أمينة مثلا من الأكل بملاعق الأعياد الفضية في  يوم عادي  تنفيذا لأوامر العمات اللاتي  خبئنها بعد ذلك بعيدا عن يديها فانتقم عقلها الباطن من أمينة بهذه الطريقة؟ يقولون لي  دائما أنني  أتفنن في  إيجاد الأعذار لها، لكنني  أجد منطقها سويا. لم تنس سوي الإبن الذي  تركها وسافر ولم يعد. لم تنس أي  أحد آخر من بناتها أو الأحفاد أو الأخوة، الأحياء منهم والأموات، ولا تسمح أن نذكرهم بسوء، ولو علي سبيل المزاح. قلصت أصناف الطعام التي  تقبل أن تأكلها إلي صنفين مفضلين. طبيعي  ومنطقي. حين يقترب المرء من نهاية حياته لهذه الدرجة لم لا يمتع نفسه فحسب. أمرر لها الحلوي سرا وتقول لي  أنها ستتوقف عن جميع أنواع الطعام ما عداها وقد فعلت في  وقت لاحق. تتسند عليّ في  البيت وتقول: »‬فعلت كل ما كان يمكنني  فعله… كأنني  عشت حياتين أو  ثلاثة… لم يتبق لي  شيء». أوشك أن أقول لها أنني  أشعر أنني  لا حياة لي  البتة، كأنني  عابر سبيل، وأسألها عما تعنيه بحياتين أو ثلاثة، لكن أخاف ثورة غضبها هذه الأيام إن ظنّتني  أهزأ بها.

>>>

أقضي  أغلب الوقت في  غرفة جلوسي. أكتب أو أقرأ. الكتابة عجيبة. صعب أن أصدق أنني  أنا من كتب ما كتبت الأسبوع الماضي، أحداث لم أعد أتذكرها، انطباعات زالت وآراء أختلف معها الآن. شيء غريب. هذا الزوال التدريجي  للذاكرة لا يسمح لي  بالتمسك بأفكاري، فأكتشف ميلا جديدا وأتبعه وأصدقه ويصير ملكي  حتي أنساه، فأميل مع فكرة جديدة. ليس في  الأمر تناقضا صريحا لكنني  بقدر ما أكرر نفسي، بقدر ما أعارضها. إذا قررت عدم الشراء من البائع الفلاني  بسبب معاملته لي  من أسبوعين أنسي هذا الانطباع وأجدني  اليوم أفضل محله علي الآخرين في  الشارع. أقرر ألا أدفع مبلغ النظافة للبواب حتي يتم مهمة طلبتها منه منذ أسبوع، وأفاجأ بنفسي  دفعته له بالفعل. العجيب أن كلا الأمرين لا يغيران شيئا في  حياتي، فالبائع لم يسبب لي  أي  مشاكل والبواب قام بما طلبته منه بعدما دفعت دون أن أكرر الطلب. غريب أمر هذه الدنيا. أتذكر أوقات لم أكن أنام ليلي  مرتاحا بسبب أمور كهذه، أعدّ ردود أفعالي  وأتخذ القرارات كأنما مصير العالم، أو علي الأقل مصيري  أنا، يتوقف عليها.

>>>
تقول جدتي: الحياة علي وقتنا كانت أبسط. لا أفهم ما تعنيه. يهيأ لي  أن الحياة هي  الحياة، وإن اختلفت تفاصيلها. أدوات أحدث، بشر أكثر، لكن تفاصيل الحياة واحدة. تقول هي: ربنا يعينكم. أيامكم صعبة. كيف. ما عانته هي  في  حياتها لم يعانه أحدا من جيلي  في  العائلة. عانت فقرا وعوزا ومخاوف لا نسمع عنها اليوم إلا في  الأفلام. تحملت كل شيء من أجل أبنائها وحتي بعدما استقرت حياتها في  رغد نسبي  صارت تخاف دائما ممن سيأتي  وينزع منiا ما كسبته بكفاحها وإصرارها. »‬وجدي؟ ألم يفعل شيئا؟» »‬جدك لولاي  لما صار ما كان. لم يكن ليشعر بالفرق بين عيشتنا وقتها وعيشتنا الآن. أهو راح». غريب أمرها. ربت الولد والبنات ورفعت جدي  بطموح يكفيهم جميعا حتي نجح وزوجت الأولاد، ثم رفضت أن تكون لها أي  صلة به. تقول: »‬أنا كنت مستحملاه عشان الأولاد». »‬هل آذاك في  شيء؟» »‬وهو كان يستجري؟؟ لا، بس هو مفيش حاجة كانت فارقة معاه». أتساءل إن كنت سأجد منطق جدي  مقبولا أيضا إن كان قد عاش لهذا اليوم. »‬وما وحشكيش من ساعتها؟». »‬آه، ساعات. بيوحشني  ساعات زي  الزمن ما بيوحشني. أخد زمنه وراح».

>>>

أحيانا تفاجئني  ذكريات. تأتيني  فجأة دون أن أستدعيها. أنا طفل مجتهد بنظارة، أحل الواجب علي ركبتي  علي طاولة واطئة. أتذكر سكون البيت حولي. أنا مراهق في  الهاتف، والهاتف أجمل ما في  حياتي، يحمل لي  أصوات من أعني بهم، لكني  لا أذكر أسماؤهم الآن. أتساءل عن سبب أهميتهم في  حياتي  وقتها، وسبب خلوها منهم الآن. الآن كل من يظهر في  طريقي  صديق إن رغب في  صداقتي  ولم يتدخل في  حياتي  بشكل يزعجني. تصلني  رسائل، ومعايدات كثيرة. لكني  أنسي أغلبها قبل أن أفتحه. صدقيني  ليس نكرانا للجميل أو تكبرا مني. أنا فقط أشعر أنها ليست موجهة لي  لأن من يعرفني  يعرف أن تلك الأيام علي وجه التحديد لا تعني  لي  شيئا. هي  مجرد أرقام علي ورق. أتعرفين ما أكثر ما يسعدني  هذه الأيام؟ أن أتلقي مهاتفة من شخص أتذكر اسمه دون أن يذكرني  بنفسه. كأن طعم الذكريات هو ما يستهويني  أكثر مما يقوله الشخص في  حد ذاته. للذاكرة رونق غريب، سحر كسحر أفلام السينما المتقنة، تفجر ألوانا في  الخيال وأجد نفسي  منتشيا دون سبب. أليس هذا شيئا جميلا؟ أن يهبني  السعادة شيء أحمله بداخلي  يظهر بغير ميعاد وينير يومي؟

>>>

لم نكن نغضب منها بحق حين تشتمنا وتتهمنا بالسرقة والكذب. لكننا كنا نتألم. لأننا تعودنا في  زمن ما أن نصدقها ونعطي  قيمة لما تقول، لا لشخصها فحسب. أعتقد أن تلك المشكلة. أن نحب أفكار وأفعال من نحب ونتمسك بها ونحتار إن تغيرت ونعاني  لفصل هذا عن ذاك، مع أن الأصل في  الحب الروح، ألا تعتقدين؟ آسف أعرف أن هذا خارج السياق. ما علينا. صارت إهاناتها لنا مستمرة وحين تريد التعبير عن حبها لنا تتجاهلنا كي  لا تجرحنا أكثر، أو كان هذا تفسيري  للأمر. أحيانا كانت تتركنا نجلس بجانبها، بدون حركة أو كلام كأننا لسنا موجودين، لكنها في  الحقيقة كانت تهبنا أثمن ما تملك في  تلك اللحظات، وجودا خالصا، بدون سيل المشاعر المتضاربة التي  أورثها لها عمر من الكفاح والعناد والاحتفاظ بالواجهة البراقة. كانت تهبنا صمت وجودها بدون أفكار أو تهيؤات خاطئة من الطرفين. كنت أسعد بتلك الأوقات كثيرا وأطيلها فتأتي  العمات لهز الرؤوس والتحسر أو محاولة حملها علي الكلام أو مشاطرتي  قلقهن بإشارة من الإبهام لوجهها الساهم منعدم الحماس. لا أفهم ما كن يردن علي وجه التحديد. أن يتوقف الزمن؟ أن تكف عن التحول من يوم للآخر شأننا جميعا، والتقدم في  اتجاه نهاية ما محتومة؟

>>>

اتصلوا بي  ليقولوا لي  أنها ليست بخير. قلت لهم ليست بخير منذ فترة طويلة، ما الذي  يحدث بالضبط. قالوا ترفض أن تتحدث إلينا. قلت من حقها. قالوا كفاك تفلسفا تعال لتطمئن عليها. لم أكن قلقا. كنت أعلم أنها صارت منذ فترة كمن يفرغ أخيرا صندوق قمامة حملته بكل صبر وتؤدة لأعوام طويلة حتي تستقر في  العائلة صورتها التي  اختارتها وقّيمها التي  مررتها، ثم حان موعد حملة النظافة بتوقيت جدتي  الأرضي  قبل أن ترحل من جديد. هل انتهت أم هي  الآن في  استراحة؟ هل ستقذفني  بفرشاة الشعر أو كوب المياه من جديد أم ستبتسم في  وجهي؟ أسأل نفسي  بينما أعد القهوة. جدتي  تقول أن للقهوة المعدة علي »‬السبرتاية» طعم لا يضاهيه أفخم المطاعم. لا أعلم إن كان ذلك صحيحا أم أن حنينها لوقت كان مسموحا لها فيه بشرب القهوة زيّن لها هذا. أحضرت لها يوما بونبون بطعم القهوة فرحت به كثيرا. هناك فيلم يسافر البطل فيه حول العالم حين يعلم بإصابته بمرض عضال سيقضي  عليه في  شهور قليلة. تري إذا خيرنا جدتي  ماذا كانت ستفعل الآن؟

>>>

وصلت البيت والطبيب خارج منه. جدتي  علي الفراش تتأوه ولا تنطق بكلمة. دمدمت تحية في أذنها فابتسمت ابتسامة واهية ثم عادت للتأوه. متاعب المعدة، قالوا. الحلويات لا تكف  لوظائف الجسم الطبيعية وترفض شرب الماء. »‬الانتحار بالشيكولاتة»، فكرت وابتسمت للفكرة لكن تأوهاتها أعادتني  لأرض الواقع. إنها تتألم، أو تحاول قول شيء ما. كانت تشير في  اتجاه يمين فراشها مرارا وتكرارا لكن لا تقول شيئا غير »‬آه». حاولت أن أجد ما تشير إليه لكن لم يكن علي يمينها سوي الشباك المفتوح. شعرت بالعجز. أمسكت بيدها التي  تمدها وبكتفها لكنها استمرت في  نفس الحركة. جلست بجوارها وظللت أمسد شعرها وأحكي  لها عن طفولتها وطفولتنا وما فعلت معنا وكيف أحبتنا حتي نامت. خرجت من الغرفة مع عماتي  لنتركها تستريح ونشرب الشاي. حكين لي  أن الطبيب كان يريد نقلها للمستشفي لكنهن رفضن والآن يشعرن بالندم. قلت: »‬لم؟ أليس هذا أفضل؟ أن تموت بيننا هنا؟» قلن: »‬بعد الشر!» ونظرن إلّي  بتجهم. لا أعلم ماذا أصابهن. منذ طفولتي  كن يقلن أن »‬كذا بعد عمر طويل»، »‬حين تغادرنا بعد عمر طويل»، مضي العمر الطويل، إذاً ماذا ينتظرن؟ خرجت أمينة من الغرفة بابتسامة قائلة: هدأ نفسها أخيرا، أعتقد أنها تحسنت. قمت من فوري  إلي الغرفة وتأكدت بنفسي. صدق حدسي. لقد غادرتنا.
>>>

أعلم أنني  أتعبك وكلما أروي  القصة لا تصلين لما تريدين. أعلم أنك تريدين إقناعي  بإني  ابنها لا حفيدها. أن من ماتت أمي  لا جدتي  وأني  عدت لأكون معها فلم تتعرف عليّ فاخترتُ النسيان مثلها. صدقيني  لاأعلم. لقد انصتّ لكم جميعا وأرّقني  الأمر شهورا، لكني  توصلت إلي أنه لا فرق. أنا فعلا لا أتذكر، وبم يفيد التذكر؟هل ستعود للحياة إن تذكرت؟ هل ستتغير مشاعري  تجاهها فأشعر أنني  لم أفقد عزيزا مثلا؟ صدقيني، لا يهم. أتذكر موتها كأنه البارحة، وأري أن ذلك كان أفضل لها، لهذا الكائن الذي  أحببت. تعذبت كثيرا وارتاحت. كانت إنسانة جميلة وأحببتها بصدق. قولي  لي  هل يقول مرضاك أفضل من  هذا عمن يعلمون صلتهم بهم بالضبط؟ أنا حبي  لها غير مشروط وذاكرتي  مريضة لكني  لا أعترض. أتذكر ابتسامتها وبشاشتها وأحاول بقدر الإمكان أن أسعد من حولي. لا أتذكرهم جميعا في  جميع الأوقات لكن أبتسم في  وجوههم وأتمني لهم الخير. تعرفين، أحيانا في  الشارع أري شخصا وأشعر أنني  أعرفه وأمتلئ سعادة. ثم أراه يعبر من أمامي  دون أن يتعرف عليّ، حتي إن تفحصني  لوهلة. تعرفين، لا أغضب البتة. هذه السعادة حقيقية، وكونه لم يتعرف علي  لا يعني  أي  شيء عني  أو عنه أو عن العالم الذي  نعيش به. الحياة زمان كانت أصعب كثيرا. أنا الآن مرتاح.