رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

سوسن وبيت الحمد


خليل الزيني
9/9/2017 10:47:05 AM

ذاك الرجل الصعب ـ طيب القلب ـ الحنون... الحاضن لأسرته، إنه أبي. لا يلين بالرفض أو القبول، عارك الحياة فشاب شعره وسقط سنّه، لكن لم يفتر عزمه أو يبرد حلمه.
» يا ابني أبوك يفهم الفولة قبل حتي ما تترمي في أرضها.. انت فكرك إيه؟ الشعر الأبيض ده متكلف بالغالي أوي«.
هكذا تكون تعليقاته عندما يتماكر عليه أحد الأبناء أو نطلب منه بنعومة ما لا يتوافق مع هواه.
أبي أحد المشاهير في مجال صنعته، ارتقي بها سلّم الحياة، سكن منطقة الستر الدافئ حامداً ربه علي ما وهب.
أبي دوماً يُسلِم الزمام للقدر، لا يندم علي ما فات، لكنه حاسبٌ لموضع قدمه، فإذا ما تجاوز الفكر لا يهاب المغامرة والمخاطرة.
أبي أحلامه بسيطة ومنطقية ـ كأي أب ــ إلاّ فيما يخصّ تعليم الأولاد، نزل الحلم علي رأسي كالتاج الثمين، أثقل رأسي، أوجع أعصابي.
أبي يراني قادراً علي تحقيق حلم الجامعة، بخاصّة دراسة الهندسة، كيف لي أن أعدل عن رأيه؟ أبي لا مدخل له إلا أمه (ستي صفية).
«الواد طالع لأبوه راسه ناشفة، وربنا وهبه في إيده وراسه كلها شغل وصنعة مش غاوي (علام)، ارحمه يا واد يا فاروق».
هكذا نزل أبي علي رجاء أمه التي لم تتدخل إلاّ عندما أحسّت مدي خوفي علي غضب أبي أو كسر خاطره.
دعت جدّتي صفية لأبي بأن تبقي ذرية فاروق يداً واحدة (قلوبنا علي بعض)، وفارقت جدتي البيت وهي في تمام الرضا عن أبي.
دخلت غمار العمل مع والدي، أحبني رضي عن جهدي ينظر إليّ وإلي كدّي كأنه يراجع الأيام في شبابي... باسماً في الغالب، مؤنّباً..
«كان عليك من ده بإيه يا ابني؟!». يقولها بلكنة من الألم.
أبي له من الأسرار الخفيّة ما لا يعلمه إلاّ ربه... تعلمتها منه، حب الصدقة الجارية.. لا يُرَدّ سائل علي بابه.
أبي يسمع عن مشروع الحاجّ جلال حمد الله... سجّل (الفيلا) التي باسمه كدار لرعاية اليتيمات من المهد حتي الزفاف، كان يحاول أن يصرف عن زوجته همّها ويقرب منها حبها.
أبي يشارك الحاجّ جلال بقدر ما يستطيع بكل شكل علي مدار عشر سنوات أنفقها في العمل مع أبي.
«دلوقتي الحاجّ جلال طالب منا مقاولة ترميم للبيت عنده، الشغلة دي من نصيبك. يلا ارحل عن سمايه»
أبي يَهَب لي فرصة لأستقلّ بالعمل عنه وأرتقي من صانع إلي (معلّم). لم أرفض طلبه ودخلت العمل لأول مرة نصف صانع.. نصف معلّم، أري أخطاء الزملاء فأتدخل بيدي، أتذكّر كيف كان يتصرف أبي.. أرتدّ إلي الخلف خطوة وأشرح الباقي نظرياً تارة ساخراً... لا.. لا.. أنا لست كالمعلّم فاروق أبي، ليس هذا مقامي أو ردائي.
أبي لم يتركني.. عاد ليري ما تمّ في ساعة الراحة، خصوصاً أنه المموّل. أقام صاحب الدار مائدة للغداء في الحديقة، بالتأكيد احتفالا بقدوم أبي. أبي لاحظ شرودي حقاً هذا لقد سلبت الفتاة واضعة الأواني عيني وأشعلت النار في صدري. ناداها جلال باسمها «سوسن»... ما أجمل الاسم! وصاحبة الاسم أشدّ من الزهر جمالاً، لكن لكل جمال نقيصة. تابعت العمل في الدار أترقّب ظهورها، أتشمّم رائحتها. سألت عنها مباشرة! تبسّم الحاجّ جلال وتألقت عيناه متمنّياً وداعياً وراجياً.
أجلسها الحاجّ جلال ذات مرة معنا علي مائدة الغداء وأخذ يحاورها أمامي. أليس الكمال لله وحده؟
سألني الحاجّ جلال:- هل استطعت أن أربّي؟!
- نِعم الأدب يا حاجّ جلال.
- هي كبناتي.. في الأدب والمكانة.
نعم، هي كأحسن البنات، إذا علا صوتي مجادلاً أعواني أو سابّاً استغفرَت، وإذا صحت بهم لاعناً تشهّدَت. لقد سلبت أمري.
أبي حارس التقاليد راعي الحرمات طَموح الفكر، أيرضي بهذا نسباً؟ رحم الله جدّتي.. تذكرت دعوتها «يا رب ما تفرّق بين فاروق وأولاده...».
أين أنت يا جدّتي؟ من يجرؤ علي فتح باب الحوار معه؟ لا، لن أعصي أوامره أو أفرّ من طاعته.. سأطلب.. سأرجو.. سأتمسك.
أبي عندما يثور فهو كالبركان بل أشدّ... أخرج من قلبه كل هفواتي السابقة دفعة واحدة...
- صحيح يا واد، إياك صدقت إنك معلّم وتقدر تساوي الروس ببعضها.
أبي هدأ وجلس يفكّر ثم عاد يقول من جديد:
- فاكر إنك تقدر تشتغل برّه؟ كلمة واحدة للمعلّمين الكبار تنام علي الرصيف.
أبي حسم أمر زواجي من سوسن في ثلاثة حلول: إمّا أن أقتله، وإمّا أن يموت قضاء وقدراً، وإمّا أن يقتل هو سوسن ثم يقتلني. حسم الأمر.. ومرت الزوبعة... نسيت أمر زواجي انتظاراً لفرج الله.. هل أملك غير هذا؟!
سافرت لبعض الوقت مع أعمامي في نزهة لأسبوع، لم أستطع فراق البيت وحيداً! عدت علي  عجل، وجدت البيت في ترقُّب مشحون، ماذا بالبيت؟! أشارت أمي إلي أسفل، نزلت جرياً، صدمتني دموع الحاجّ جلال، لا يبكي، بل إنه في نشيج طويل بلّل لحيته!
أبي واجم شارد النظر كمن قُطع لسانه أو شُلّ فلا حراك! من وسط نشيج جلال سمعت اسم سوسن وجمله متفرقة حاولت التقاطها.. صرخت بكل وجداني، انتفضت وأنا أناديها... لقد انتحرت سوسن وخلّفت لأبي خطاباً.
«يا شيخ فاروق.. يا من فهم الحياة وأدرك ألغازها.. وتمسّك بالقيم وحكم أهله بالعرف النبيل، هل تخدع نفسك باسم الشرف والشرفاء وبيوت الأصل والنسب، أم أنك تبحث عن أم وأنثي تدير رحي البيت وتربّي أسرة وتحمي عِرضاً وهي تفهم كل هذه المعاني كما علّمني أبي جلال؟ يا عمّ فاروق، إذا لم يستر مثلك مثلي فمن يفعل؟! فما أنا إلاّ طالبة للستر لا أكثر، وإن لم تفعل -فإلي أين أذهب؟! هل سأبقي عند أبي جلال مدي الدهر، أم أفرّ وأصبح فتاة للرذيلة وساحة لكل المهاوي؟ يا حاج فاروق، هل تظنّ كل بنات الأسر صاحبات فضيلة؟ فما أنا إلاّ نتاج واحدة منهن، وانظر في أخلاق من حولك ستجد هناك من هن أسوأ مني وأحطّ وأقذر، ولكنهن من بيت، ولهذا تقبلهن!
والألعن أني أسمع عن إحداهن تبيع وتفرّط بحدود.. أهذا ما تريد؟!».
لم أكمل خطابها... نادت أمي جلال، البنت خرجت من العمليات وهي في غرفة الإنعاش الآن.. لقطت اسم المستشفي، أسرعت نحوها لألقي نظرة عليها لعلها تكون نظرة الوداع، فالطعنة بالجنب الأيمن لسوسن، أمّا طعنتي فكانت بعقل أبي! أبي يلزم الدعاء والابتهال.. ليهب لها ثم لنا جميعاً الحياة.


تعليقات القرّاء