رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

وخزة !!


سلوي شعبان
9/9/2017 10:48:25 AM

كان الجو حارا لكنه لم يمنعها من أن تخرج في الظهيرة بصحبة زوجها.
عليها أن تختار معه أرضيات ومستلزمات السباكة اللازمة لتشطيب الشقة ..معرض الأدوات الصحية مساحته كبيرة .....ومكون من أربعة طوابق...استقبلهما أحد الموظفين بحرارة قدم لهما مشروبات غازية باردة ...اصطحبهما في جولة ليريهما مختلف المعروضات ويشرح أنواعها ومميزاتها وأسعارها.. انقطعت الكهرباء لبضع دقائق فأخذ يعتذر لهما عن توقف المكيفات ..وانه سيتم تشغيل مولدات الكهرباء في  الحال  ..انشغلت بمعاينة الاذواق والموديلات وتصوير ما يروق لها من أذواق للمفاضلة بينها فيما بعد ...سألت عن بعض الموديلات فأخبرها الموظف بنفادها أو وجود كميات صغيرة منها لا تكفي..وحين سألته: الن يأتي منها المزيد؟ أجاب: ليس في الوقت الحالي لتوقف الاستيراد ..كانت تعبر في ممرات المعرض باتجاه قسم يختص بصنابير المياه ..كادت تصطدم  فجأة بذلك الصبي الصغير الذي لا يتجاوز التسع سنوات. كان يعبر مسرعا حاملا كوبا بلاستيكيا أغلب الظن أنه ملئ بمشروب الكولا . ظنت في البداية انه يعمل بالمعرض كعامل نظافة أو نحو ذلك ..سألته هل تعمل هنا إجابها: ايوا .. لكنها سرعان ما شكت بالأمر تأملته لبرهة.. بدا نحيلا .. بصورة لافتة وملابسه رثة وغير نظيفة.
 ملامح العذاب محفورة علي وجهه, وجه  لفحته الشمس الحارقة ..به بعض بقع نقص التغذية أو بعض الخدوش البسيطة أو قرص حشرات. وجه غادرته الضحكة وسكنته الأحزان.. سألته: انت عايش مع مين؟ تلعثم قليلا ثم قال مع ابويا .. طيب مامتك فين ؟؟ رد بلا اكتراث : ماتت..ربما مل ذلك النوع من الأسئلة التي ربما أجاب عنها مئات المرات ..ربما سئم ذلك الاهتمام اللحظي الذي لا يسمن ولا يغني من بؤس ...لماذا دائما حين تسأل أحدهم عن أمه يقول: ماتت ؟؟ لماذا تغادر الأمهات سريعا تاركات أطفالهن علي قارعة الحياة ...فتحت حقيبتها لتعطيه مبلغا صغيرا من المال ... رددت في نفسها بماذا يفيده....هل سيأخذه  منه أبوه إن كان هناك بالفعل أب ؟؟..لكن ربما  اشتري له بعض البهجة اللحظية ...ولها بعض السكينة أو راحة الضمير ...لكنها انتبهت في لحظة علي متابعته طريقه بسرعة خاطفة لم تمكنها  من إعطائه شيئا ...وكأنما  يريد الاختفاء سريعا من المكان ...وكأن وجوده قد يجرح أعين الموجودين أو يفسد فخامة المكان ...أو ربما يعود عليه بالعقاب أو التوبيخ ...شعرت بوخزة حقيقية  في قلبها  وآهة احتبست في الصدر..وغصة في الحلق ..ناداها زوجها ..لماذا تأخرت ؟؟ وفي عينيه نظرة لوم .. تمتمت..وهي تحاول أن تستجمع نفسها ...لا شيء
 ...حاولت  أن تتابع بقية الجولة ..لكنها شعرت  بتشتت ذهنها.. وبفقدان الرغبة في أن تكمل المفاضلة بين الأنواع .. حاولت أن تسيطر علي دمعة افلتت من تحت نظارتها الشمسية التي حمدت الله انها  كانت ترتديها لتخفي بها ارتباكها وتعبيرات وجهها..انتهت الجولة سريعا وودعهما مرافقهما علي باب المعرض..بينما بحثت عيناها عنه بالقرب من باب المعرض..لكنها لم تجد له أثرا.. هل كان طيفا؟.. هل كان وهما أو خيالا ؟ هل كان شبحا من أشباح هؤلاء الناس الذين يسمعون عنهم يعيشون علي مقربة منهم ولا يرونهم؟
هل كان رسالة ما من الله ؟؟ هل كان موجودا فعلا ؟
استقلت السيارة .تابعت السيارة السير في شوارع المدينة ... وانطبعت صورته في مخيلتها..ملابسه الرثة... ودت انها لو استطاعت أن تعطيه بدلا منها بعضا من ملابس ابنها الجديدة  ..وحذاء جديدا .تري هل كان ينتعل حذاءا !! ام كان ينتعل الحفاء.ادركت انها لم تنتبه لقدميه.  ودت لو أنها أحضرت له وجبة ساخنة أو حتي ربتت علي كتفه بحنان ...فقط  لو!!!

تعليقات القرّاء