رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

من كتاب الخلود


محمد منصور
9/23/2017 11:28:04 AM

زيارة مفاجئة
الرجوع إلي البيت في آخر الليلِ
يجعلني مثلَ ضيفٍ ثقيلْ..
الجميع نيامٌ،
ولا أحدٌ في النوافذِ،
حتي المصابيح تنظر لي في اندهاشٍ
كأني من الجنِّ
أو روح شخصٍ قتيلْ..
أختفي خلف صمتي،
وأدخل بابَ البنايةِ،
أبحث في معطفي عن مفاتيحَ ضائعةٍ،
ثم - من حسرتي - أجلسُ القرفصاءَ علي البابِ،
رأسي يميل مع النومِ حيث يميلْ..
هكذا أدخلُ الحلمَ
مثل الذي يدخلُ البيتَ،
أو أدخلُ البيتَ
مثلَ الذي يدخلُ الحلمَ
منتظرًا أن يفاجئني الموتُ
في أيِّ وقتٍ
ليوقظني من منامي الطويل!
زيارة سريعة
يدخلُ الموتَ مبتهجًا، ثم يخرج منه حزينًا، وقد قابلَ الأصدقاءَ القدامي، وقالوا له إنهم لم يروا أيَّ شيءٍ جديدٍ ومختلفٍ عن معاناتهم في الحياةْ..
يكتبونَ القصائدَ بالدمِ من قبلِ أن يحرقوها لئلا تراها ملائكةٌ، فتصادرها. يشربون النبيذَ علي أملٍ أن يناموا بلا أرقٍ، فيتيهون في غابةِ الصحوِ مثلَ الخفافيشِ. يبتلعون حبوبَ المنومِ كي يُفلتوا من جنود الحراسةِ في الطرقاتْ..
يدخلُ الموتَ بحثًا عن الآخرينَ، فلا يجد الآخرينَ - كما كان يحسبهم- سعداءَ، فيرجع مثل جنينٍ تَطَلَّعَ - بعد الولادةِ- في أوجه الحاضرينَ ليبحث عن أيِّ شيءٍ جديدٍ ومختلفٍ، ثم حين رأي الحزنَ يستعمر الروحَ، والروحَ غارقةً في الشتاتْ..
غافَلَ الحاضرينَ، ومات!
عودة الروح
حين كنتُ أودُّ الخروجَ من البيتِ
آخذ بعضَ الكلامِ معي..
ربما أتَسَلَّي قليلا،
وأطردُ صمتًا يحاصرني كالخطيئةِ،
ثم أهشُّ الغرابَ الذي اتخذ القلبَ عشًّا،
وليس يبالي بأنَّ الغصونَ التي يستقرُّ عليها،
وينعقُ،
ليستْ سوي أضلعي..
كنتُ حين أودُّ الخروجَ من البيتِ
أتركُ بعضًا من الأغنياتِ القديمةِ
مرشوشةً في الزوايا..
كي تظلَّ الشياطينُ هادئةً في المكانِ،
ولا تستغلُّ غيابي، فتعوي،
وتقلقُ جيراني النائمينَ
الذين يظنونني قاتلا
بمجرد أن أتركَ البيتَ
يعلو أنينُ الضحايا..
كنتُ أخرجُ بعضًا من الوقتِ
ثم أعودُ،
وفي ذاتِ يومٍ تَمَلَّكَني الرعبُ
حين تأكدتُ من أنني
لا أري جسدي في المرايا!
رسائل الموتي
كان ينتظر الرسائلَ - كلَّ يومٍ - دون جدوي؛ في المساءِ يقول: قد تأتي صباحًا. في الصباحِ يظنُّ أنَّ الليلَ أفضل لالتقاط رسائل الموتي، فيشرب جرعةً من كأسه المملوءِ بالوهمِ الْمُعتَّقِ، ثم يغرق في المنامْ..
هو هكذا - من ألف عامٍ - عاش ينتظر الرسائلَ دون أن يدري حقيقةَ أنه شابٌّ أراد البحثَ عن شكلٍ جديدٍ للحياةِ، فغادر البيتَ القديمَ، ولم يعد من ألفِ عام!.