رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

«أونيزيم دوبون»


تأليف: أناتول فرانس ترجمة: أسماء مصطفي كمال
9/24/2017 1:40:14 PM

عرفت »أونيزيم دوبون»‬ في شيخوخته، ومن خلاله لامست جيل »‬أرماند كاريل» ومحرري جريدة »‬الغلوب»، الذين كان يستلهم منهم العقيدة والأخلاق.
اسمه الذي كان معروفا في الماضي صار الآن منسيا، كان رجلا أحمر بالثامنة والأربعين، يعشق الموسيقي والزهور. وكنت أراه أحيانا عند أبي، يرتدي ملابس سوداء بالكامل، وبتكلف واضح. أسلوبه ينم عن احترام دائم ودقيق تجاه نفسه. وقد ظل يحتفظ بأناقة رجل نبيل حتي الثمانين من عمره. القلق الوحيد الذي يفترض أنه لم يفارقه أبدا، كان الخوف من أن يتسخ حيث إنه تقريبا لم يكن يستغني عن قفازاته الشفافة أبدا، ولا يمد يده إلا لعدد قليل جدا من الأشخاص. كان يعاني من وسواس غير طبيعي في الأفكار والنظافة، بدا كاحتياج مستمر للرقي المعنوي والمادي. لم أعرف مطلقا رجلا مهذبا لهذا الحد، ولا مجاملا بهذا البرود. توهج عينياه يضيء وجهه الطويل الشاحب، وطيات شفتيه الرقيقة، كانت مستاءة في غياب تام لملامح الكرم والبطولة والجنون التي كان يعكسها ذلك الوجه الأثري.
لم يكن أونيزيم دوبون فقيرا، بل عاش كثريِّ. فقد كان ينعش التجارة المغلقة لممتلكاته بطرق غريبة وفريدة.
من متآمر أثناء »‬ملكية يوليو              »، إلي ممثل للشعب عام ١٨٤٨، ثم منفي عام ١٨٧١، ونائب عام ١٨٥٢. كان جمهوريا وعمل من أجل تحقيق الحرية والأخوة العالمية علي الأرض. عقيدته كانت مثل عقيدة جمهوريي عصره، لكنه في الواقع كان في الوقت ذاته الصديق الأكثر سخاء للبشرية، وأحلك أعدائها أيضا.
الرجال الذين كان يعتز بهم بشدة، إلي حد التضحية في سبيلهم بممتلكاته وحريته وحتي حياته، كان يحتقرهم بشكل خاص ويتجنب الاحتكاك بهم، كأنهم  نجاسة. لم يكن هذا هو التناقض الوحيد لهذا الفكر الذي كان يعلن دون كلل استقلاليته، فقد أدان استخدام السيف الذي كان بيده أثناء دعمه لعقائده، وقتاله من أجل المسائل الكبري. وقد ظل حتي شيخوخته المبارز الأكثر فخرا لحزبه.
طول   قامته، وبروده، وإحساسه العنيد بالشرف، جعلوا منه بشكل ما رجلا أحمر طيبا. كان ابن تاجر خزف من ضاحية »‬بواسونيير». وقد كان مقدرا له أن يعمل بالمجال نفسه الذي ارتبطت بداياته فيه بحادثة غير عادية علي الإطلاق، سأرويها لكم كما رواها لي عجائز ماتوا منذ زمن بعيد.
كان الأب »‬دوبون» رجلا شريفا وذكيا، وعندما صار عجوزا حوالي ١٨٣٥، كان قد حقق من تجارته ثروة كبيرة بالنسبة لعصره. قرر أن يتقاعد في الريف مع زوجته »‬هيلواز»، المولودة بـ»ريبول»، وقد تمكنت أخيرا من الحصول علي ميراث والدها الذي كان بناء ومقتني  ممتلكات  وطنية.
وفي أحد أيام العام ١٨٣٥، استدعي الرجل ابنه »‬أونيزيم» إلي كوخه الصغير المسيج، والذي كان بمثابة مكتب له منذ ثلاثين عاما، حيث يتمكن من مراقبة عمال المتجر أثناء إنجاز أعماله، وهناك دار الحوار التالي:
لم أعد شابا، أريد أن أقضي بقية أيامي في أعمال الحديقة، فلطالما أحببت زراعة الإجاص. الحياة قصيرة، ولكننا نعيش من جديد في أبنائنا. لقد منحنا خالق الطبيعة هذا الخلود علي الأرض. أنت في العشرين، وفي هذه السن كنت أبيع أطباقا في المعارض. قدت عربتي عبر جميع المؤسسات العمومية. وحدث أن نمت مرات عديدة تحت مظلة العربة، وفي وسط الطريق، وتحت المطر والثلوج.
العيش الذي كان صعبا للغاية بالنسبة لي، سيكون سهلا لك. وأنا مبتهج لأن حياتك هي امتداد لحياتي. لقد زوجت شقيقتك لمحام، وحان الوقت أن أمنح لأمك المبجلة، ولنفسي الراحة التي نستحقها نحن الاثنان. لقد ارتقيت في المجتمع بجهودي ووضعت تعليماتي  في المناك           وفي الأوراق التي كانت منتشرة في كل فرنسا عندما كانت الدولة تنشئ دستورها وسط الاضطرابات. أنت درست بالكلية، وتجيد اللاتينية والقانون، وهي زينة العقل، لكن الأساسي هو أن تكون رجلا شريفا، وأن تكسب المال. لقد أنشأت منزلا جميلا وعليك المحافظة عليه وتطويره. الخزف تجارة رائعة تلبي كل متطلبات الحياة، فلتأخذ مكاني »‬أونيزيم». لست قادرا علي النجاح بمفردك، ولهذا سأساعدك في البداية. يجب أن يتعود العملاء علي رؤيتك، فلتستلم من اليوم كل الطلبيات التي نتلقاها. دفتر سجل الأسعار الذي في الدرج سيكون عونا كبيرا لك، وستقوم نصائحي والوقت بالباقي. أنت لست قبيحا ولا شريرا، وأنا لا ألومك علي ارتداء سترات »‬روبسبير» ولا علي الانتماء لـ»‬البوزينغو               »، فهذا هو جيلك، وقد كنت شابا صغيرا أيضا. هيا اجلس هنا بني أمام هذه الطاولة.
وقام الأب دوبون الطيب بالاشارة لابنه بذراعه إلي مكتب قديم، والذي لم يكن علي الموضة. وقد احتفظ به من باب التوفير، وليس للتباهي. كان مكتبا مزخرفا بالنحاس، اشتراه من مزاد علني قبل ثلاثين عاما، وقد كان يستخدمه السيد »‬شواسيول» خلال وزارته.
أطاع »‬أونيزيم دوبون» بصمت، وأخذ المكان الذي عين له. وذهب والده للتنزه، واثقا بابنه، فقد كان يؤمن بأن الدم الجيد لا يخذل. وكان راضيا لأنه حول »‬بوزينغي» إلي تاجر خزف.
ظل »‬أونيزيم» وحيدا يراجع الأسعار. كان يميل إلي القيام بواجبه، والاهتمام بكل الأعمال التي كلف بها. كان قد انغمس في هذه الدراسة منذ نصف ساعة عندما قدم السيد »‬جوزيف بينيو»، تاجر خزف من ديجون. كان رجلا بشوشا، وأفضل عملاء دار دوبون.
- سيد »‬أونيزيم»، أنتم هنا! لماذا لستم بالخارج للتأنق بمعطفكم الأزرق الجميل ذي الأزرار الذهب؟ لابد أن جميلات الحمامات الصينية حزينات لغيابكم، لكنكم علي صواب، فهناك وقت للمتعة، ووقت للأعمال الجادة … لقد جئت لمقابلة والدكم.
 أنا هنا مكانه.
- أنا سعيد، فهو صديقي، وها قد مرت عشرة أعوام، وأنا أبرم صفقات معه، وأتمني أن ننجز عشرة أعوام وأكثر معكم. أنتم تشبهونه، لكنكم تشبهون والدتكم أكثر. هذه ليست مجاملة سيئة. مدام »‬دوبون» قوية جدا بشخصها، كيف حال والدكم؟ أخطط لتناول العشاء برفقته خلال هذا الأسبوع بمطعم »‬روشي دو كانكال»، كما نفعل كل سنة منذ عشرة أعوام، قل لي رجاء أنه ليس مريضا.
- إنه بصحة جيدة، أشكركم، سيدي، ماهو طلبكم؟
- ها! لكن، إنه وقت التموين، وقد جئت أقدم لكم طلبياتي السنوية. وصلت هذا الصباح في عجالة، ونزلت كالعادة بفندق »‬دو لافيكتوار» بشارع »‬دي كوك هيرون».
أخرج السيد »‬جوزيف بينيو»، ورقة من جيبه وعدّد القطع التي يحتاجها، أدوات المائدة بالعشرات، مئات الأطباق، أحواض، قدور، إنها طلبية رائعة.
قال »‬أونيزيم: سأعمل جاهدا علي إرضائكم سيدي.
وبعينين تتفحص الأسعار، أشار بعناية إلي أسعار القطع التي أدرجها التاجر… أربعة وعشرون طقما حسب المعايير، أبيض وذهبي… اثني عشر طقما من نوع لامارتين، ستون قطعة لتجهيز الحمامات…
قال السيد »‬جوزيف بينيو»: كما ترون أنا لا أخشي التوسع بالتجارة. علينا اقتناء الكثير إذا كنا نرغب ببيع الكثير. أنا جريء كما تلاحظون، ولا أخشي مخاطر التجارة… ليس لديكم عميل أفضل مني. قالها بضحكة لطيفة ثم استنشق الهواء بحزن وتنهد معترضا:
ستقدمون لي طبعا تخفيضا صغيرا. أسعاركم مرتفعة جدا. الأوقات صعبة، وهناك أموال بفرنسا، لكنها مخبأة والأمن مفقود، فلتقدموا لي تخفيضي الصغير.
أجاب أونيزيم بتهذيب بارد: يؤسفني ألا أستطيع منحكم ما تطلبون سيدي.
- لا يمكنكم أن تمنحوني خمسة بالمائة علي الطلبية الاعتيادية؟ أتمزحون؟!
- لا يا سيدي، أنا لا أمزح.
- والدكم يقدم لي تخفيضي الصغير علي الفور، إنه يمنحني كل التخفيضات التي أطلبها، لا يرفض شيئا لصديقه القديم »‬بينيو»، الأب »‬دوبون» رجل شجاع!
نهض »‬أونيزيم» وقال: فلنتوقف هنا سيدي. بعد ما قلتموه لي لا يمكنني الاستمرار بالتحدث معكم سوي عن طريق اثنين من أصدقائي.
سأله الرجل »‬الديجوني» بروح بريئة مليئة بالدهشة: ماذا تقولون؟
- أقول سيكون لي الشرف بإرسال شهودي الذين سيقومون بواجب خدمتكم سيدي.
 أنا لا أفهمكم.
- ربما لأنني لم أتكلم بوضوح تام يا سيدي، اعذروني، سأرسل لكم شهودي، لأنكم أهنتم والدي.
- أنا أهنت والدكم، صديق السنوات العشر، الزميل الذي أقدره وأحترمه؟! لستم في حسن تقديركم، أيها الشاب!
- لقد أهنتموه سيدي بإعلانكم أنه يستطيع منحكم تخفيضا علي أسعار بضائعه. إنه تلميح إلي أن أرباحها مفرطة، وبالتالي غير عادلة، حيث إنه يستطيع حسب كلامكم تخفيضها فور طلبكم. إنه بالنهاية لوم له علي تحميلكم الفرق في حالة عدم اعتراضكم، وتتهمونه بعدم الأمانة تجاهكم. إذا لقد أهنتموه. أظن أنني وضحت بما فيه الكفاية هذه المرة.
بعد سماعه لهذه الكلمات، فغر »‬الديجوني» فاه، وبعينين مستديرتين، وجد نفسا غير قادر علي استيعاب أسباب إدانته، وما زاد من خوفه كان الهدوء واللطف اللذان تحدث بهما »‬أونيزيم دوبون», والذي خاطبه في الواقع بذلك الصوت البطيء والموسيقي الذي سيستعين به فيما بعد لدعم مقترحاته الأكثر رعبا في النوادي والجمعية الوطنية.
قال التاجر »‬الديجوني» المذهول، أيها الشاب، واحد من بيننا نحن الاثنين مخطئ، هذا مؤكد وحتمي، لكنني أعتقد جازما - وسأقسم إذا لزم الأمر - أنه أنت، ولن أغادر باريس قبل أن أقابل والدكم، وأوضح الأمر معه. مايحدث لي الآن غريب، لدرجة أنني لا أصدق أنه من الممكن أن يحدث شيء مشابه، لي ولا أي شخص آخر في الواقع.
وغادر محاطا بنوع من الدهشة، وشعر بأنه علي وشك أن يمرض. وقد حدث بالفعل، والتزم الفراش بفندق »‬دو لافيكتوار» بشارع »‬دي كوك هيرون».
في تلك الأثناء، كتب »‬أونيزيم دوبون» لاثنين من ضباط الصف من »‬شاتو دو» لطلب مساعدتهم في مسألة شرف. كانا رقيبين »‬بوزينغيين» يعملان كشهود لمحرري جريدة »‬لوناسيونال» ولأعضاء نادي »‬اسبيرنس».
لكن الأب »‬دوبون» عاد في اليوم التالي إلي مكتبه. وانتهي به الأمر إلي أن يشيخ خلف سياج كوخه، ولم ينجز أبدا الحديقة التي كانت ضمن أمنياته، ولم يقم بزراعة الإجاص.
أما »‬أونيزيم»، المفصول من مهامه التجارية، فقد ارتبط فقط بالشئون  العامة، وأسس الشركة السرية »‬ترييل إنيفو»           والتي عانت من هجمات مستمرة وتعرضت للخطر ثلاث مرات أثناء ملكية يوليو.
هوامش
(١)ملكية يوليو: (1830 - 1848), حقبة ملكية دستورية ليبرالية في فرنسا تحت حكم لويس فيليب.
(٢) المناك: تقويم سنوي يتضمن نبوءات عن الأبراج والطقس وإعلان مواعيد العطلات والمناسبات الرسمية والمواسم الدورية.
(٣) بوزينغو: مصطلح انتشر في فرنسا بعد ثورة 1830، كان يطلق علي الشباب الذين كانوا يتبنون وجهات نظر ليبرالية منفتحة.
(٤) شركة سرية: شركة تلتزم بإبقاء جزء من أنشطتها بشكل سري لأغراض غير معلنة.