رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

طوبي لتوما


د. محمد سعيد
10/7/2017 11:24:37 AM

- أسرع يا عزرا.. ليس أمامنا من أمل إن أدركنا الصباح قبل دخول المدينة
- حنانيك يا أخي.. فوالله إني لا أدخر جهداً وأنت تعرف ما حلّ بقدمي..
- أعرف بالتأكيد ولكن هذا هو الأمل الوحيد لنا نحن الاثنين..
كان المشهد أشبه ما يكون بحكايات الأساطير الخرافية.. كان توما وقد كان أكمَهَاً لا يبصر منذ ميلاده قد سمع بخبر ذلك الرجل الذي ظهر في أرض إسرائيل.. وعلم من بعض التجار أنه ذاهب إلي أورشليم (ومن أسمائها الأخري بيت المقدس والقدس وايلياء ويبوس وأصل الأسم أورشليم مكون من مقطعين الأول أور ويعني بيت مخصص لعبادة الرب والثاني سلم ويعني السلام وكان أورسلم اسمها منذ بناها الملك ملكي صادق ملك اليبوسيين الذين نزحوا مع الكنعانيين الذين انتشروا في أرض الشام وتم تحوير الاسم عند العبرانيين بعد ذلك إلي أورشليم).. لقد شاع أن لهذا الرجل من بني إسرائيل قدرة سحرية علي شفاء المرضي وفعل الأعاجيب والمعجزات.. قرر توما أن يجمع كل ثروته المتواضعة والتي ورثها عن أبيه ويرحل إلي حيث الرجل لعله يستطيع أن يشفيه ويجعله يبصر ولو لساعة واحدة.. طلب من صديقه الحميم عزرا أن يرافقه في رحلته فهو لا يستطيع أن يأتمن أحداً غيره.. مازال يتذكر حوار عزرا معه حين فاتحه فيما انتوي.
- لا أريد أن أخالفك فيما تنتويه يا أخي الحبيب ولكني لا أعرف قبلاً رجلاً ظهر في الناس مثل هذا الرجل إلا وكان مدّعي أفاق.. وأخشي عليك أن تعود كما ذهبت لم تنل من الشفاء شيئاً.. كما أن الطريق مأمونة لكلينا..
- ولكن قلبي يحدثني أن هذا هو الرجل المنتظر .. شئٌ في نفسي يخبرني بأنه فعلاً نبيُ بني إسرائيل الخاتم ..
- أولم يكن هذا هو حالك مع كل من سبق ممن ادّعوا النبوة وتسمّوا باسم يسوع ..
- قد يكون كلامك صحيحاً يا عِزرا ولكني سأذهب .. ليس لدي شئٌ أخسره .. إني كالغريق الذي يتعلق ولو بقشة ..
- بل أظنك كالتائه في الصحراء لا يري إلا سراباً .. يا أخي إن هذا رجل لم نسمع عنه إلا من شهور .. أين كان قبل ذلك .. لقد سمعت أن أمه قد ذهبت به إلي مصر حين ولادته وأنه قد قضي أكثر سنواته متخفياً في مصر وشرق الشام .. أخشي أن يكون دسيسة من المصريين أو من أهل المشرق علينا ليفسد علينا ديننا وحياتنا ..
- وهل هذا دين أو هذه حياة ؟؟ .. ألا تري وأنت مبصر العينين ما وصل إليه حال إخوة موسي وهارون ؟؟ .. ألم تقل للتو أن الطريق ليست مأمونة لكلينا ؟؟ .. أيُّ دين هذا وأيُّ متدينين الذين لا يأمن الواحد منهم علي نفسه وهو في الطريق من مدينة إلي أخري .. ألا تظن أن الله قد بعث قبلاً بأنبياء لأجيال من بني إسرائيل كانوا أقل منا في الظلم والتظالم .. لطالما استغفرت ربي وأنا أفكر وأسأل نفسي ماذا ينتظر الإله ليبعث لهذه الأمّة رسولاً ليردها إلي صوابها أو تراه قد نسيها أو فقد الأمل في اصلاحها ..
- استغفر الله .. ما هذا إلا وسوسة الشياطين ..
- استغفر الله .. ولكن الشياطين لا تحتاج الآن أن توسوس لأحد من بني إسرائيل الذين يتظالمون فيما بينهم ولا يتناهون عن منكر فعلوه ويقتلون أنبياء الله ويحرّفون في الكتاب وفي تأويله ويتخذون منه أحكامهم بعد ليّ أعناق الآيات ومعانيها التي يفسرونها علي هواهم .. وكأن الحق يحتاج لابصاره شئ أكثر من الفطرة السليمة .. أصبح الدين عند بني اسرائيل مجرد صلوات وأدعية وطقوس في المناسبات لا تذهب كلماتها الي أبعد من حناجرهم وقلوبهم خواء .. أصبح الدين عندهم مهنة يمتهنها الرويبضات .. أصبح طول الشعيرات في لحاهم أهم من نظافة الأموال في جيوبهم .. كل ذلك وهم مازالوا يظنون -بل يؤمنون- أنهم هم شعب الله المختار وهم وحدهم من يدخلون الجنة بينما حكموا علي كل شعوب الأرض بأنهم سيدخلون النار ولو كانوا أفضل منهم في اقامة العدل وحفظ حقوق ودماء الناس بينهم في بلادهم .. ربما سيُدخل الله باقي الشعوب النار لأنها لا تتظالم بينها مثلما يفعل بني إسرائيل .. (ضاحكاً بمرارة) إن أول ما يفكر فيه الرجل من بني إسرائيل حين ذهابه إلي بيت الله للصلاة أن يحفظ حذاءه من السرقة .. وأول ما يفكر فيه حين يبني مصدر سُقيا ماء لعابري السبيل أن يربط الإناء جيداً حتي لا يسرقه أحد .. إذا كان أحد يحتاج إلي أن يقتل الميت فستحتاج الشياطين لتوسوس لأمّة كهذه تتمايز عن الأمم الأخري بينما واقع الحال يقول إنها أمّة قد ماتت بالفعل وسقطت حتّي من مزبلة التاريخ فصارت إلي العدم !!!
- لله الأمر من قبل ومن بعد .. إذاً متي تنوي السفر إلي أور-سلم ؟؟
- الآن !!!
>>>
بعد فترة راحة قصيرة عاود الرجلان المسير .. كانا في طريقهما من بلدة صفد إلي أور-سلم منذ ستة أيام وها هما يبعدان عنها مسيرة ليلة أخري (صفد هي بلدة صغيرة في شمال فلسطين تقع علي بعد 134 كم شمال القدس وتطل علي بحيرة طبريا) .. كان توما يشفق علي صديقه مما ألمّ به وتسبب هو فيه .. فقد خرجا من بلدتهما مستترَين بظلمة الليل حتي لا يراهما أحد اللصوص فيتبعهما .. كان كل منهما راكباً علي بغلة وورائهما بغلة أخري وضعا عليها ما يحتاجانه من لوازم السفر .. اتخذا طريقاً ملتفاً حول المدن حتي يجتنبا اللصوص ولكن ما إن مرّت سويعات قليلة علي بدء رحلتهما حتي كان المحذور واقعاً حقيقياً .. كانوا خمسة رجال وامرأة ويبدو أن حظ الصديقين العاثر جعلهما يمرّان بكوخ في منطقة نائية معزولة اتخذه الرجال وكراً لممارسة الرذيلة التي كان صوتها مسموعاً لهما حين مرّا بجوار الكوخ مع المرأة البغيّ .. أو لعلها تكون مختطفة من أهلها .. لم يعد هذا يهم في بلاد الظلم فهي كامرأة مدانة في كل الأحوال ..
إلي جذع شجرة تم تقييد الرجلين توما وعِزرا .. جردوهما من كل ما يحملانه وأخذوا البغال الثلاثة بكل ما كان عليها .. كان واضحاً بعد ذلك أن الرجال الخمسة يتحاورون بشأنهما وفيما يفعلون بهما .. تكررت أسئلتهم للصديقين إن كان معهما أي أحد اخر في رحلتهما .. كانت إجابات الصديقين بالنفي تزيدهم شكوكاً .. يبدو أنهم ظنّوا أنه ربما كان هناك أحد مع الصديقين هرب قبل أن يمسكوا بهما .. ويبدو أن أمرهم قد استقر في النهاية علي أن لا يقتلونهما .. حين اقترب منهما أحد الرجال ليفك قيدهما بينما رجل أخر يبدو أنه أكبرهم سنّاً يقف أمامهما ليخبرهما بما صاروا إليه من قرار في أمرهما بأن يتركونهما يذهبان وقبل أن تكتمل جملة الحمد لله علي شفاه الصديقين كان رجل ثالث يضرب عِزرا بحجر كبير علي قدمه حتي لا يستطيعا أن يتبعوهم !!!
>>>
كان عِزرا يتحامل علي نفسه في المسير وقدمه مجروحة .. لم يستطع توما أن يساعده في تضميد جرحه .. كان الصديقان يشقان طريقهما بصعوبة بين الأشجار في عتمة الليل البهيم وفي المستنقعات التي تنتشر بجوار بحيرة طبريا .. أعمي وأعرج في

رحلة سفرٍ في وحل أرضٍ ظالمةٍ تحت عتمة ليلٍ طويلٍ ذاهبان إلي ما قد يكون سراباً .. هكذا كان حالهما الذي كان أشبه ما يكون بالأساطير الإغريقية لصراع البشر مع الآلهة التي تسكن جبل الأوليمب .. بل كان حال الكثيرين من الناس في هذه الحياة .. يالسخرية الأقدار ..
في أثناء سيرهما المضني كان يتردد في الفضاء صوت الكروان وكأنه يؤنسهما في رحلتهما .. علي حين كانت الغربان تعلن عن وجودها من حين لآخر بأصوات مرعبة بغيضة ..
كان توما يسترجع في مخيلته كل شئ منذ خرج من البلدة وكان يستعيد حوارهما عندما تركهما الرجال والمرأة ..
- كنت علي حق يا أخي عِزرا .. لم يكن ينبغي لنا أن نغادر بلدتنا .. أنا السبب في كل هذا .. لم أرض بقضاء الله في أن يخلقني أكْمَهَ  غير مبصر .. كنت كالطفل الذي تنصب حياته كلها باتجاه لعبة يشتاقها غير مبالي بأي شيء آخر .. وكأن المبصرين أكثر سعادة من المكفوفين في هذه الحياة البغيضة .. فلنعد إلي بلدتنا لنداوي جرحك ..
- لا يا أخي .. بل أنت الذي كنت علي حق .. لا نجاة لنا في هذه الحياة إلا بالذهاب إلي هذا الرجل في أور-سلم علّه يكون حقاً نبياً مرسلاً .. ما أصابنا كان سيصيبنا ولو كنا في بيوتنا .. سنذهب إلي أور-سلم وسأرفع شكوتي ضد جنود هيرودس أنتيباس (وكان حاكم منطقة الجليل في شمال فلسطين وكلمة أنتيباس تعني الصغير) إلي هيرودس نفسه لأري ماذا يفعل .. أنا أعرف أنه سيكون في أورشليم لحضور عيد الفصح هناك ..
- وما دخل جنود هيرودس الصغير بما حدث لنا ؟؟ ..
- لقد كان الرجال الخمسة منهم !!!
>>>
حين يطالبك الحكام بالسمع والطاعة وأن من يعارضهم هو من يفسد في الأرض .. حين يرضي الناس بذلك ويوهمون أنفسهم بأن ما يحدث ضد الأبرياء هو بسبب أنهم ليسوا أبرياء وإنما خارجون علي القانون .. فلا أمل في هذه الدولة ولا صلاح لهذه الأمّة .. جنود ظلّ الإله في الأرض هم من يفسدون في الأرض في حين يدّعي ظلّ الإله أنه هو من يحفظ الأمن والأمان .. وكلما تتابعت الجرائم كلما كان هذا دليلاً علي احتياجنا لأن يحمينا حتي يصبح المستفيد الأول من انعدام الأمن والأمان هو من نسانده ليحفظ الأمن والأمان .. لعمري إن ذلك لعبث .. صدق من قال »من أمِن العقاب أساء الأدب»‬ .
 >>>
برغم الجوع والبرد ومشقة الطريق وضعف قوة الصديقين فقد استطاعا أن يكونا علي مشارف مدينة أورشليم مع التباشير الأولي للصباح .. بدت مدينة السلام من بعيد بقلعتها المنيعة »‬قلعة أنطونيا» وكأنها مدينة أشباح خرافية .. كانت السحب تعلو قمم أسوارها بقليل بينما لفّ ضباب ذلك اليوم حول أسوارها البنية الداكنة فجعلها أشبه ما تكون بمدينة سراب وقد أحاطت بها الأودية والسهول التي اكتسي أغلبها بأردية بيضاء من ثلوج فصل الشتاء ..
كان مشهد المدينة المهيب أخّاذاً للابصار .. وفي حين كان توما يستمع لصديقه وهو يبشره بوصولهما إلي مشارف المدينة ويصف له شكلها وهما يجاهدان الطريق الصاعدة لأعلي حيث المدينة المرتفعة تعثر فجأة عِزرا في حجر فاختل توازنه وسقط علي الأرض مفلتاً يد توما التي كان يمسك بها ومحاولاً الابتعاد عنه لكي لا يسقط معه .. كانت السقطة شديدة وعلي أثرها تضررت أكثر قدم عِزرا المصابة الذي صرخ صرخة قوية وهو يمسك بها من الألم لا يدري ماذا يفعل وقد تخضبت بالدماء .. تسّمر توما في مكانه وهو ينادي علي عِزرا لا يفهم ماذا يحدث ..
>>>
- لحسن حظكما أنني أنا من سمعت صراخكما وليس جنود بيلاطيس (بيلاطيس البنطي هو الحاكم الروماني علي يهودا وسامراء وكان يقيم في يافا ولكنه كان في هذا الوقت في أورشليم لحضور العيد) ..
- الحمد لله وشكراً لك أيها الشيخ الكريم .. لولا هذا السائل الذي وضعته علي قدمي لظلّت تؤلمني ..
- أوتظن ذلك يا عِزرا ؟؟ ..
- (مندهشاً) وكيف عرفت اسمي ؟؟
- أعرفك وأعرف صديقك توما أيضاً وأعرف ما حلّ بكما منذ خرجتما من صفد .. ولكن هذا لا يهم .. فلتخبراني أيها الصديقين .. ما حاجتكما في هذه المدينة ..
- جئنا أنا وصاحبي توما لهذا الرجل يسوع الذي شاع أنه يشفي الأكْمَهَ بإذن الله ..
- لا أظنكما ستلحقانه ..
- كيف ذلك ؟؟
- لأنه رجلٌ مدّعي وقد تناصح القوم في أمر فتنته فقرروا أن يقبضوا عليه وبالأمس تمت محاكمته أمام السنهدرين (مجلس الحاخامات الأعلي في الشريعة اليهودية) .. وأقر أمامهم بجريمته وتجديفه .. أقر أمام جمعهم برئاسة حنّانيا ثم أمامهم برئاسة قيافا واليوم سينفذون فيه قرارهم بالاعدام ومعه اثنان من اللصوص .. (حنّانيا كان رئيساً لمجلس السنهدرين المكوّن من سبعين حاخاماً ومن يرأسهم يظل في منصبه مدي الحياة ولكن الرومان عينوا قيافا رئيساً فما كان من السنهدرين إلا أن اعترف بكليهما رئيساً !!!)
- يا ويلي .. أحقاً ما تقول أيها الشيخ ؟؟ .. (باكياً) لقد ضاع الأمل الأخير لي في أن أبصر ..
- انتظر يا توما .. الشيخ يقول إنهم لم يقتلوه بعد .. لعل الله يبرأه وينقذه من أيديهم ..
- فلتخبرني يا توما .. ماذا كنت ستفعل إذا وصلت لهذا الرجل يسوع ولم يقدر علي أن يشفيك؟؟
- لا أعلم .. قد أكون قد جئت إليه ليبرأني من علّتي ولكني قبل ذلك جئت إليه بقلب مؤمن وإذا لم يبرأني فستكون هذه مشيئة الرب وسأرضي بها في كل الأحوال ..
- ولماذا لم ترض بها وأنت في بيتك في صفد .. لماذا تجشمت كل هذا العناء وكدت وصديقك أن تُقتَلا .. ألم يمرّ بالقرب منك حين مكث أيام في قيصرية فيلبس وكنت تعلم بوجوده هناك ومع ذلك لم تذهب (قيصرية فيلبس هي من البلدات التي زارها المسيح في أقصي شمال منطقة الجليل وتقع إلي الشمال الشرقي من صفد) ..
- (متلعثماً) أنا فقط .. أردت .. أن ..
- أنت أردت أن تبصر .. أعرف ذلك ولكن لماذا .. لتستطيع أن تري النساء أليس كذلك ؟؟ .. كان يضايقك ويحرق قلبك سماعك لأصواتهن وهن يستحمن ويلعبن في النهر غير مستترات منك لأنك أعمي .. منذ زمن وهوايتك المفضلة هي الذهاب صباحاً برفقة صديقك عِزرا الذي يتركك هناك ليأتي ليأخذك قبل مغيب الشمس وقد قضيت النهار كله تتخيلهن وأنت تستمع لهن مستمتعاً وهن يلعبن بالماء الذي يبلل ملابسهن ليظهر ما تحتها من مفاتن ..
- (غاضباً) اخرس يا هذا ما أنت إلا أفاق وكذّاب مبين ..
- (ضاحكاً) أنا الكذاب أم من كان يقول للناس أنه يتعبّد .. (تعلو ضحكته) ألا يصح التعبّد عندك إلا علي أصوات الفتيات العذاري يا توما ..
راح توما يشوّح بعصاه بغضب ناحية مصدر صوت الرجل الذي أخذ يتفاداها برشاقة غير معهودة علي شيخ كهل كما كان يظهر من هيئته وملامح وجهه .. استمر الرجل في الضحك بصوت مخيف ..
- حاذر يا توما لألّا تصيب صديقك عِزرا .. إنه هو الوحيد الباقي لك في هذه الحياة ..
- اهدأ يا توما .. فنحن لم نأت إلي هنا لأجل هذا .. تجاهل يا أخي ما قاله الرجل واهدأ ..
- يتجاهل ما قلته ؟؟ .. ولماذا لم تتجاهل أنت يا عِزرا هذا الذنب الشديد الذي تملّك عليك حياتك .. ما أنت إلا صديق أفاق يا عِزرا .. مثلك مثل هذا الاسخريوطي (يهوذا) الذي باع من أتيتم لأجله بثلاثين قطعة من فضة ..
- أيٌّ ذنب تقصد أيها الرجل ..
- الذنب الذي تحاول أن تكفّر عنه بمصادقتك لتوما ومساعدته .. ألا تعلم أنني أنا الذي نفّذت طلب والدتك أن تلحق اللعنة بجنين أم توما حين حملها فيه فتلده أكْمَهَاً ؟؟ .. منذ أن أخبرك أبوك بالسرّ وأنت تحاول أن تكفّر عن خطيئة أمك .. كنت أيضاً تتساءل عن سبب ما فعلته أمك بجارتها أم توما وجنينها .. أنا أقول لك .. إنه الحقد يا عزيزي عِزرا .. عندما ولدتك أمك وجاء النسوة لزيارتها .. كانت أم توما من بينهن وكانت لازالت حبلي في توما .. كلمة واحدة خرجت من أم توما عند رؤيتها لك كانت كفيلة باشعال كل نيران الحقد في قلب أمك .. »‬لماذا لم تكحّلِي عين الوليد يا حبيبتي» .. لم تكن جميلاً يا عِزرا وكانت أمك تعرف ذلك وراحت النسوة يضحكن فيما بينهن علي شكلك الدميم .. أتدري أن أمك قد قامت في الفجر فأشعلت البخور وأراقت الدماء بذبح قرابين من الطيور وراحت تستدعيني بتعاويذها لتلعن أم توما وما في بطنها .. وقد نفذت لها ما طلبت .. فما إن اكتملت ولادة توما حتي لمست عينيه بأصابعي فمسحتهما فلم تتفتحا .. بينما ماتت أمه كمداً حين رأت أنها قد وضعت وليداً أعمي ..
- إنك لشيطان رجيم .. عليك اللعنة إلي يوم الدين .. (قالها عِزرا وهو يتناول جرّة الماء التي بجانبه ليرمي بها الرجل الذي تفادي الماء المتطاير منها بأن اختفي) !!!
 
>>>
بعد فترة قصيرة من التفكير في الأمر حسم الصديقان أمرهما وقررا المضي في الطريق ودخول المدينة خاصةً وقد تحسنت قدم عِزرا كثيراً ولم يعد يشعر بألمٍ فيها .. كانت هذه هي الحسنة الوحيدة التي فعلها هذا الرجل الذي لم يتوقفا كثيراً حول من يكون .. كما لم تكن لديهما الشجاعة أن يتكلما فيما قاله الرجل وإن ظلّت كلماته بخصوص كل واحد منهما تتردد في ذهن الآخر !!!
كان عليهما أن يعودا للطريق الوعرة الصاعدة إلي أورشليم والتي ظهرت لهم قريبة جداً علي غير الحقيقة ففضلا أن ينحرفا في طريقهما إلي الجنوب الشرقي للمدينة حيث يتوجهان إلي سفح جبل الزيتون فيكون طريقهما بالرغم من طوله أقل وعورة ..
مرّت الساعات واحدة تلو الأخري حتي كاد النهار أن ينتصف وهما في طريقهما وكأن المدينة التي ظنّا أنها قريبة لم تكن إلا سراباً يتباعد أمامهما كلما اقتربا منه .. عندما أدركهما التعب كانا قد وصلا إلي القرب من بستان الزيتون فجلسا يستريحان قليلاً .. كان عِزرا بالرغم من تحسن قدمه وعدم شعوره بألمها قد بدأ يحس ضعفاً في بدنه وشيئاً من الارتخاء في أعصابه لم يعلم له سبباً .. كما أنه لاحظ بعض البثرات الحمراء التي أخذت في الانتشار المتزايد في بعض جسده .. لم يشأ أن يخبر صديقه .. راح يتجاذب معه في وقت راحته أطراف الحديث ..
- هل صحيحٌ ما قاله الشيخ عنك يا توما ؟؟
- وهل صحيحٌ ما قاله عنك وعن أمك أيضاً ؟؟
- لقد سألتك أنا أولاً ..
- حسناً سأجاوبك أنا أولاً لعل ذلك يريح قلبك .. نعم صحيح .. كل ما قاله صحيح .. ولكنه صحيح كما حدث لي وليس كما تتصوره أنت .. أنت يا عِزرا مبصر .. كيف لك أن تعرف إحساس أعمي مثلي لم يرَ النور منذ ولادته .. هل جرّبت ولو ليوم واحد أن تعيش في غرفة مظلمة وعيناك معصوبتان بينما الدنيا حول غرفتك تمتلئ بالحياة وأصوات الناس والحيوانات والطيور .. هل تدري كيف يكون شعور من لا يعرف من الحياة ومباهجها إلا أصواتها .. وأحياناً ملمسها .. عندما كنت استمع للفتيات وهن يلعبن علي حافة الماء كنت استمع للحياة التي افتقدها وليس كما يفعل المبصرون ليستمتعوا بمنظرهن .. كيف لي أن يكون صوتهن محركاً لخيالي ومصوراً لي مفاتنهن كما قال الشيخ وأنا لم أشاهد امرأة واحدة في حياتي .. أتشتهي لحم الضأن لسماعك صوت النعاج وأنت لم ترها أبداً .. حتي الشهوة لا أعرف منها شيئاً غير لمسات لجسدي .. أتذكر ذاك الصباح عندما سألتني عما بلل ملابسي وأجبتك بأنني لا أعرف .. ساعتها قلت لي أن ذلك اسمه احتلاماً .. لم تكن محقاً يا عِزرا .. لم يكن هذا إلا ماء كالذي يخرج منك في بيت الراحة .. جسد وعقل لم يطلعا علي أي صورة لهذه الحياة كيف لصاحبهما أن يحتلم .. أنا لا أعرف حتي شكل الألوان ولا السماء ولا البحار ولا أي شئ .. يتكلم الناس حولي عن هذه الأشياء فأكون كالأعجمي الذي لا يفهم لغة القوم .. (يبدأ في البكاء) نعم كنت أذهب لأستمع لأصوات الفتيات .. ولتُسمي أنت ذلك ما شئت ولكنه لم يكن استمتاعاً.
- (وهو يلف ذراعه حول كتف توما ليأخذه في حضنه) هوّن عليك يا صديقي .. أنا أفهم ما تعانيه ..
- (منتفضاً ليبتعد عنه) لا .. لا تفهم .. كيف لك أن تفهم .. أنت مبصر ولا تستطيع أن تفهم .. لقد وهبك الله نعمة تمنعك من أن تفهم شعور من فقدها ..
- بل إنك أنت الذي في نعمة كبيرة يا توما .. أخبرني يا توما .. هل فكّرت يوماً في إن كنت جميلاً أم دميماً .. قطعاً لم تفكّر في ذلك مطلقاً .. ما نفع البصر مع وجه دميم .. لكم تمنيت أن أكون قد خُلقت مثلك حتي لا أري التأفف في أعين الناس كلما رأوني .. لقد فكّرت يوماً في أن أفقأ عيني فأكون مثلك .. ولكن ما كان هذا ليفيد .. كنت سأظل مدركاً لاستهزاء الناس بي .. أتذْكُرُ أنت عندما سألتني عن سبب مناداة الأطفال لي باسم »‬الوحْش» .. ساعتها كذبت عليك وقلت لك لأنهم يخافون من قوتي والحقيقة أنهم يخافون من دمامتي .. عماك ليس نقمة يا صديقي .. وحتي لو كان نقمة فهو نقمة واحدة ولكني أنا الذي ابتلاني الرب بنقمتين .. دمامتي ومعها بصري .. ليت الرب قد خلق كل البشر مثلك .. كانوا سينعمون بحياة أفضل لا شك .. دون بطش أو ظلم .. دون حسد أو اشتهاء لما ليس بأيديهم .. (رافعاً وجهه إلي السماء) ليتك يارب قد خلقتنا جميعاً سواء أكِّفاء ومكفوفين !!!
فجأة أظلمت السماء ودوي فيها صوت الرعد المخيف واهتزت الأرض من تحتهما فنثرت عليهما شجرة الزيتون التي كانا تحتها ثلوجها التي غطّت أغصانها .. استحالت الدنيا حولهما ظلاماً كاملاً بالرغم من أن النهار مازال في منتصفه ..
- ما هذا يا عِزرا ..
- (مرتعباً) لا أعلم يا توما .. لقد احتجبت الشمس وصارت الدنيا كلها سوداء .. أيكون هذا هو يوم القيامة ؟؟
- (محتضناً صديقه بقوة) لا تتركني يا عِزرا .. عدني ألا تتركني ..
- لن أتركك يا توما .. آآآه .. (أطلق عِزرا أهة قوية انخلع لها قلب توما) ..
- مالك يا عِزرا .. هل وقع عليك شئ ؟؟
- بل إني أشعر بألم وشلل في كل جسدي .. لا أستطيع حراكاً .. لا أستطيع أن أتنفس .. إني أموت يا توما .. إني أموت ..
- كيف ذلك .. ألم تخبرني أن قدمك قد تماثلت للشفاء بعد أن عالجها الشيخ ؟؟
- لعله لم يكن علاجاً .. بل لعله لم يكن شيخاً .. لعله كان الشيـ......
أسلم عِزرا الروح قبل أن يتم كلمته .. توقفت أنفاسه وهو بين أحضان صديقه الذي كان يتشبث به محتمياً فأصبح جسداً هامداً لا يحرك ساكناً .. أخذ توما يصرخ بعنف وغضب مختلطاً بالبكاء وهو يهز صديقه لعله يمنعه من الموت أو يعيده للحياة ولكن دون جدوي ..
>>>
لماذا تفعل بي ذلك يا إلهي العظيم .. أيٌّ ذنبٍ وأيٌّ خطيئةٍ اقترفت حتي تزيدني ظلاماً فوق ظلام .. ألست أنت إلهي الرحيم .. أردد اسمك »‬الرحمن الرحيم» منذ وعيت .. ابتليتني في بصري وصبرت .. وظللت أردد اسمك »‬الرحمن الرحيم» .. حرمتني من أمي عند ولادتي وصبرت .. وظللت أردد اسمك »‬الرحمن الرحيم» .. تركت الجنود يسلبونني كل ما أملك في هذه الدنيا فأصبحت فقيراً معدماً وصبرت .. وظللت أردد اسمك »‬الرحمن الرحيم» .. أخذت مني صديقي الوحيد في هذه الدنيا فتوفيته وهو بين يدي فأصبحت شريداً ضالاً في الطريق وها أنا صابر .. ولازلت أردد اسمك »‬الرحمن الرحيم» .. يا إلهي .. ألا يستحق عبدك الضعيف توما نظرة رحمة منك .. من لي غيرك يا إلهي ليرحمني ؟؟ .. ومن يستطيع أن يرحمني إذا كان الرحمن الرحيم لا يرحمني ..
>>>
ثلاث ساعات من النهار مرّت مثل ثلاثة قرون علي توما وهو يسمع صوت الرعد وتهتز الأرض من تحته وهو لا يملك إلا مناجاة ربّه .. كان لا زال ممسكاً بجثة صديقه التي زادت برودتها من قشعريرته .. ظلت مناجاته تتزايد وصوته يعلو متهدجاً باكياً حتي أسقطه التعب والاجهاد واليأس في هوة سحيقة من غيبوبة النوم ..
>>>
- أبعد كل هذا العمر وهذه النعم تجحد بالربّ إلهك وقد حماك وتولاك يا توما ..
- من ؟؟ .. من أنت ..
- أنا ابن الانسان يا توما .. أرسلني أبي وأباك الذي في السماوات إليك .. لازلت محظياً عند الرب إلهك يا توما .. ولكنك تناجيه فتذكر البلوة ولا تذكر النعمة .. ألا تعلم أنه ما أصابك من بلوةٍ إلا وهي مصحوبةٌ بالنعمة وما أصابك من نعمةٍ إلا وهي مصحوبةٌ بفتنة .. كان هو الرب إلهك معك .. كان عينك التي تحميك عندما مسح الشيطان عينك .. وكان هو متوليك في معيشتك عندما ماتت أمك .. وكان هو الذي اجتباك عندما صبرت علي فقد ثروتك في صمت .. ولكنه أحب أن يسمع صوتك بالدعاء .. أفعندما تدعو من يحبك تذكر البلوة وتنسي النعمة يا توما ..
- حاشا لله .. ما أنا إلا عبد للرب إلهي لا أشرك به أحداً .. أستغفرك ربي وأتوب إليك .. أرضي بقضائك وحكمك في .. فما تحكم إلا حقاً ونفعاً .. ولكن .. ولكن من أنت أيها الرجل الصالح ..
كانت المرة الأولي التي يستطيع فيها توما أن يري شيئاً .. لم يعرف وقتها كم مرّ به من الوقت منذ سقط مجهداً وهو يناجي الربّ .. مدّ يديه ليتحسس عينيه بأنامله .. كانتا مازالتا مغلقتين كما هما منذ ولادته .. ومع ذلك كان يري !!! .. لم يدر إن كان ما يراه حقيقةً أو كان كما يقول الناس حلماً .. هو حتي لا يعرف معني الأحلام .. كان الرجل واقفاً أمامه في رداء أبيض كبياض الثلج الذي كسا الأرض من حوله .. وبالرغم من ذلك فقد كان ضياء وجهه أشد سطوعاً من النور المنعكس من بياض الثلج حوله .. كانت أول مرة يبصر .. وبدون عينين .. وكان أول بصره أن رأي كل هذا الضياء ..
- أنا يسوع ..
- المسيا ؟؟؟ .. يسوع المسيح ؟؟؟
- نعم .. أنا هو .. فلتفرح بعفو الرب ونعمه يا توما .. ولترضي بقضائه ..
- الحمد لله ..
- لأنه الرب إلهك يهدي قطيعه الضال ويتولي من لا وليّ له .. ها أنا ذا بأمر الرب إلهك أسبغ عليك من نعمائه لعلك ترضي أيها العبد المؤمن وأصلح لك ما أفسده الشيطان بصنيعه ..
قالها وهو ينحني ليمد أطراف أصابعه فيمسح بها علي عيني توما ثم يشير بيديه إلي الجسد المسجّي بجانب توما فينتفض ثم يمسح بيده علي جرح القدم فيهدأ الجسد وقد عادت أنفاسه في انتظام .. يرحل الرجل النوراني في هدوء كما جاء في هدوء .. ذهب وهو يقول جملة ظلت تتردد في عقل توما بقية حياته .. »‬طوبي لمن آمن ولم يرَ».