رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

الست


سمر نور
12/2/2017 10:23:41 AM

10
مات نبات البوتس اليوم. في الحقيقة هو ميت منذ أسابيع لكنني كنت أصارع معه من أجل الحياة، أسقيه وأنظف أوراقه، أحاول أن أنقل إليه حبي عبر اللمس، اللغة الوحيدة التي يفهمها منذ جلبته إلي بيتي. كنت أحلم به منذ انتقلت إلي شقتي الجديدة، وكان رفيقي الحي الوحيد، أحببته من أول نظرة.
عقدت العزم علي الذهاب إلي مشتل بعينه لشراء نبات ظل، وفي طريقي وجدت مشتلًا آخر صغيرًا، لم ألحظه من قبل، يطل من زجاج فاترينته كائني الجميل، كأنه يناديني، بخضاره المنعش. لم يكن يشبه من يجاورونه. دخلت إلي المحل وبدأت في تدليله، لمست أوراقه بأصابعي العشر، وأسررت إليه باسمه »بو»‬.
لا أعرف لماذا يرحل »‬بو»الآن بعد احتماله لوجوده معي كل تلك الأشهر؟! هل يشعر أنه لم يعد كافيًا في حياتي! هل أهملته دون أن أدري؟ لم تنجح كل محاولاتي لإنقاذه، وذبلت كل أوراقه، وكان عليّ اليوم نزع كل الأوراق الميتة، والغصون الفارغة، لكنني أعدت نبتة صغيرة يبدو فيها أثر من الحياة، وغصنًا يحمل ورقتين تستندان إلي بعضهما البعض، خيل إليّ أن هناك رغبة في الحياة تسري في عروقهما، وأنهما تستجيبان للمساتي.. كمن يستنجد بأمه! غرستها من جديد، وساويت التربة بعد أن دفنت فيها بعضا من الأوراق الجافة، جمعت بقية الأوراق والغصون وفكرت كيف يمكنني دفنها؟ اخترت كيسًا ملونًا ووضعتها فيه، وبدأت رحلة البحث عن مقبرة أخيرة لما تبقي من الجثمان، هل أحرقه كي يولد في حياة أخري في جسم كائن آخر، ماذا عساه يكون هذا البوتس المسكين؟ هل يمكن أن يقوده قدره إلي العودة في جسد إنسان! ربما لن يكون ذلك مصيرًا بشعًا فيكفي أنه سيملك لسانًا ليعبر به عن أوجاعه. لن تتحكم فيه إنسانة مثلي لا تفهمه، لن يظل يحتضر أمام عينيها دون أن تفهم ما يريده، ربما لم تمنحه الحب الكافي! ولكن ماذا إن عاد في جسد إنسان لا يري ولا يسمع ولا يتكلم؟! إنسان يعاني من الملل والوحدة والغضب والرغبة، إنسان يعيش علي أرضنا مثلا وتتنازعه كل تلك العقد والتعقيدات والغموض!
في بيت طفولتي، كنت أزرع نبتة فول في قطنة داخل علبة بلاستيكية، كجزء من النشاط المدرسي. كنت أنظر إلي النبتة الصغيرة التي تكبر سريعًا، وتخترق تربتها البيضاء بتقديس. أبلل تلك التربة التي صنعتها بنفسي كلما جفت. هذا الفعل الممتع أشعرني بإثارة من نوع ما. هذا الكائن الضعيف يعتمد علي رعايتي، بدونها لن يكتب له الاستمرار في الحياة. كنت أعرف قيمته. الورد الاصطناعي الذي تضعه أمي في الفازة لا يحتاج إليها، حتي الماء الذي يرش عليه من أجل تلميعه، مثله مثل الزجاج، يمكن أن يظل موجودًا دون الحاجة إلي وجودك، حين ذهبت مع صديقتي إلي مزرعة أسرتها أدهشني هذا الخضار اللامع، في العاصمة حيث التلوث، لا تلمع الأشجار مثلها في غابات الأفلام الأجنبية. الأشجار في شوارعنا كأنها تلفظ آخر ما فيها من خضار، ولا تزدهر ألوان الأزهار كما يليق بكلمة »‬حديقة»كما درسناها في المدرسة. الأخضر في طفولتي لم يكن يشبه أحلامي الملونة.
لم تلفت نظرك أبدًا تلك الشجرة، كنت مشدوهة بها، كأنها خرجت من حلم قديم. خضارها لافت وكأنها ليست مزروعة في تربة تلك الأرض، إنها شجرة غريبة، تختبئ بين أغصانها الأساطير، كنت مشغولا بالزحام من حولك، ولم تهتم بالشجرة التي أسرتني كأن عشي بين جذوعها. أكاد أطير لأختبئ بين أوراقها الملتفة حول بعضها البعض. شجرة عجوز وفاتنة، وطفلة أجنبية تلعب فوق كرسي خشبي، تستمع إلي محاضرة لا أنتبه إلي ما يقال فيها، وعيناي وراء الزجاج حيث الشجرة العجوز، والطفلة تتحدث إليَّ بلغتها، ربما تحدثني عن الشجرة الغريبة مثلها، بلغة الأرض التي اجتثت منها يومًا، لتزرع في الحديقة الخلفية لهذا المكان الذي صحبتني إليه. أنا مأخوذة كليًّا إلي خارجه، بينما أنت مشغول بما يدور في الداخل.
أتعرف أنك في ليلة مقمرة ساعدتني علي تحطيم أسطورة كائن الصدفة! ليلة ظهر فيها الوحش مرة أخري ودرت معه في دوائر حول النيران ولم ينتصر ولم أنتصر بالتالي فلم ينهزم أي منا، كنا نجلس بجوار النار معًا مستسلمين للواقع. كان الوحش يتحاشي النظر إلي عيني، حتي لا يري أثر قسوتك منعكسًا علي مقلتي، كنت أحكي للوحش عنك، وكنت أخفف عنه، أخبره أنني لن أنكسر بعد الآن، ولن تصب الهزيمة سوي الأساطير.

11
فلنترك أساطيري جانبًا قليلا ولأحك لك عن ماضٍ أبعد من أسطورتي معك، ربما لا يعدو ما سأحكيه لك كونه مجرد وهم آخر أنجته الذاكرة من مقبرة الشك واعتبرته حقيقة، هل يمكن أن تتحول كل أساطيري يومًا إلي واقع مثل تلك الواقعة البعيدة التي قادتني إليك؟ نعم فكل الحكايات تقود إلي هذا الفصل، كل ما حدث في الماضي هو بداية الخيط لتلك اللحظة، كنت في الخامسة عشرة من عمري، حين زارني كاتب صديق لوالدي، لم أبكِ أبدًا بعد وفاة والدي، اكتفيت بالصمت كأنه وصل بيني وبين الموتي، نصحني كاتب الأطفال بالكتابة، قال إنها ستشفيني من الصدمة، لكنني لم أكتب، كأنني لا أرغب في الشفاء، أريد أن أظل موصولة بالموت، أليس هو مكان السكون؟! ظللت في غيبوبة لسنوات، منفصلة عن الحياة وقريبة من الموت أكثر. الحياة تسكنني اليوم، هكذا قررت منذ سنوات، لكنها اليوم أكثر وهجًا، كأنها قررت الغناء والبكاء والرقص والثورة. قررت أن تعلن عن وجودها، اليوم أكتب لأني أعيش الحياة التي تموج بداخلي، ولن تسكن من جديد إلا إذا توقفت عن الكتابة. مَن يعرفني يدرك أنني ألتقط الأفكار والمشاعر وأظل ساكنة. أتركها تتشابك وتتفاعل فيما بينها ربما لسنوات، حتي تصعد بين السطور متنكرة في ثياب أخري، بعضها لا يشبهني، وبعضها الآخر يأخذ مني روحًا ويهبها لآخر. لا أجيد الكتابة علي الهواء، ونثر الواقع بين السطور. مَن يعرفني يعرف أنني بعيدة تمامًا عن قصص الحب، لن تجدها في نصوصي سوي لماما، كأنها لقطة مهزوزة لحدث لم يقع بعد. من قرأ لي يعرف أن الرجال في نصوصي مشوهون، وغير جديرين بالثقة، لكنني اليوم أضرب بأساطيري عرض الحائط. أكتب عن الحب ولا يهمني إن كنت جديرًا بالثقة، ربما مهادنتي للوحوش جعلتني أقوي وأكثر ثقة بنفسي، وبمشاعري. أبثك إياها دون خوف، لكنني أعرف ما يمكن أن يقود إليه الخوف. أعرف تلك الطبقات التي ننسجها حولنا، كي نحمي ما وصلنا إليه من سلام، كلما حاول أحدهم الاقتراب من جدارنا العازل قاومناه، أفهمك لأنني كنت مثلك.
مر عام وستة أشهر علي أول مرة أغلقت فيها بابًا علي وحدتي المعلنة. مر عام علي أول مرة أدركت فيها حبي لك. مر شهران علي آخر محادثة بيننا. مر شهر علي آخر رسالة أرسلتها إليك. مرت ساعات وأشهر وسنوات من عمرنا، ونحن نقف عند حاجز ما. مر كل هذا الوقت علي تسليمي بأنك لست هنا، وقراري بنسيانك. تركت نفسي لزحام الحياة، العمل والكتابة والتخطيط لأشهر قادمة، الأصدقاء والهوايات والاهتمامات الجديدة. هل تعرف أني أصبحت مهتمة بعلم الفلك؟ لا تعرف فقد حدث ذلك منذ أسابيع معدودة، لكنك تعرف ما يحدث لي في الليالي المقمرة، أنا المستذئبة التي تثيرها استدارة البدر وتعاليه، فتقضي ليالي موحشة، بينما لا تستوقفك مثل تلك الأشياء.
قلت لي يومًا إنك لم تلحظ ظاهرة فلكية تحدث الجميع عنها، وأثارت أعصابي لأيام. كان القمر قريبًا من الأرض، وواضحًا إلي حد مدمر للأعصاب، كنت أدور حول نفسي مثل وحش جائع، ربما كنت أمتلك القدرة في هذا اليوم علي العواء كذئب جريح.
اليوم الذي قررت فيه تحدي أسطورة كائن الصدفة كان القمر مكتملا، أيضًا، لكنه كان مختنقًا خلف ستار برتقالي. لم يكن لونه رائقًا، لكنه كامل الاستدارة إلي حد مزعج كعادته في مثل تلك الأيام من كل شهر. لا أعرف لما يغازلون الجميلات بوصفهم بالقمر. يزعجني هذا الصلف والاعتداد واليقين، الذي لا يحرك الخيال لمسافة أبعد مما نراه في السماء، ويجعله يدور في خيال السلف. لا تجذبني الأشكال المكتملة، وأري الهلال أكثر جمالا وبهجة، أريد أن أشبه الهلال، وأن أوصف به.
أذهب إلي نفس المكان كل يوم، وأعرف أنك، أيضًا، تذهب يوميًّا إلي نفس المكان، لكننا لم نلتقِ قط. اليوم قررت أن ألتقي بك، ادعيت أنها رغبة في تحطيم الأساطير، أن أطيح بكائن الصدفة بعرض الحائط، ولا أترك أحدًا يتحكم في قصتي، أنا وحدي مَن أكتبها، ربما الأمر لم يكن يمثل تحديًا، أو تحطيمًا لأفكار كان الأمر ببساطة عبارتي الطفولية، كنت أريد رؤيتك وفقط.
كأني أؤدي مهمة، عبرت هذا الممر وألقيت نظرة جانبية نحوك، نظرة لم تمتد لأكثر من ثانية، رأيتك تنظر تجاهي بعينين مفتوحتين بدهشة، كأنك تتعجب من وجودي علي قيد الحياة، أو كأنك كنت تنتظر مروري منذ أيام، عينان مفتوحتان علي اتساعهما، عبرت أمامهما نظرتي الجانبية، وعبرت مسرعة أنا أيضًا. كنت غبية كعادتي معك، لماذا لم أستدر وأحملق في عينيك مباشرة! أتوغل في ضيقهما، أقرأ الأسرار التي تخفيها. كنت خائفة مثلك.
خرجت من الممر ليواجهني البدر العملاق، كان حزينًا وداميًا. غلالة برتقالية تخفي بياضه المعهود. كان مختنقًا بغبائه، مثلي، لكنني عدت إليك في اليوم التالي. لم يكن 

هناك أثر للقمر البرتقالي سوي لونه الذي عاد إلي الشمس الساطعة. مررت أمامك مرة أخري كنت تجلس مرتاحًا علي كرسيك، حتي رأيتني فاتجه جسدك نحوي بسرعة كأنه يدعوني. أشرت إليّ فأشرت إليك وأكملت طريقي، كأني مجرد عابر سبيل يحيي المارة، ممثل فاشل علي المسرح يحيي الجماهير، كأنني لم أمر من هنا من أجلك. كنت في واقع الأمر خائفة، أنت لا ترد علي رسائلي، فكيف ستعاملني إذا توجهت إليك، وما الذي من المفترض أن أفعله! لكنني عدت من جديد كأنني لعبة ماريونيت. كنت لطيفًا، وكنت غبية كعادتي، لم أكن غبية بقدر ما كنت، أيضًا، ممثلا فاشلا، كنا نتبادل الأدوار، كنت غبية وكنت ممثلا فاشلا، كنت ممثلة فاشلة وكنت غبيًّا، كنت مريضة وكنت خائفًا، كنت خائفة وكنت مريضًا، وكنا تائهين معًا، نثرثر في أي كلام لا يجدي، نثرثر في أي شيء لا علاقة له بسبب مروري من هذا الممر ولا بسبب دعوتك لي، ولا يفسر كل ما تفعله معي منذ شهرين. لم يكن طبيعيًّا أن يكون هذا اللقاء بعد رسالتي الأخيرة، تلك الرسالة التي كلما تهورت وفتحت الرسائل بيني وبينك لمراسلتك من جديد، واجهتني عبارة: »‬التجاهل مؤذي أكتر من الرفض». كانت الشمس ساطعة تمامًا، ساطعة إلي حد الألم. ما زلت أمسك السكين وأواصل اللعب في الجراح النازفة، كأنه لا يكفي ما يغطي جلدي من دماء، كأني أختبر إمكانية أن أكون مازوخية مثالية لسادي محترف.

١٢
لم أدرك أنها النهاية حين ألقيت عليّ هذه النظرة.
كنت تراقبني أثناء نزولي السلم، حين نظرت إلي أعلي وجدتك تلتفت إلي الاتجاه الآخر وفي عينيك تلك النظرة التي لاحقتني بها، خليط بين الدهشة والغضب والخوف، نظرة مَن يندم عما باح به. كان البوح هو النهاية، في هذا اللقاء، حين ظللت علي مدي ساعتين تحكي عن نفسك، عن طفولتك، وشبابك، أسرتك، وأصدقائك. لمحت لهذا الشيء الذي عذبك وغير نظرتك للعالم، لكنني لم أطالبك بالتفاصيل. كنت أجلس صامتة تقريبًا طوال الساعتين.أخاف أن أظهر أية إشارة تكشف أكثر هذا الحب الذي تدفق فجأة نحوك، يكفيني ما حدث في أول لقاء، كنت صفحة مفتوحة أمامك، بدوت كمراهقة متعلقة بك، أردت أن أبدو في هذا اليوم أكثر ذكاء، فأصابني الخرس، وأطلقت أنت الزمام لأفكارك ومشاعرك، علي عكس طبيعتك، كلما تذكرت هذا اليوم، يتغير المكان، لأجدك تجلس في عيادة طبيبي النفسي. كنت جالسة في مقعد الطبيب، وكنت أنت تجلس علي الكرسي المواجه. لا يوجد شيزلونج كما في الأفلام القديمة، بل إن علاقتك بالطبيب تنتهي دائمًا حين تجلس علي الكنبة ويترك هو موقعه خلف مكتبه ويجلس بجوارك، حين تنتهي من حكاياتك وتنتظر دوره في الحكي، كأنكما غريبان يعرفان أكثر مما ينبغي عن بعضهما البعض، لذلك حين تغادر هذا المكان لن تعود مرة أخري.
منذ سنوات بعيدة، كنت أتردد علي عيادة هذا الطبيب الشاب، بعد جلستين شخص حالتي بأعراض اكتئاب وقلق، وكنت أتعاطي أدوية للاكتئاب والقلق والتوتر ومنومًا لمدة ثلاثة شهور، تحت إشرافه، وجلسات أسبوعية، لم أكن أعرف أهميتها آنذاك، ما أهمية أن أجلس أمام غريب لأحكي عن نفسي وأنا لدي أصدقاء مقربون كما أنني أمتهن الكتابة؟! كنت أحيانًا أحكي قصصًا خيالية لم تحدث أبدًا، وأحيانًا أخري أحكي عن أشياء لم أعتقد من قبل أن لها أهمية. لم يكن يعلق كثيرًا بل كان، فقط، يلقي جملة أو سؤالا من وقت لآخر، وكنت دائمًا أعلق علي ما يقوله مستنتجة سبب هذا السؤال أو الجملة التي يحاول إلقاءها بشكل عرضي. لم أعطه الفرصة أبدا لمفاجأتي، ولم أرغب في تكرار العلاج لأكثر من كورس علاجي واحد، قال لي طبيبي إنه من الصعب متابعة حالة كاتب. كنت بالفعل أراقبه مثلما يراقبني. أدون ملاحظات عنه بعد انتهاء الجلسة، مثلما كان يدون ملاحظاته في الجلسة، بل ألاحظ شحوب وجهه أو توتره أو تغيرًا ما طرأ عليه فأعلق ويبدأ طبيبي في الحكي عن نفسه بود، في الزيارة الأخيرة سألته بشكل مباشر إذا كان هناك داعٍ للاستمرار وأخبرته أنني أصبحت أشعر أنني أجلس مع صديق علي المقهي، ولا أجد جديدًا في تلك الجلسات، ترك موقعه خلف المكتب وجلس علي الكنبة المواجهة، وقال إن هذا الأمر لا يمكن أن يحدده أحد غيري، وأنه يمكنني بالطبع عدم تكرار النظام الدوائي طالما لا أريد ذلك فقد تحسنت حالتي فلا خطر من ذلك. جلست بجواره وقلت له بشكل مباشر إنني لن أعاود الذهاب إلي طبيب نفسي مرة أخري، ابتسم وهو يقول: هذا اختيارك وأنا لا أجد أن حالتك تستدعي إقناعك بالاستمرار، تستطيعين العودة وقتما تشائين.
هل يمكن أن أخبرك الآن أنني بالفعل استفدت من تجربتي معه! وأن زاوية رؤيتي للأمور قد اختلفت كثيرًا، كأنني تعلمت لغة جديدة وبدأت في التفكير بها، بل إن في كل مرة أقع في حفرة ما ألجأ لفكرة زاوية النظر تلك، ولن أشفي منك إلا لو نظرت بطريقة أخري إلي حكايتنا، لذلك أكتب، ولذلك أجد أن نظرتك علي السلم تشبه نظرتي لطبيبي النفسي في آخر يوم زرته فيه، هل تعتبر ما أقوله مجرد أسطورة أخري؟ إذن سأحدثك رغم ذلك عن آخر أساطيري.
كنت أظن أنني حطمته وانتصرت عليه لكن كل ما حدث أنني هادنته، هذا الوحش لم يتركني وكان يطل علي من وقت لآخر، أعرف أن لديك وحوشك أيضًا، رأيت أحدهم في عينيك، ورأيت آخر يطل علي من صمت المحادثات الإلكترونية بيننا، وسأروي لك الآن عن وحشي الذي رافقني منذ الطفولة، من غرفتي في البيت القديم إلي كهفه، حيث أغلقت عليه باب مغارته، حتي أن يمامتين عششتا علي الباب. لم يكن نائمًا، كان راضيًا وقابلا بالهدنة، فدخلت بيتي آمنة، ووحيدة. سأقص عليك يومًا قصته منذ بدايتها، من كابوس طبيب الأسنان وحتي كيس القمامة الأسود الذي لم أعد أخاف أن أفتح الباب وأعلقه في مسمار بجوار باب البيت.