رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
ساحة الإبداع

الطابق الهاديء


أحمد الفخراني
2/25/2017 10:07:58 AM

لا أؤمن بالتجارب الروحية أو الوحي‮. ‬لكني تعرضت لحكاية عجيبة حدثت لي علي مقهي‮ ‬يميزه تليفزيون معلق في الهواء،‮ ‬يصارع كل الأصوات بصوته العالي عبر السماعات الضخمة‮. ‬غير موجه إلي أي مشاهد آخر في المقهي سوي صاحبه‮. ‬يرفض بشدة أن‮ ‬يضبط صوته،‮ ‬ليمنح الآخرين نفسا للكلام‮. ‬لا‮ ‬يشغل المباريات في وقت المباريات،‮ ‬يبدل القنوات ما بين روتانا كلاسيك والمصرية الفضائية‮. ‬من‮ ‬يشاهد المصرية الفضائية؟ ربما من وقت لآخر‮ ‬يفضل أن‮ ‬يستمع إلي وائل الإبراشي في برنامج العاشرة مساء‮.‬
المقهي‮ ‬يملك مكانا رائعا،‮ ‬فهو في بطن الشارع لا خارجه،‮ ‬يحتل قسرا مكانا واسعا بين أربع عمارات،‮ ‬هذا‮ ‬يحميه من شرطة المرافق‮. ‬لكنه خاو دوما بسبب التلفاز الذي‮ ‬يلتهم الأصوات،‮ ‬ولا‮ ‬يستجيب لرغبات المشاهدين‮. ‬يمكن له أن‮ ‬يجني أضعاف أضعاف ما‮ ‬يجنيه،‮ ‬بسرقة وصلة بين سبورت أو دفع اشتراكها،‮ ‬أو فقط اكتفي بصوت هاديء‮. ‬لكنه لم‮ ‬يفعل‮. ‬ولن‮ ‬يفعل‮. ‬لم أفهم أبدا،‮ ‬كيف لا‮ ‬يستجيب وهو‮ ‬يملك لنداء الخدمة الجيدة‮.‬
جذبني المكان وخلوه من الرواد،‮ ‬نظافته النسبية مقارنة بالمقاهي المحيطة،‮ ‬ظننته مكانا مثاليا للقراءة والتدرب علي الشطرنج عبر هاتفي‮. ‬كنت مخطئا بالطبع‮. ‬لم‮ ‬يستجب لطلبي ولو لمرة واحدة بأن‮ ‬يخفض صوت التلفاز‮. ‬ولم أبحث عن مقهي آخر،‮ ‬ببساطة دربت نفسي مرة تلو مرة علي التكيف‮. ‬فتلك المقهي صارت خياري الأخير،‮ ‬بعد أن تشاجرت مع أغلب المقاهي المحيطة بي فقط لأني أطلب خدمة جيدة‮. ‬لقد صار ذلك أشبه بالمستحيل‮. ‬كما أني لن أتحمل دفع مبالغ‮ ‬طائلة‮ ‬يومية من أجل فنجان قهوة في الكافيهات الهادئة مرتفعة السعر‮.‬
بعد عدة أشهر متواصلة من الجلوس علي المقهي‮ ‬يوميا،‮ ‬صرت أسمع أقل‮. ‬سمعي سليم،‮ ‬لكنه لم‮ ‬يعد‮ ‬يلتقط إلا ما‮ ‬يريده‮. ‬أهذا أثر المقهي؟ أنتبه لعالم كامل داخلي أحاول أن أجعله مقتصرا علي اثني وثلاثين قطعة بيضاء واثني وثلاثين قطعة سوداء‮. ‬عالم‮ ‬غير مخادع،‮ ‬حتي لو كانت السيطرة عليه شديدة الصعوبة وتحتاج إلي تركيز لم أعد أملكه،‮ ‬وذكاء كنت أظنني أملكه‮.‬
ربما الخدمة الجيدة‮  ‬لهذا المقهي هو قلة زبائنه‮.‬
عمال المقهي شديدوا الاهمال،‮ ‬يلبون الطلبات ببطء وبلا مبالاة‮. ‬لكنهم‮ ‬يتركونك لحالك،‮ ‬لا‮ ‬يلمحون إلي‮ ‬غرابتك أو‮ ‬يحاولون شد أواصر الصداقة،‮ ‬وهو ما‮ ‬يناسبني تماما‮.‬
لكن ذلك تحطم هذا اليوم‮. ‬كانت الثانية صباحا،‮ ‬عندما جلست هناك،‮ ‬أقاوم الأرق ويأس الحصول علي الخطوة الصحيحة‮. ‬لاحظت أنهم مشغولون بإصلاح التليفزيون الذي توقف عن العمل‮. ‬أهملوني أكثر من نصف ساعة،‮ ‬وعندما لوحت بانزعاجي من الأمر،‮ ‬قال القهوجي بخشونة لم أعتدها‮: ‬ثواني‮ ‬يا بيه‮. ‬فكرت في أن أقوم من مجلسي بغضب كما أفعل كل مرة أو التشاجر مباشرة وإلقاء محاضرتي المعتادة عن الخدمة الجيدة‮. ‬لكني آثرت الانتظار خوفا من أن أفقد مقهاي الأخير في الشارع‮.‬
كان اليأس‮ ‬يستبد بهم في إصلاح التليفزيون المعلق في الهواء،‮ ‬وكان صاحب المقهي‮ ‬يلوم القهوجي بشدة،‮ ‬ففهمت أنه السبب‮. ‬كان مصرا علي عدم الانتظار حتي الصباح لايجاد فني‮ ‬يتمكن من إصلاحه‮. ‬حاولت أن أشغل نفسي باستذكار خطوات افتتاحية الطابق الهاديء،‮ ‬الافتتاحية المناسبة للمبتدئين في الشطرنج،‮ ‬تلعب منذ منتصف القرن السادس عشر‮. ‬لازلت أخسر بها،‮ ‬يبدو لي أني سأظل أفعل حتي لو كنت ألعبها منذ قرون‮. ‬فوجئت بالقهوجي أمامي،‮ ‬ظننت أنهم‮ ‬يئسوا أخيرا من إصلاح التليفزيون،‮ ‬وأنه جاء لأخذ طلبي الذي لا‮ ‬يتغير عادة‮. ‬قهوة مضبوط،‮ ‬ونارجيلة‮. ‬يعقبها جنزبيل بالقرفة‮. ‬لكنه طلب مني أن أساعده في إصلاح التليفزيون‮. ‬قلت معتذرا‮: ‬لكني لا أفهم في إصلاحه‮. ‬فاجئني بإصراره‮. ‬قال‮: ‬أراك تقرأ كثيرا،‮ ‬وكل ما في الأمر أن أماكن الوصلات باللغة الإنجليزية‮. ‬حاولت الهروب،‮ ‬لكن إصراره كان مدهشا،‮ ‬كأنه لا‮ ‬يسمعني،‮ ‬كان متوترا لتبرم صاحب المقهي،‮ ‬وإدانته بالجرم المشهود،‮ ‬فقد سقط التلفاز عندما حاول القهوجي أن‮ ‬يصلح شيئا ما‮. ‬لم‮ ‬يتحطم لحسن الحظ،‮ ‬يقول همسا‮" ‬قدمي تحملت ألم ثقله،‮ ‬خففت من سقوطه،‮ ‬ولم‮ ‬يرض المعلم‮"  ‬لكنهم عندما نجحوا بصعوبة في إعادة تركيب الوصلات،‮ ‬لم‮ ‬يعمل سوي الصوت‮. ‬أما الصورة فحل محلها ذلك النمش المميز لتوقف البث‮.‬
عيونه المستنجدة بي بوصفي رجلا‮ "‬أقرأ كثيرا‮" ‬ستصاب بخيبة أمل‮. ‬لماذا‮ ‬يتحمل صاحب المقهي علي أي حال،‮ ‬ألا‮ ‬يكفيه أن‮ ‬يعمل لديه هذا المسكين اثنتي عشرة ساعة بثمن بخس،‮ ‬هذا المسكين لابد أنه أنجب مزيدا من المساكين،‮ ‬دون أن‮ ‬يفهم أحد ما المبرر‮. ‬قمت،‮ ‬لا لشفقة به،‮ ‬لكن للانتهاء من هذا المشهد والحصول علي كوب قهوة بأسرع وقت‮. ‬حتي لو كانت الأزمة في اللغة الإنجليزية لأماكن الوصلات،‮ ‬فأنا أرتبك عادة تجاه كل ما هو‮ ‬يدوي،‮ ‬أفشل حتي في إعداد كوب قهوة أو شاي‮.‬
صعدت علي طاولة كي أصل إلي التليفزيون العالي‮. ‬قرأت أماكن الوصلات في الريسيفر،‮ ‬كنت سأكتفي بأن أقول له‮: ‬لا أدري،‮ ‬تبدو الوصلات في مكانها،‮ ‬كي أعود إلي مكاني‮. ‬لكني وجدت نفسي بدلا من ذلك،‮ ‬أطلب عدة مفكات،‮ ‬لم أعرف لم‮. ‬جائني بها القهوجي ووافق صاحب المقهي طمعا في أن أوفر عليه أجرة صنايعي‮. ‬فككت الريسيفر مخرجا المازر بورد،‮ ‬لم أكن حقا أفهم ما الذي‮ ‬يحدث،‮ ‬كنت أعرف أين الخطوة الصحيحة لاصلاح التلفاز‮. ‬هذا‮ ‬غريب،‮ ‬لكني تابعت،‮ ‬في متاهات المدينة الصغيرة للترانزستور المستغلقة علي شخص مثلي،‮ ‬أضاءت أمام عيني القطعة المراد إصلاحها‮. ‬كان شيئا بسيطا،‮ ‬أعدت ضبطها،‮ ‬كأني أحترف هذا منذ زمن‮. ‬لم تكن دهشتي أكثر من دهشة صاحب المقهي،‮ ‬أعدت تركيب الريسيفر،‮ ‬وعادت الصورة جيدة كما كانت‮. ‬قال القهوجي الذي راهن علي‮: ‬مش قلتلك‮ ‬يا بيه‮. ‬
ابتسمت،‮ ‬لكن هذا شديد الغرابة،‮ ‬لم أعرف لم كان علي أن أخرج المازربورد،‮ ‬ولما نظفت تلك القطعة بالذات‮. ‬أخرجني من أفكاري انقطاع الصورة وعودة النغمشة من جديد،‮ ‬ها أنذا،‮ ‬ذلك أكثر منطقية،‮ ‬ثم تبدلت القنوات في سرعة قبل أن تستقر علي قناة‮ ‬غريبة،‮ ‬وسط فزع صاحب المقهي ونظراته الحارقة‮. ‬جذبني الرجل في التلفاز،‮ ‬أنا أعرفه،‮ ‬لكني لا أذكر أين‮. ‬تلك الصلعة،‮ ‬والسمرة والنحولة،‮ ‬والشارب الخفيف،‮ ‬بدا أنه الضيف في الحلقة‮. ‬كان‮ ‬يصرخ بجنون‮: ‬إذا أردتم أن‮ ‬يخف الغلاء فلتتحجب النساء‮. ‬ثم اقترب من الشاشة محملقا فينا،‮ ‬قائلا‮: ‬أنت‮.. ‬ألم تسأم بعد من أنك دائما لا تري الخطوة الصحيحة؟ لقد ذقت حلاوة الأمر‮.. ‬فاصدع واقترب‮. ‬ثم عادت النغمشة من جديد لثوان،‮ ‬قبل أن تستقر من جديد علي الفضائية المصرية التي كان صاحب المقهي‮ ‬يشاهدها بشغف‮. ‬بصورة وصوت واضحين‮.‬
عدت إلي مكاني متعجبا دون أن أنسي أن أذكره بالقهوة‮ . ‬لكني قررت أن أعود إلي ما أحاول فهمه‮. ‬الخطوة الصحيحة للطابق الهاديء‮. ‬ظل صاحب المقهي‮ ‬يقلب القنوات بشكل أزعجني،‮ ‬جاءني القهوجي بالقهوة‮. ‬قائلا‮: ‬علي حساب المعلم،‮ ‬لكنه‮ ‬يستأذنك أن تساعده في إيجاد تردد القناة التي كان‮ ‬يصرخ فيها الرجل‮: ‬اصدع واقترب‮.‬
قلت له بعصبية‮: ‬لن أبرح مكاني‮. ‬شربت القهوة،‮ ‬خسرت المزيد من الأدوار،‮ ‬ومضيت‮.‬















تعليقات القرّاء