رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

خوان جويتيسولو‮..‬ الكتابة في زمن القبض علي الجمر


د‮. ‬طلعت شاهين
7/2/2017 12:07:05 PM

يتخذ بعض المثقفين مواقف تضعهم في مواجهة حقيقية مع زملائهم الذين‮ ‬يتباهون بالإعلان عن مواقف دعائية،‮ ‬ولكن عند المواقف الحقيقية‮ ‬يهربون من الميدان إلي الصمت،‮ ‬خاصة إذا ما تعلقت المواقف بقضايا الشعوب المناضلة ضد القوي المسيطرة‮. ‬ومن‮  ‬المثقفين الحقيقيين الذين‮ ‬يلتزمون بالقضايا التي‮ ‬يدافعون عنها الكاتب والروائي الاسباني خوان جويتيسولو،‮ ‬الذي‮ ‬يعتبر من أبرز كُتاب اسبانيا المعاصرين،‮ ‬والتزامه لم‮ ‬يكن من فراغ،‮ ‬فقد تمرد مبكرا علي الجماعات اليسارية التي كانت تتاجر بمواقفها في مواجهة نظام الجنرال فرانكو الدكتاتوري،‮ ‬وكان من أول المثقفين الأوروبيين المطالبين بالبحث عن صيغة أيديولوجية جديدة بديلة عن الماركسية اللينينية،‮ ‬نظرا لما تمثله من أخطار علي الحرية الفردية،‮ ‬التي‮ ‬يجب علي كل مبدع أن‮ ‬يستند إليها مهما كانت مواقفه معادية للأيديولوجيات الأخري،‮ ‬لأن أي أيدلوجية في رأيه إذا تخلت عن احترام كرامة الفرد والرأي الآخر لا‮ ‬يجب أن تحظي بالاحترام‮.‬
كل هذه الآراء جعلت من خوان جويتيسولو شبه ملعون بين زملائه من المثقفين الأوروبيين،‮ ‬ثم جاء انغماسه المبكر في القضايا العربية والإسلامية التي دفعه إليها إيمانه الشديد بأن الثقافة الإسلامية في الأندلس تمثل جزءا لا‮ ‬يتجزأ من تاريخ اسبانيا وثقافتها،‮ ‬ومن هنا،‮ ‬في رأيه،‮ ‬كان تفردها عن‮ ‬غيرها من ثقافات الأمم الأوروبية الأخري،‮ ‬فجرت آراؤه هذه عليه الكثير من اللعنات التي حاولت التقليل من شأنه ككاتب وروائي له شخصيته الإبداعية الخاصة،‮ ‬ولكن لأنه‮ ‬يؤمن بقيمته الحقيقية لم تؤثر فيه مواقف الآخرين،‮ ‬فهو‮ ‬يعرف أن القيمة الحقيقية التي تكمن في كتاباته سوف تفرض نفسها علي النقاد الذين لن‮ ‬يجدوا مفرا من الاعتراف بها،‮ ‬ووضعها في مكانها الحقيقي اللائق بها في الأدب الاسباني المعاصر‮.‬
لكنه بمواقفه المناقضة لمواقف المثقفين الأوروبيين الذين ركنوا إلي الدعة والراحة حكم علي نفسه بأن‮ ‬يعيش موزعا في منفاه الاختياري منذ عام‮ ‬1957‮ ‬ما بين فرنسا ومراكش المغربية حتي‮ ‬يظل وفيا لآرائه ومواقفه،‮ ‬يعلن عنها كلما دعت الحاجة إلي ذلك،‮ ‬علي الرغم من كراهيته للمعارك‮ ‬غير المجدية،‮ ‬لكنه‮ ‬يرد علي من‮ ‬يهاجمونه بهدوء الواثق من نفسه دون أن‮ ‬يترك لهم فرصة لاتهامه بالتطاول،‮ ‬وكانت معاركه الحقيقية هي التي تدخل فيها حريات الشعوب في خطر حقيقي،‮ ‬وعندما عادت الديمقراطية إلي اسبانيا مع أول انتخابات جرت عام‮ ‬1978‮ ‬بعد ثلاث سنوات من رحيل دكتاتورها العجوز،‮ ‬كان خوان جويتيسولو لا‮ ‬يري جديدا في هذا التغيير السياسي في بلاده،‮ ‬لأنها‮- ‬حسب رأيه‮- ‬بدأت تسير في الاتجاه نفسه الذي تسير فيه الديمقراطيات الغربية التي لا تري في العالم‮ ‬غير نفسها،‮ ‬وتعيش عالة علي بؤس وابتزاز الشعوب المنكوبة بالنهب الاستعماري‮.‬
وبدلا من التهليل لسقوط جدار برلين وإنهيار الإتحاد السوفياتي السابق علي الرغم من أنه كان أولي من‮ ‬غيره بالفرح لسقوط هذا الجدار،‮ ‬باعتباره من أوائل الذين دعوا إلي تغييرات جذرية في النظم الشرقية لتُعيد إلي أفرادها وشعوبها الحرية والاحترام‮- ‬أعلن أن هذه التغييرات‮ ‬يجب النظر إليها علي أنها دليل علي فشل الرأسمالية،‮ ‬قبل أن تكون دليلا علي إنهيار الشيوعية،‮ ‬لأن الأحداث المتلاحقة التي أدت إلي إنهيار النظام العالمي القديم،‮ ‬لم تتح الفرصة أمام وضع أسس واضحة لنظام عالمي جديد،‮ ‬يقوم علي العدل والمساواة بين شعوب العالم أجمع،‮ ‬ويمكنه أن‮ ‬ينقذ العالم من حروب تذهب ضحيتها الشعوب البريئة،‮ ‬التي لا ناقة لها ولا جمل في شبكة المصالح التي تتنازع عليها أوروبا الغربية لإخفاء فشلها في إدارة أمورها،‮ ‬وحذر أيضا من ترك الأمور تنهار إنهيارا سريعا في أوروبا الشرقية دون المساعدة علي إقامة البديل‮.‬
وأكدت الأحداث صدق تحليله،‮ ‬وتحليل العديدين‮ ‬غيره من الكتاب الذين لا‮ ‬يبحثون عن مصالح خاصة،‮ ‬حين‮ ‬يرفعون أقلامهم للكتابة عن شيء‮ ‬يعتبر أخطر ما‮ ‬يمكن للكاتب أن‮ ‬يتناوله ألا وهو التحليل للواقع المعاش،‮ ‬وإضاءة الطريق أمام الشعوب لتري ما‮ ‬ينتظرها قبل أن‮ ‬يقع،‮ ‬حتي تكون علي بينة بالطريق الذي تسير فيه،‮ ‬فقد إندلعت الحرب في الخليج من جديد،‮ ‬واندفعت حمي الإرهاب مخترقة العديد من البلدان الإسلامية دون أن‮ ‬يحاول أحد تحليل مغزاها أو معرفة من الذي‮ ‬يقف خلفها،‮ ‬ثم كانت الحرب العرقية الطاحنة في قلب أوروبا نفسها،‮ ‬والتي لا ضحية لها إلا شعب البوسنة المسلم،‮ ‬فقام خوان جويتيسولو بجهود حقيقية للتعرف علي أسباب هذه اللعنات الطاحنة الموجهة في إتجاه واحد،‮ ‬تغذيه في رأيه جهات معينة ومشبوهة داخل أمريكا ودول المجموعة الأوروبية نفسها،‮ ‬وتتمثل في إحياء النازية الجديدة والعداء لكل ما هو عربي ومسلم في القارة الأوروبية،‮ ‬وحاول لفت الأنظار إلي خطورة التطهير العرقي الذي تعرض له المسلمون في البوسنة،‮ ‬خاصة سراييفو التي كانت لقرون طويلة مثالا للتعايش بين المعتقدات والحضارات المختلفة،‮ ‬التي جعلت منها رمزا للمحبة والسلام،‮ ‬فكتب في العديد من الصحف الأوروبية‮ ‬يحذر من استمرار الاعتداء الصربي،‮ ‬وكان أول من لفت الأنظار إلي أن هذه الحرب لا تهدف إلا إلي التطهير العرقي ضد المسلمين،‮ ‬وأن الصرب‮ ‬يحاولون إحياء تراث الأرثوذكسية المعادي لكل ما هو مخالف والقضاء عليه بأبشع الطرق‮.‬
كان خوان جويتيسولو أول كاتب أوروبي‮  ‬يتجرأ علي إتهام فرنسا وبريطانيا بأنهما تتآمران في هذه الحرب وتساعدان الصرب علي إبادة شعب البوسنة المسلم،‮ ‬وتحاولان إعادة ما حدث في الحرب الأهلية الاسبانية‮ (‬1936‮-‬1939‮)‬،‮ ‬ودعا في كتاباته إلي كشف القناع الذي‮ ‬يضعه‮ "‬اللورد اوين‮" ‬مبعوث الأمم المتحدة والمجموعة الأوروبية إلي البوسنة بحثا عن حل‮ ‬يضمن القضاء علي المسلمين،‮ ‬وتمكين الصرب من تحقيق هدفهم قبل أن‮ ‬يعترض أحد،‮ ‬وإتهمه بأنه‮ ‬يمثل المصالح الصربية وأنه في مسعاه‮ ‬يحاول تهدئة الرأي العام الأوروبي الذي بدأ‮ ‬يعي المؤامرة ليتيح الفرصة للصرب لكي‮ ‬ينفذوا مؤامرتهم،‮ ‬تحت سمع وبصر جنود الأمم المتحدة،‮ ‬بل وبمشاركة منهم في تشديد الحصار حول العاصمة سراييفو‮.‬
في إطار محاولاته وقف نزيف الدم حاول خوان جويتيسولو أن‮ ‬يقود قافلة من المثقفين الأوروبيين المؤمنين بحق الشعوب في مواجهة الإبادة العرقية،‮ ‬لفضح ما‮ ‬يحدث في سراييفو من قتل وحشي وإبادة للآمنين العزل من الشيوخ والنساء والأطفال‮. ‬لكن محاولاته هذه كشفت عن زيف مواقف الكثير من المثقفين الأوروبيين،‮ ‬وعندما اكتشف‮ ‬

خوان جويتيسولو هذه الحقيقة المرة،‮ ‬قرر أن‮ ‬يكون هو كبش الفداء،‮ ‬واندفع في مغامرة خطرة‮ ‬يؤكد من خلالها إلتزامه بمبادئه،‮ ‬وسافر إلي سراييفو في رحلة كان‮ ‬يعلم أنها قد تكون بلا عودة،‮ ‬زاد من حماسه لها الكاتبة المسرحية الأمريكية سوزان سونتاج التي خاطرت هي الأخري بحياتها لتعلن عن إدانة مواقف بلادها المتخاذلة،‮ ‬وزيف إدعاءات السياسة الأمريكية التي تلعب دورين متناقضين،‮ ‬فالولايات المتحدة كانت تعلن الوقوف إلي جانب المسلمين في البوسنة،‮ ‬ولكنها في الوقت نفسه تعارض أن‮ ‬يدافع هؤلاء عن أنفسهم،‮ ‬فتمنع عنهم السلاح إلتزاما بمواقف أصدقائها الأوروبيين،‮ ‬وحفاظا علي علاقاتها مع روسيا وريثة الإتحاد السوفياتي،‮ ‬والتي أعلنت بوضوح لا لبس فيه،‮ ‬أنها لن تسمح بإجبار الصرب علي إيقاف مذابح الأبرياء من المسلمين العزل‮.‬
لكن جويتيسولو قرر ألا تكون رحلته إلي سراييفو مجرد بيان احتجاج،‮ ‬فقام بتسجيل هذه الرحلة في مجموعة من المقالات نشرها في أكثر من عشر صحف عالمية في وقت واحد،‮ ‬وصف فيها الرعب الذي يعيشه سكان المدينة،‮ ‬التي لا يستطيع أحد أن يقسمها إلي أجزاء كما حدث في برلين قبل نصف قرن مضي،‮ ‬فقد اكتشف أن سكانها خليط من المسلمين والمسيحيين واليهود،‮ ‬بل إن العائلات المقيمة فيها مختلطة من الصرب والبوسنيين،‮ ‬وأن بها صربا من المسلمين وأيضا بها مسيحيين من البوسنة،‮ ‬ويهودا ما بين هذا العرق وذاك‮. ‬وكانت هذه المقالات تلقي أضواء أكثر من كاشفة علي أن ما كان يحدث في سراييفو يمثل مؤامرة‮ ‬غربية حقيقية لتصفيه آخر المسلمين في أوروبا‮.‬
ولأن الكشف عن المؤامرة تم بالكتابة والصوت والصورة التي سجلتها إلي جوار قلم خوان جويتيسولو عدسات كاميرات التليفزيون من جميع أنحاء العالم،‮ ‬فإن هذه الكتابة لم تجد من يتجرأ علي الرد عليها بإتهام الكاتب بالإتهامات القديمة التي كانت توجه إليه بإعتباره من المناصرين للثقافة الإسلامية،‮ ‬التي تعتبر في عرف الأوروبيين ثقافة متخلفة يسيطر عليها العنف والدم،‮ ‬وكان لصدور كتاب‮ "‬دفتر سراييفو‮" ‬باللغتين الاسبانية والفرنسية‮ ‬ُثم باللغة العربية‮ (‬من ترجمة كاتب هذا المقال‮) ‬صداه الواسع،‮ ‬حيث كان تقديم الطبعة الاسبانية في المسرح القومي الإسباني بمدريد‮ "‬مسرح ماريا جيريرو‮" ‬حدثا ثقافيا كبيرا‮ ‬غطته جميع وسائل الإعلام الإسبانية والعالمية،‮ ‬وحضره حشد كبير من المثقفين والفنانين والسياسيين ووجوه المجتمع،‮ ‬لم يتمكن معظمهم من دخول صالة المسرح لإزدحامها،‮ ‬فاحتشدوا في القاعات الجانبية لمتابعة حديث الكاتب وتعليقات الحاضرين عبر مكبرات للصوت‮.‬
لم يكن‮ "‬دفتر سراييفو‮" ‬هو الكتابة الوحيدة التي قدمها الكاتب دفاعا عن القضايا العربية والإسلامية،‮ ‬بل توالت كتاباته بعد ذلك عن الأوضاع في الجزائر،‮ ‬والحرب الأهلية التي تطحنها،‮ ‬فكانت مقالاته السبع التي نشرتها عدة صحف عالمية أيضا دراسة‮  ‬متعددة الجوانب،‮ ‬حلل خلالها الأوضاع السائدة الآن في الجزائر،‮ ‬وبحث في جذورها وحاول أن يضع لها توصيفا نابعا من علاقته القديمة بالجزائر التي عرفها وعرف زعماءها منذ حرب التحرير ضد الفرنسيين،‮ ‬عندما كان يخبيء في بيته الحقائب المليئة بأموال التبرعات لشراء الأسلحة للمجاهدين،‮ ‬وعرف عن قرب‮ "‬بن بيلا‮" ‬و"بو مدين‮" ‬وغيرهما من الزعماء الجزائريين الذين لعبوا دورا بارزا في تاريخ الجزائر المعاصر،‮ ‬فكان تحليله صادقا ومبنيا علي رؤية شاملة لجذور المشكلة التي تشبه في جوانب كثيرة منها المشاكل التي يعانيها العالم العربي الآن‮.‬
ثم جاءت كتابته الفريدة عن الأوضاع في الأرض الفلسطينية المحتلة بعد إتفاق‮ "‬غزة-أريحا‮"‬،‮ ‬تلك الكتابة التي كانت نتاجا لرحلة قام بها لتفقد الأوضاع في الأراضي المحتلة،‮ ‬بعد رحلتين سابقتين كان قد قام بهما إلي فلسطين المحتلة،‮ ‬الأولي أثناء تصويره للحلقات التليقزيونية‮ "‬القِبْلة‮"‬،‮ ‬التي كانت نافذة مضيئة للتعرف علي تاريخ العالم الإسلامي وحضارته،‮ ‬ثم رحلته الثانية لتفقد‮ "‬ثورة أطفال الحجارة‮" ‬والكتابة عنها،‮ ‬وفي هذه الرحلة الثالثة تأكد من صدق حدسه بأن هذا الإتفاق وإن كان أفضل ما يمكن الوصول إليه الآن في ظل الهيمنة الأمريكية علي مقدرات المنطقة وتواطؤ أوروبا الغربية مع هذه الهيمنة،‮ ‬إلا أن هذا لن يكون سوي مسكنا مؤقتا لهذه المشكلة المعقدة،‮ ‬سرعان ما يعود الجمر بعدها متقدا ليشعل المكان بحثا عن إعادة الحق الضائع إلي أصحابه،‮ ‬ففي رأيه أن إتفاق‮ "‬غزة-أريحا‮" ‬في ظل بقاء المستوطنات اليهودية يحول السلطة الوطنية الفلسطينية إلي مجرد‮ "‬حارس‮" ‬لهذه المستوطنات التي تم زرعها علي طريقة‮ "‬القص واللصق‮"‬،‮ ‬لتشوه خريطة الحكم الذاتي إن كان هناك حكم ذاتي،‮ ‬فما‮ "‬عرفات‮" ‬في هذه المنظومة-في رأيه‮- ‬سوي‮ "‬مختار‮" ‬يتلقي أوامره من السلطات‮ "‬الإسرائيلية‮" ‬التي تخلصت من عبء المقاومة لتلقي به إلي تلك السلطة الفلسطينية الشكلية،‮ ‬لتقوم نيابة عنها بالأعمال القذرة التي تحمي إسرائيل والإسرائيليين من رعب المقاومة‮.‬
في إطار سعيه للإعلان عن مواقفه تجاه قضايا الشعوب المقهورة حاول ما حاوله من قبل في البوسنة،‮ ‬حيث دعا بعض الكُتاب والمثقفين الأوروبيين للانضمام إلي قافلة احتجاج ضد ما يحدث في جمهورية الشيشان التي تعرض شعبها للإبادة علي يد الروسي المخمور سليل القياصرة‮ "‬بوريس يلتسن‮" ‬،‮ ‬ولكنه وجد نفسه وحيدا في هذه المحاولة أيضا،‮ ‬فغامر بمفرده كما‮ ‬غامر من قبل في سراييفو،‮ ‬لا يدعمه سوي صحيفة‮ "‬الباييس‮" ‬الاسبانية التي تعتبره أحد أبرز كُتابها،‮ ‬فذهب إلي هناك مسلحا بقراءاته عن هذه المؤامرة التي بدأت قبل قرنين من الزمان بهدف إسئصال الإسلام من القوقاز،‮ ‬ومن خلال مقالاته التي نشرتها الصحيفة الاسبانية وعدة صحف عالمية أخري كشف عن وجود كتابات روسية ممنوعة عن هذه المؤامرة منذ بدايتها،‮ ‬منها رواية للعبقري الروسي‮ "‬تولستوي‮" ‬الذي سجل معاناة المسلمين الشيشان في روايته الرائعة‮ "‬حاج مراد‮"‬،‮ ‬الممنوعة حتي الآن في روسيا ولم تنشر سوي في طبعة محدودة في برلين،‮ ‬وأعمال أدبية أخري للكاتب الروسي‮ "‬ليرمونتوف‮"‬،‮ ‬وخلال هذه الرحلة قضي‮ "‬خوان جويتيسولو‮" ‬بين المقاتلين الشيشان إسبوعا تعرف فيه علي الأوضاع هناك التي تعتبر في رأيه‮ "‬فيتنام‮" ‬جديدة،‮ ‬أو‮ "‬أفغانستان‮" ‬أخري بالنسبة للروس،‮ ‬مع فارق واحد وهو أن أوروبا وأمريكا ضالعتان فيها من خلال ستار الصمت الإعلامي المفروض علي هذه الحرب،‮ ‬التي يمارسها الجيش الروسي علي طريقة‮ "‬الأرض المحروقة‮"‬،‮ ‬حيث يتم تدمير كل شيء،‮ ‬وكذلك بدعم الرئيس بوريس يلتسن علي إعتبار أنه الضمانة الوحيدة في مواجهة العودة الشيوعية إلي الإتحاد السوفييتي السابق(؟‮!).‬
وخلال رحلته تعرف جويتيسولو علي المعاناة اليومية التي يعيشها شعب الشيشان الذي تعرض عبر تاريخه الطويل لعمليات الإبادة والنفي الجماعي،‮ ‬سواء أثناء حكم القياصرة كما حدث في عهد نيقولا الثاني،‮ ‬أو في العصر الحديث عندما قام‮ "‬ستالين‮" ‬بعملية نفي جماعي لشعب الشيشان ونقلهم من بلادهم إلي مناطق أخري في القوقاز وسيبيريا،‮ ‬هذا بالطبع تم بعد عمليات الإعتقال والسجن والتعذيب والإعدام التي لاحقت قياداتهم السياسية والدينية‮.‬
ولم يكن جويتيسولو يري أملا في حل سلمي قريب يضمن للشعب الشيشاني حريته في ممارسة عقيدته،‮ ‬وإختيار نظامه السياسي من خلال إقامة جمهورية مستقلة،‮ ‬لأن القوي السياسية الفاعلة في العالم كله من أمريكا إلي أوروبا‮ ‬غير مستعدة للتخلي عن مخططها ضد الأقليات العرقية والدينية‮ ‬غير المسيحية في أوروبا،‮ ‬ذلك المخطط الذي بدأ في البوسنة ولم ولن ينتهي إلا بالقضاء علي كل أثر لهذه الشعوب التي لازالت تؤمن بعقيدة مخالفة للعقيدة السائدة في أوروبا‮.‬
إن مواقف الكاتب الإسباني خوان جويتيسولو ومغامرته بحياته وقلمه للتعبير بإسم ضحايا السياسات الإستعمارية المعاصرة،‮ ‬نابعة من الإلتزام الذي يعيشه في حياته الخاصة التي تشبه حياة المتصوفة في الزمن القديم،‮ ‬وهو يمارس في حياته قناعات تعلمها علي يد شيخه ورائده المتصوف الكبير‮ "‬محي الدين بن عربي‮" ‬الأندلسي،‮ ‬وذنبه الوحيد أنه ولد ويعيش في زمن الكتابة فيه ك ـ"القبض علي الجمر‮"‬،‮ ‬لذلك كانت كتاباته دائما جمرات يمسك بها بيديه العاريتين،‮ ‬ومأساة الشيشان لم تكن سوي آخر‮ "‬جمراته‮".‬
بالطبع لم يقتصر نشاط خوان جويتيسولو الثقافي علي هذه الكتابات ومتابعة ما يحدث في العالم من مؤامرات،‮ ‬بل كان له ابداعه المؤثر في مجال الرواية،‮ ‬فكتب العديد من الأعمال التي وضعته علي قمة الهرم الابداعي المكتوب باللغة الاسبانية،‮ ‬من أشهرها‮: ‬خوان بلا أرض،‮ ‬ملامح هوية،‮ ‬الطائر الوحداني،‮ ‬أربعينية‮. ‬وفي مجال القصة القصيرة ترك تراثا مهما يزيد علي عشر مجموعات قصصية،‮ ‬وعشرات الدراسات والبرامج التليفزيونية الاستقصائية التي كان أحد روادها منذ فترة مبكرة،‮ ‬أشهرها سلسلة حلقات‮ "‬القبلة‮" ‬التي تناول فيها التراث الحضاري الاسلامي‮.‬
وبسبب تميزه الإبداعي حصل علي العديد من الجوائز كانت أولاها جائزة ابداع الشباب في اسبانيا عام‮ ‬1952،‮ ‬إلي أن حصل خلال السنوات الأخيرة علي الجائزة الوطنية للآداب في اسبانيا عام‮ ‬2008‮ ‬ثم فاز بأكبر جائزة في الآداب المكتوبة باللغة الاسبانية،‮ ‬جائزة ثرفانتيس عام‮ ‬2014،‮ ‬والتي تعد نوبل الآداب الاسبانية،‮ ‬كل هذا التقدير ناله اعترافا بدوره الإبداعي علي الرغم من أنه يقيم خارج بلاده لأكثر من نصف قرن،‮ ‬منها ما يزيد عن العشرين عاما في مراكش المعربية حتي أصبح أحد معالم تلك المدينة التي مات فيها قبل أيام قليلة،‮ ‬في الخامس من يونيو‮ ‬2017،‮ ‬مخلفا من ورائه أعمالا إبداعية متميزة،‮ ‬ووصية بأن يكون مدفنه في مدينة العرائش المغربية المطلة علي المحيط الأطلنطي إلي جوار صديقه الكاتب الفرنسي الشهير جان جينيه‮.‬
ان المواقف الجريئة لهذا الكاتب لم تُقابل حتي في العالم العربي والإسلامي بما كان يجب أن تُقابل به من تكريم،‮ ‬علي الرغم من أنه لم يخاطر بحياته في انتظار كلمة شكر من أي نوع،‮ ‬لكن للأسف لم تحاول أي مؤسسة شعبية أو رسمية من تلك المؤسسات التي ترفع عقيرتها بصراخ الدعوة إلي إنقاذ‮ "‬إخوتنا‮" ‬الذين يكسر عظامهم الصهاينة في فلسطين،‮ ‬ويبيدهم الصرب في البوسنة،‮ ‬أو من يسحقهم الروس في الشيشان بقنابلهم صباح مساء تحت سمع العالم وبصره،‮ ‬لم تحاول أي من تلك المؤسسات تبني هذا الصوت الشريف الذي لا لم يكن ينتظر سوي أن يعرف العالم العربي والإسلامي أيضا،‮ ‬أن في الغرب المعادي أصواتا حقيقية‮ -‬غير تلك التي تحاول استغلالنا والمتاجرة بقضايانا‮- ‬تقف إلي جوارنا وإلي جوار شعوب أخري تناضل من أجل حرية‮ ‬ممارسة عقيدتها،‮ ‬وحرية اختيار طريقة حياتها الكريمة‮.‬

تعليقات القرّاء