رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

تاريخ الأدب الروسي

القرن 19.. العصر الذهبي للأدب الروسي


أ.د. محمد نصر الدين الجبالي
7/8/2017 9:39:28 AM

يعتبر القرن التاسع عشر هو العصر الذهبي في الأدب الروسي حيث أصبح أدبا عالميا بامتياز. ولا ريب أن ازدهار الأدب الروسي في تلك الفترة يرجع إلي النجاحات والانجازات الأدبية التي تحققت خلال القرنين 17-18م.  شهد هذا القرن تشكل اللغة الروسية الفصحي، وكان للشاعر الكبير ألكسندر بوشكين الفضل الأكبر في ذلك.
شهدت السنوات الأولي من القرن التاسع عشر ظهور عدد من المبدعين الذين ينتمون إلي التيارات القديمة أو المنظومة الكلاسيكية حيث استخدام لغة راقية وشيوع بعض الألفاظ الكنسية السلافية. وفي الوقت نفسه شهدت تلك الفترة ميلاد تيارات جديدة تري أن اللغة الفصحي يجب أن تعتمد اللغة الدارجة أساسا و منطلقا لها.
وشهدت هذه السنوات أيضا ازدهار تيار السينتمنتالية وإرساء قواعد تيار الرومانسية. وبدا ذلك واضحا جليا في إبداعات الشعراء الروس. باريتينسكي
وك. باتيوشكوف وف. جوكوفسكي وف. تيوتشيف. غير أن الكسندر بوشكين يبقي الشاعر الأعظم بين شعراء هذا القرن والأدب الروسي بشكل عام. ومن بين الأجناس الأدبية الجديدة شاعت الرواية بأشكالها المختلفة بما فيها روايات المغامرات
والرواية الشطارية أو البيكارسكية، وهذه الأخيرة تتناول عادات وتقاليد الطبقات الدنيا في المجتمع ومغامرات الشطار ومحنهم ومخاطراتهم، ولذا فهي غالبا ما تكتب بصياغة سيرية روائية واقعية. كما شهدت القصة الرومانسية تطورا وأخذت أطرها تتضح يوما بعد يوم.
غير أن البالاد أو الأغنية التي تحكي قصة وكذا القصائد الغنائية كانت الأجناس الأكثر شيوعيا في العقود الأولي من القرن التاسع عشر ، واعتبرت من أهم السمات المميزة للرومانسية. ويطلق علي هذه المرحلة في الشعر الروسي أحيانا " العصر الذهبي للشعر الروسي".
ويعتبر بوشكين  (1799-1837) أشهر الشعراء الروس وأميرهم. وهو الجسر الذي يتوجب علي كل أديب روسي عبوره حتي ينال الشهرة و المجد. امتلك بوشكين موهبة نادرة متنوعة. ونلمح في إبداعاته سمات تيارات الكلاسيكية والواقعية والرومانسية. وقام بتطوير كافة الأجناس الشعرية والنثرية في كتاباته. ويتميز أسلوب بوشكين باستخدام الأشكال الكلاسيكية البسيطة.
ويعد بوشكين مؤسس اللغة الروسية الفصحي المعاصرة. فقد نحي جانبا كل الألفاظ الدخيلة أو القديمة واستخدم اللغة الدارجة أو العامية استخداما راقيا ليثري بها اللغة الفصحي.
قضي بوشكين حياته في خلاف مع القيصر وتم نفيه بسبب مواقفه السياسية ومات إثر إصابته في مبارزة مع ضابط فرنسي.
من أشهر أعماله "روسلان ولودميلا"، كما أطلق علي روايته الشعرية "يفجيني أونيجين" موسوعة الحياة الروسية. و مثلت أعماله "الفارس النحاسي" و " نافورة الدموع" و " الغجر" تدشينا لتيار الرومانسية الروسي.
وقد تأثر الكثير من الشعراء و الكتاب الروس بالشاعر بوشكين و في مقدمتهم ميخائيل ليرمونتوف ( 1814-1841). وحاول الشعراء التفكر في معني الحياة و الدور الذي عليهم القيام به. و اعتبر الشاعر حينها حاملا  للحقيقة الإلهية أو نبيا. ودعا الشعراء السلطة إلي الإنصات إلي نصائحهم.  
وارتبط مصير الشاعر ميخائيل ليرمونتوف بمنطقة القوقاز حيث تم نفيه بسبب قصيدته "وفاة شاعر" و التي مدح فيها الشاعر الكسندر بوشكين و أعلن عن رفضه للنظام الاجتماعي القائم. و قد قتل ليرمونتوف في مبارزة و لقي نفس مصير أستاذه.
وبخلاف الشعر تطور النثر الروسي أيضا في العقود الأولي من القرن التاسع عشر. و بدا كتاب النثر في تلك الفترة متأثرين بكتاب الروايات التاريخية الإنجليز مثل والتر سكوت حيث شاعت في تلك الفترة ترجمات الأدب الانجليزي في روسيا. و بدت ملامح تطور النثر الروسي ظاهرة في الإبداعات الأولي المبكرة لالكسندر بوشكين ونيقولاي جوجول. حيث رسم كل منهما ملامح وأطر الأنماط الفنية الأساسية التي بقيت راسخة و متكررة وباقية في أعمال الكتاب الروس طوال القرن التاسع عشر. ومن أهم هذه الأنماط شخصية "الإنسان البسيط" أو " الإنسان المهمش"
ورث الأدب الروسي في القرن التاسع عشر من القرن السابق له الطابع الاجتماعي والهجائي في الكتابة. ونلحظ ذلك في أعمال نيقولاي جوجول حيث يتم تناول الواقع الروسي بنظرة ورؤية نقدية يفضح من خلاها الكاتب عيوب ومشكلات الواقع الروسي، وهي سمة أساسية في الأدب الروسي الكلاسيكي بشكل عام. ونجد هذه القضية مطروحة في كافة أعمال القرن التاسع عشر تقريبا. أما السمة المميزة للأدب الروسي عن غيره من الآداب فهو تناول هذا الواقع بلهجة ساخرة يختلط فيه الضحك بالبكاء .
وفي الأربعينيات من القرن التاسع عشر برز بشكل لافت تيار الواقعية في الأدب والذي وضع بوشكين لبنته الأولي في أعماله.
ولعل الكاتب نيقولاي جوجول (1809-1852)  أعظم كتاب الواقعية في القرن التاسع عشر، ويعتبره الكثيرون بوشكين النثر الروسي. و يتميز جوجول بقدرة نادرة علي الملاحظة والتغلغل في أعماق الظواهر الحياتية. ويعتبر مؤسس النثر التجريبي. ومنذ إبداعاته الأولي نلحظ اهتمامه بالأحداث الغريبة وغير المنطقية وبتصرفات أبطاله. ويركز الأديب معظم اهتمامه علي الأحداث التي تستدعي السخرية أو الأحداث الخيالية والسخف.
ومن أشهر أعماله "الأنفس الميتة" و " المعطف". وبعد عرض مسرحيته الشهيرة "المفتش العام" غادر جوجول روسيا إلي روما ثم إلي القدس. وقضي سنواته الأخيرة متأثرا بالغيبية الدينية في كتاباته.
وشهدت العقود التالية تطور التيار الواقعي في الأدب الروسي في ظل وضع اجتماعي وسياسي شديد التوتر عاشته روسيا في فترة حكم الإمبراطور نيقولاي الأول. حيث أخذت بوادر تداعي النظام الإقطاعي الذي سيطر علي الحياة في روسيا لقرون، وبرزت التناقضات بين الطبقة الحاكمة و عامة الشعب. بدا أن هناك ضرورة ملحة في خلق نوع جديد من الأدب الواقعي الذي يتعامل بنوع من الحدة مع الوضع الاجتماعي والسياسي في المجتمع.
ومثلت إبداعات الناقد الروسي الكبير بيلينسكي مرحلة جديدة في تيار الواقعية. ونشأ في تلك الفترة خلاف بين مجموعتين من الأدباء: الأولي أطلق عليها الكتاب السلاف، والثانية -الأدباء المستغربون. وكان سبب الخلاف الأساسي هو رؤية كل مجموعة لسبل تحقيق تطور تاريخي في روسيا.
أصبح الأدباء يتناولون القضايا والمشكلات الاجتماعية والسياسية في الواقع الروسي.  تطور جنس الرواية الواقعية بفضل إبداعات تورجينيف وتولستوي ودوستويفسكي

وجونشاروف. وهيمن الطابع الفلسفي والسياسي والاجتماعي علي معظم الأعمال الأدبية . كما تطور فن التحليل النفسي في الأدب.
كانت وتيرة تطور الشعر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أقل مقارنة بالنثر. إلا أن هناك شعراء بارزين في تلك الفترة أشهرهم نيكراسوف.
كما شهدت الأربعينيات والخمسينيات من القرن التاسع عشر ميلاد تيار المدرسة الطبيعية و التي أعلنت نفسها وريثا للتيار الواقعي عند جوجول. وركز كتاب هذه المدرسة في أعمالهم علي تصوير مختلف الأنماط الاجتماعية للأبطال علي خلفية بيئاتهم المجتمعية. و لعل أبرز أدباء هذه المدرسة إيفان تورجينيف وفيودور دوستويفسكي.
وقد ساد تيار الواقعية في الأدب الروسي حتي تسعينيات القرن التاسع عشر.  ويعتبر معظم مشاهير الأدب الروسي عالميا من أبناء هذا التيار و بفضلهم أصبح القرن التاسع عشر عصرا ذهبيا في الأدب الروسي.
وشهدت الخمسينيات و الستينيات من القرن العشرين تطور تيار الواقعية النقدية أو الواقعية الاجتماعية الفاضحة.  ومن أبرز ممثلي هذا التيار الكاتب إيفان تورجينيف (1818-1883). وقد أولي هذا الكاتب في أعماله اهتمامه إلي مناقشة المشاكل الاجتماعية والسياسية الملحة في سياق غنائي عاطفي دقيق. ومن أهم أعماله روايته الشهيرة "آباء و أبناء" و " مذكرات صياد". ودائما ما نلحظ في كتاباته صراعا محتدما بين البطل الذي يحمل أفكارا جديدة عن العالم والمجتمع وبين أصحاب الرؤي المحافظة والتقليدية التي عفا عليها الزمن. وكثيرا ما نجد البطل عنده ينتمي الي طبقة الشباب الديمقراطي الثائر.
وفي السبعينيات والثمانينيات من القرن التاسع عشر تفاعل الأدب مع التحولات الاجتماعية و اكتسب تيار الواقعية طابعا فلسفيا وجماليا ونفسيا. كانت تلك الفترة التي طرحت فيها القضايا الكبري، و أخذ الأدب يبحث عن حلول لهذه القضايا التي ارتبطت غالبا بالشرف والضمير الإنساني والقيم الحياتية، وحاول الأدب أن يجد مخرجا ونجاه للإنسانية من مآسيها.
ومن أبرز كتاب تلك الفترة فيودور دوستويفسكي (1821-1881)  وهو كاتب عبقري كان لأعماله أثر كبير علي الأدب الأوروبي في القرن العشرين.
وقد عاني الكاتب نفسه من تجربة نفسية قاسية حيث حكم عليه بالإعدام وتم استبدال العقوبة في آخر لحظة بالنفي. وكان أول من اهتم بالعالم الداخلي للإنسان وبتحليل المشاكل النفسية الإنسانية واستغرق في أعماق النفس البشرية وفي أدق تفاصيلها. ومن السمات المميزة لكتاباته توفر موتيفات الأسرار والجرائم والأحلام والرؤي والشخصيات الشيطانية و الهذي.
ويتعاطف دوستويفسكي بشدة مع معاناة الإنسان ويبرز الباعث الإنساني بقوة في كتاباته. ولكنه كاتب واقعي من الدرجة الأولي فهو وإن كان يحلم بأن يحل العصر الذهبي للإنسانية يوما ما، إلا أنه يعي ويثق تماما أن الإنسان غير قادر علي خلق النموذج المثالي للعالم.
أما أبطال دوستويفسكي فهم أناس يعانون من مصير مأساوي عادة وتتغير طباعهم بفعل تأثير الظروف والعوامل المحيطة بهم. و يجسد كل منهم نمطا معينا من علاقة الإنسان بربه. و يضع الكاتب أبطاله دوما أمام خيار صعب بين الخير و الشر. ومن أهم أعمال دوستويفسكي روايته "الأخوة كارامازوف" و " الجريمة و العقاب" و " الأبله"  
ومن عظماء تلك الفترة أيضا الأديب الكبير ليف تولوستوي (1828-1910) وهو كاتب ينتمي للطبقة الأرستقراطية الروسية، وقد اختلف منذ شبابه عن أقرانه من النبلاء وعرف بالطيبة في التعامل مع الفلاحين في ضيعته حتي إنه أنشأ مدرسة لتعليم أبناء الفلاحين العاملين لديه.
ويشبه تولستوي دوستويفسكي في اهتمامه بالجانب النفسي لدي أبطاله ويتميز بكونه أيضا محللا نفسيا يستطيع سبر أغوار النفس البشرية بمهارة نادرة. كما يستطيع وصف ما تموج به النفس الإنسانية من مشاعر وتطور روحي. وقد جسد ذلك ببراعة في إبداعاته المبكرة حين كتب سيرته الذاتية الشهيرة في ثلاثة أجزاء.
 ويولي الكاتب اهتمامه ليس بالمضمون كأساس للسرد بل بكيفية تقبل السارد للأحداث المحيطة.
كما عرف تولستوي بانتقاده للأعراف الأخلاقية السائدة، و يؤكد في أعماله علي ضرورة السعي لتحقيق الكمال الأخلاقي لدي الإنسان و ضرورة ألا يواجه الشر بالعنف. أما أشهر أعمال تولستوي فهي روايتاه العظيمتان " الحرب و السلام" و " آنا كارينينا".
وقد دشن كل من تشيخوف وأستروفسكي و ليسكوف لآخر مرحلة في تطور الأدب الروسي في القرن التاسع عشر حيث شهدت السنوات الأخيرة تطور فن القصة القصيرة و المسرحية.  
ولعل أنطون تشيخوف (1860-1904)  آخر الأدباء العظام في العصر الذهبي للأدب الروسي. و تمثل إبداعاته ختاما للحقبة الكلاسيكية في الأدب الروسي.
وقد رفض تشيخوف الالتزام بالشكل الكبير للرواية، حيث بدأ حياته الإبداعية بكتابة القصص القصيرة وغالبها قصص ساخرة وفكاهية عن معاناة صغار الناس والمهمشين. ويتميز أسلوبه بالإيجاز وهو ما يذكر القارئ بسابقيه بوشكين وجوجول. كما يتميز بطرح مشاكل عميقة علي غرار سابقيه تولستوي ودوستويفسكي.
وشغل الكاتب بعالم السجون، وسافر إلي جزيرة ساخالين حيث المعتقل الشهير حيث أراد أن يدرس حياتهم. وفي تلك الفترة أصبحت إبداعاته أكثر تعقيدا وفلسفة وكآبة. ونذكر منها قصته الشهيرة "عنبر رقم 6"
وبرع تشيخوف في كتابة المسرحيات التي تطرق فيها أيضا الي تحليل النفس الإنسانية و معاناة الأبطال من حياتهم التي بلا معني. ولعل اشهر مسرحياته : الأخوات الثلاثة" و " بستان الكرز"
وشهد العقد التاسع من القرن الذهبي للأدب الروسي بداية انتشار الأفكار الثورية في الأعمال الأدبية. بدأ تيار الواقعية يخفت تدريجيا وحل محله الأدب القائم علي الخيال الديني والموتيفات الدينية والأعمال الأدبية التي تتوقع حدوث تغيرات اجتماعية وسياسية كبري في المجتمع.
وشهد القرن التاسع عشر ازدهارا لطباعة الكتب وشيوعا للقراءة بين الناس وولعا بين الكثيرين بالكتابة للشعر والنثر. وأصبح الأدب و الأدباء يحظون بنفوذ واسع في روسيا في تلك الفترة. وربما أدي ذلك في فترات متقطعة إلي صدام بين الأدباء والسلطة. وتم نفي عدد كبير منهم واعتقال الآخرين وطرد للبعض خارج حدود روسيا.
وتدريجيا اختفي أدب الخيال الديني و ظهر جيل جديد من الأدباء عرف بجيل الكتاب الرمزيين. وهو ما دشن لمرحلة وعصر جديد في الأدب الروسي سمي بالعصر الفضي.