رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

تاريخ الأدب الأوكراني الحديث


أ.د. محمد نصر الدين الجبالي
7/29/2017 9:37:26 AM

تعود جذور الأدب الأوكراني إلي القرن الثامن عشر مع صدور أول كتاب لأديب أوكراني وهو الضابط إيفان كوتلياروفسكي. و كان الكتاب عبارة عن رواية -محاكاة ساخرة وحمل عنوان زإينيدياس. وقد استخدم فيها الكاتب فكرة ومضمون الكتاب الذي يحمل نفس الاسم للشاعر الروماني فيرجيل. ويعد هذا الكتاب الأول باللغة الأوكرانية الحديثة. وقد لقي الكتاب نجاحا وانتشارا واسعا ولذا سارع العديد من الأدباء الأوكران لمحاكاة التجربة.


وفي نهاية القرن الثامن عشر تم افتتاح أول جامعة أوكرانية بمدينة خاركوف. وبعد عدة سنوات تخرج منها عدد كبير من الخريجين الذين يتقنون اللغة الأوكرانية الفصحي. وشهد القرن التاسع عشر ظهور الصحف المكتوبة باللغة الأوكرانية وخروج اللغة الأوكرانية من الريف إلي المدن وأصبحت اللغة الثانية رسميا بعد الروسية والتي كان سكان المدن يفضلون التحدث بها.    
وشهد الأدب الأوكراني في بدايات القرن العشرين سعيا مزدوجا إلي الاحتفاظ بتقاليد الأدب الكلاسيكي في القرن التاسع عشر والبحث في الوقت نفسه عن أشكال جديدة والاستفادة من انجازات الآداب الغربية الأخري. حيث شهد هذا الأدب في تلك الفترة شيوع تيارات تقليدية كالرومانسية والواقعية الجديدة و تطور تيارات الرمزية والمستقبلية. وبرز عدد من الكتاب الأوكران يميلون إلي استخدام الأسلوب الأوربي الحديث في تصوير حياة الشعب الأوكراني. وقد ارتبط تيار المستقبلية في أوكرانيا باسم الأديب م. سيمينكو الذي اعتبر أحد أهم منظري و مؤسسي هذا التيار في أوكرانيا.
كما ذاع في تلك الفترة صيت الأدباء الأوكران الذين تعرضوا لاحقا أثناء الحقبة السوفيتية للتشويه والحظر ونذكر منهم الأديب فينيتشينكو والشاعر إيتانت وشيفشينكو وغيرهم. واتسمت أعمال هؤلاء بتصوير الواقع الاجتماعي لمختلف طبقات المجتمع الأوكراني سواء في القرية أو المدينة والتعرض لمختلف المشكلات بجرأة  براعة في التصوير.
وفي السنوات الأولي للحكم الشيوعي السوفيتي وسيطرة البلاشفة علي السلطة في أوكرانيا أدت موجات الهجرة الاضطرارية للمبدعين الأوكران إلي الخارج إلي تشكل مشاعر سلبية تجاه السلطة السوفيتية في الوسط الثقافي الأوكراني. حيث ضمت هذه الموجة أسماء كبيرة مثل فينيتشينكو وشيركاسينكا و شابوفالا ودونتسوفا وغيرهم. وقد تم اتهام هؤلاء بأنهم معادون للثورة وتم تجاهل إبداعاتهم في الداخل. وفي الوقت نفسه كانت الطبقة المثقفة القديمة علي خلاف في وجهات النظر مع السلطة الجديدة التي قررت القضاء عليها وتأسيس طبقة جديدة من المثقفين المنتمين الي طبقة العمال و الفلاحين.
أصبحت الثقافة في العقد الثاني والثالث من القرن العشرين في أوكرانيا جزءا من سياسة الحزب الحاكم ويتوجب عليها أن تقوم بما يطلب منها وأن تصبح تحت إشراف ورقابة صارمة من الحزب والسلطة.
أما التيار المستقبلي في الأدب الأوكراني فقد استمر لسنوات ما بعد الثورة، وتم تأسيس جمعيات أدبية لهذا التيار في مختلف المدن الأوكرانية. وهاجم الأدباء المستقبليون أنصار الأدب الكلاسيكي ودعوا إلي التجريب و التحديث وتقليد الغرب في الأدب والفنون. وقد انضم إليهم الكثير من الأدباء الرمزيين في أوكرانيا و منهم سليسارينكو وياروشينكو وتيريشينكو.
وشهد النصف الأول من العشرينيات صراعا بين الثقافتين الروسية والأوكرانية. في الوقت نفسه كانت هناك مساع مختلفة من جانب الأدباء الأوكران للبحث عن سبل للتعبير الفني الفكري نتج عنها تأسيس عدد من الجمعيات الأدبية. ولعل أهمها اتحاد الكتاب الفلاحين »بلوج»‬ والذي ضم الأدباء الأوكران من أمثال جولوفكا وكوبيلينكو وبانشا وغيرهم. وسعي هؤلاء إلي توجيه الأدب إلي تنظيم وعي الفلاحين والطبقة المثقفة في الريف الأوكراني في روح الثورة البرولوتارية.
وقد أيدت جمعية الكتاب البرولوتاريين زجارتس ودعمت الحزب الشيوعي، وتحدث أعضاؤها عن ضرورة تشكيل ثقافة شيوعية أممية شاملة تصلح للإنسانية كلها وتخلو من أي طبقية.  وقد انهارت الجمعية في عام 1925م بوفاة مؤسسها الأديب بلاكيتني.
وفي عام 1927م تم تأسيس اتحاد الكتاب البرولوتاريين في عموم أوكرانيا. كما لعب اتحاد كتاب غرب أوكرانيا دورا هاما في تطور الثقافة الفنية الأوكرانية.
وفي عام 1929م سيطر ستالين علي زعامة الحزب بشكل مطلق، وكان لذلك تأثير مدمر ونتائج كارثية علي الثقافة عموما. ووضعت الثقافة شأنها شأن مختلف جوانب الحياة الأخري تحت رقابة صارمة إدارية وفكرية مشددة.  ولم تعد هناك خصوصية أوكرانية في الفن والأدب. وفي بداية الثلاثينيات تم تأسيس اتحاد الكتاب والفنانين والموسيقيين الأوكران. وكان الهدف من ذلك تخفيف القيود علي عملية تطوير الثقافة الأوكرانية. وشهدت تلك الفترة وضع نهاية لأي محاولات إبداعية للبحث عن سبل جديدة في التعبير الفني والأدبي وتم فرض رقابة صارمة علي النشر الأدبي و منع التواصل بين الأدباء في أوكرانيا و نظرائهم في بلدان العالم بمن فيهم الأدباء الأوكران الذين هاجروا إلي الخارج.
وفي عام 1932م ظهر مصطلح »‬الواقعية الاشتراكية» والذي وصف من قبل السلطات أنه المنهج الصحيح في الأدب والفن عموما، وهو ما قلص من إمكانات وفرص الإبداع. واتسمت الأعمال الأدبية المؤدلجة في تلك الفترة بغلبة موتيفات تمجيد الانجازات العظيمة للدولة وتزيين الواقع وتزييف التاريخ. لم يعد هناك مجال للتجريب رغم أنه كان التيار الأقوي في الآداب العالمية في تلك الفترة.    
وشهدت الفترة بين عامي 1938-1954م التنكيل و القمع بحق 238 أديبا أوكرانيا علي الرغم من مناصرة العديد منهم للسلطات السوفيتية واشتراكهم في الحروب. وتشير كتب تاريخ الأدب إلي مقتل 17 أديبا رميا بالرصاص في حين أقدم 8 آخرون علي الانتحار وفقد 16 وتوفي 7 في السجون. وقد تعرض الأديب الأوكراني الكبير ريلسكي للاعتقال. كما اعتقل الأديب أوستاب فيشنيا وسجن لمدة عشر سنوات بعد اتهامه بالمشاركة في مجموعة عسكرية مسلحة. وتم إعدام الأدباء كوسينكا وزيروف وسيمينكو.  وأنهي الكاتب خفيليفوي حياته منتحرا.
وكانت سنوات الحرب العالمية الثانية عصيبة وقاسية علي الأدباء الأوكران. وألزم الأدباء بالكتابة في موضوع واحد لخدمة القوات علي الجبهة. كانت كل المؤلفات تدور حول الوطن والدفاع عنه والتضحية من أجله. انتشرت القصائد الوطنية و تم تكليف الأدباء بكتابة المقالات في الصحف التي تدعو الناس الي القتال من أجل الدفاع عن الاتحاد السوفيتي.
وشارك عدد كبير من الأدباء الأوكران في الحرب علي الجبهة. وشارك هؤلاء في كتابة المقالات في الصحف التي كانت تصدر علي جبهات القتال. ومن أشهر المؤلفات التي صدرت في تلك الفترة »‬أوكرانيا علي خط النار» للأديب دوفجينكو و»‬رحلة إلي سنوات الشباب» للكاتب ريلسكي و»‬وطني أوكرانيا».
وشهدت الخمسينيات و الستينيات تطورا كبيرا في الأدب الأوكراني. حيث اتسم النثر الأوكراني بالبعد عن الوصف والتركيز علي المشاعر والعلاقة بين الأخلاقي والروحي والاهتمام بالتحليل و مناقشة القضايا. وبرز ذلك في إبداعات أوليس جونشار وزاجريبالني وزباناتسكي وكوزاتشينك.  ويعتقد الكثيرون من مؤرخي الأدب الأوكراني أن الستينيات والسبعينيات كانت فترة مثمرة في الأدب حيث شهدت تعمقا في الأصول الإنسانية و اهتماما بالتحليل و التركيب وابتكارا لأساليب و أشكال جديدة و ترسيخها. وبرز في تلك الفترة كتاب مثل دراتش وكوستينكو وسيمونينكو. كما تأسست في تلك الفترة مدرسة الترجمة الأوكرانية و التي أصبح لها سمعة وصيت دولي كبير.
غير أن الأدب الأوكراني عاني في تلك الفترة أيضا من الرقابة علي الإبداع وتعرض العديد من الأدباء للنقد اللاذع في الصحافة الرسمية. ولم يكن القارئ في أوكرانيا علي اطلاع بإبداعات الكتاب الأوكران في المهجر حيث تم عزله تماما. وقد ذاع صيت العديد من الكتاب الأوكران في المنفي ومنهم إي. باجريانكو الذي هاجر إلي  ألمانيا وأسس هناك الحزب الديمقراطي الثوري الذي ناضل من أجل تحرير أوكرانيا من الاتحاد السوفيتي. ومن أهم رواياته »‬حديقة جافسيمانسكي» و»رجل يركض فوق هوة سحيقة».
وفي السبعينيات أيضا ظهرت عدة شخصيات أدبية أوكرانية مؤثرة. ولعب هؤلاء 

دورا كبيرا في الحفاظ علي تقاليد أدب الستينيات ونذكر منهم كالينتس وتشوباي وبافولياك وغيرهم.
وظهرت في تلك الفترة حركة معارضة بين الطبقة المثقفة وضعت من بين أهدافها النضال من أجل الحفاظ علي حرية الإبداع و الرأي. وذاع صيت الأديب و الشاعر ستوس الذي انتقد بشكل حاد الواقع الأوكراني بلغة أوكرانية بديعة. وفي عام 1972م تم اعتقاله للدعاية ضد الاتحاد السوفيتي حيث قضي 5 سنوات في السجن. و في عام 1980م حكم عليه مرة أخري بالسجن 15 عاما. ويمثل هذا الشاعر رمزا للأدباء الأوكران المعارضين للحكم السوفيتي في السبعينيات و الثمانينيات.  كانت كتاباته التي صورت حقيقة حياة الفلاحين في المزارع الجماعية و الاحتجاج علي القمع ضد الأدباء كافية للقضاء عليه، حيث فقد حياته في المعتقل الواقع في منطقة الأورال في عام 1985م، ولم يعش حتي يري التحولات الكبيرة التي عاشها الاتحاد السوفيتي بعد 5 سنوات من وفاته.
وكانت منطقة جالتسيا هي المركز الأدبي في أوكرانيا في الثمانينيات حيث لم تتعرض هذه المنطقة إلي  تأثير الروسنة كغيرها من مناطق أوكرانيا أثناء الحقبة السوفيتية.  
وفي عام 1990م تم إعادة الاعتبار للشاعر الكبير ومنح اسمه أعلي جائزة أدبية في أوكرانيا وهي جائزة الدولة التي تحمل اسم الشاعر تاراس شيفشينكو.
وقد شهدت الثمانينيات من القرن العشرين تطورا كبيرا في الأدب الأوكراني الذي يمثل فسيفساء تضم مختف المدارس والتيارات الأدبية.
كان عام 1997م شاهدا علي ميلاد أدب جديد في أوكرانيا مع إعلان انسحاب عدد من أعضاء اتحاد الكتاب الأوكراني، حيث قام هؤلاء بتأسيس جمعية أدبية جديدة تحمل اسم »‬رابطة الأدباء الأوكران». ووضعت  الرابطة ضمن أهدافها  تجاوز الأزمة الإيديولوجية الهيكلية في الوسط الأدبي الأوكراني و التي نتجت بسبب عجز قادة اتحاد الكتاب الأوكراني عن إعادة إصلاح هذه المنظمة حتي تتجاوب ومتطلبات العصر.
ويتسم الأدب الأوكراني الحديث بالتنوع في استخدام الأساليب والموضوعات والاتجاه غربا نحو أوروبا في التناول.  ومن بين أهم الكتاب علي الساحة الأدبية الأوكرانية اليوم يوري أندروخوفيتش ويوري فينيتشوك ويفجينيا كونونينكو وأوليج ليشيجا و إيفان مالكوفيتش.
وبدراسة تطور الأدب الأوكراني خلال القرن العشرين نجد أن هناك تشابها كبيرا بين مراحل تطور الأدب الروسي والأوكراني نظرا لتشابه الظروف السياسية والاجتماعية التي تعرض لها الشعبان. غير أن الأدب الأوكراني تميز بوجود مجموعات من الأدباء تسعي طوال الوقت للتخلص من التأثير الروسي والاقتراب من التيارات الغربية الأدبية السائدة.
وفي مقال قادم نتحدث تفصيلا عن حالة الأدب الأوكراني اليوم. 



تعليقات القرّاء