رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

حالة الأدب الروسي اليوم

تراسل فنون واختلاط أجناس


د.محمد نصرالدين الجبالي
8/12/2017 9:47:29 AM

لم تكد حدة الجدل الدائر حول الانتقال من مرحلة الحداثة إلي ما بعد الحداثة في الأدب الروسي تخفت قليلا حتي اشتعل النقاش والجدل مجددا حول تيار ما بعد بعد الحداثة.
عندما نتحدث عن تيار ما بعد الحداثة في الأدب الروسي فنحن نعني بالتأكيد تداخل مختلف الحدود الثقافية والأيديولوجية وما بين الأجناس الأدبية. ويحدث هذا التداخل والخلط في المقام الأول بين الأدب الجماهيري وأدب النخبة سواء في وعي القاريء العادي أو الناقد الأدبي.
وتيار ما بعد الحداثة الروسي هو ظاهرة ضروية ولا بديل عنها للمرحلة الانتقالية وفترة التخلص من كافة التناقضات السياسية والاجتماعية والأخلاقية والنفسية والأيديولوجية التي ميزت وصبغت فترة التحول من النظام الشمولي إلي الديمقراطية. وتكمن خصوصية تيار ما بعد الحداثة الروسي في تغير النظرة إلي الذاكرة الاجتماعية وإعادة تقييم الماضي.
عانت الثقافة الروسية في نهايات القرن العشرين من تنامي تعظيم قيم الثقافات الأخري وخاصة الغربية. كما تمت الاستعانة واستلهام عناصر من ثقافات أخري واقتباس نتائج تجارب تاريخية مغايرة  وغريبة. غير أنها في الوقت نفسه ومنذ البداية استشعرت قدرتها علي المواصلة وحدها ولم تسمح لنفسها بمجرد اقتباس ما هو غريب عنها، ولذا فإن كل الظواهر الغربية علي الروس سرعان ما اكتسبت واصطبغت بالصبغة الروسية.
وهناك اختلاف بين تيار ما بعد الحداثة الروسي والغربي. فالتيار الغربي ظهر كرد فعل لتيار الحداثة وفي نفس الوقت كان مرتبطا به بشكل مباشر. وعلي الرغم من كونه تيارا جديدا إلا أنه سعي أن يصبح قديما بقدر الإمكان، ولذا فقد اهتم وسعي إلي استيعاب التجارب والتقاليد السابقة له.
أما تيار ما بعد الحداثة الروسي فقد ظهر في آخر سنوات الحقبة السوفيتية في الفترة التي كان فيها الأدب السوفييتي يلفظ أنفاسه الأخيرة. وفي تلك الفترة كان تيار ما بعد الحداثة الغربي قد نجح في التغلغل في بنية الأدب وأصبح جزءا ومكونا هاما وضروريا لا بديل له في إبداعات الكتاب المعاصرين حينها.
وقد حافظ الأدب السوفييتي علي ملمحين أساسيين الحفاظ علي قيم الأدب الكلاسيكي والحرص علي وضوح النص بالنسبة للقاريء العادي. وتجدر الإشارة هنا إلي أن الكتاب كانوا يلتزمون بالقيام بذلك دون النظر إلي وجهة نظر ورأي الجماهير القراء. فلم يكن للقاريء أي دور سواء في عدد النسخ التي تطبع من الكتاب أو فترات العرض والبيع. بل كانت هناك رقابة علي تعليقات القراء أشد من تلك المفروضة علي الإبداعات الأدبية. حيث كانت تلك التعليقات والآراء تعكس بجلاء الرأي العام المجتمعي. وكان الهدف الأساسي لدار النشر هو تشكيل الرأي العام لا تحقيق نجاح تجاري للكتاب. كانت النظرة الأولي إلي أي نص باعتباره إعادة سرد للواقع ومرآة للحياة، وكانت نمطية الشخصيات تمثل سمة أساسية للواقعية الاشتراكية. وفي حين كان القراء معنيين أكثر بتقييم مدي حيوية الأدب وارتباطه بالواقع، كان النقاد يتناولون الخواص والسمات الأدبية بالبحث والدراسة.
ومع التغيرات الاجتماعية وصعوبة التواصل مع الثقافة الغربية والانفتاح عليها شهد تيار ما بعد الحداثة حالة من الجمود وعدم التطور، إلي أن ظهر الانترنت الأدبي الذي اعتبر تفعيلا وتجسيدا لحلم ما بعد الحداثة بتحقيق المزج بين أدب النخبة والأدب الجماهيري. وقد جعلت الأعداد الكبيرة من المكتبات والمواقع الالكترونية من النقاشات الأدبية فضاءات أكثر حيوية وثراء خاصة بين القراء.
وليس من المستغرب التزامن بين ظهور الانترنت وتيار ما بعد الحداثة في روسيا وكون عنصر التشويق والجذب مهيمنا علي ما عداه. وبدأ النقد الأدبي الروسي تتنازعه أقطاب مختلفة. ونشبت حرب نقاشية وجدلية بين أنصار الأدب الجماهيري التجاري وأدب النخبة غير التجاري.
في البداية احتدم الجدل بين أنصار ومعارضي ما بعد الحداثة. وفي الفترة بين عامي 1995-1991م أشعلت الصحافة الجدل في هذا الموضوع. ثم انتقل الجدل ليدور بين النقاد الأدب المحترفين في الصحافة المطبوعة ونظرائهم في صحافة الانترنت وكذلك بين النقاد والقراء وبين المتعصبين لكتاب بعينهم وحتي بين شرائح عمرية مختلفة. ثم ما لبثت أن ظهر العديد من المجلات الافتراضية والجوائز الأدبية المرموقة والشهير وحتي الصغيرة. ويمكن أن يصبح ذلك مدعاة فخر للأدب الروسي حيث تساعد هذه المظاهر علي تنشيط نشر الأدب وتناول الأعمال الأدبية وبأقل تكلفة.
ومن خلال متابعة عملية تنامي انتشار الحديث عن الأزمنة والعصور القديمة في ثقافة المجتمع المعاصر فإن البعض ينظرون إلي هذا العصر ليس بوصفه ما بعد الحداثة بل ما بعد بعد الحداثة. شاع رأي يقول أن العالم قد تجاوز مرحلة ما بعد الحداثة بنجاح، وأصبحت التحولات الاجتماعية والأدبية أكثر تعقيدا للدرجة التي أصبحت هناك ضرورة إلي ظهور تيار جديد. وهي تيار يتميز بتبني نفس الأفكار ولكن تحت قناع صنع علي مستوي الإعلام الجماهيري المعاصر وفن العلاقات العامة. ويري الفيلسوف ميخائيل إبيشتين أن الثقافة المعاصرة في روسيا تتحدد بمدي علاقتها بالماضي الشيوعي.
ومن السمات المميزة لتيار ما بعد بعد الحداثة في الأدب الروسي الصدق في التناول والإنسانية الجديدة واليوتوبيا الجديدة والمزج بين الاهتمام بالماضي والانفتاح علي المستقبل.
وقد انعكس الذوبان بين الحدود الأدبية ليس فقط علي الأعمال الأدبية بل علي مستوي النقد أيضا، وينسحب الأمر علي الأدب المطبوع التقليدي والأدب الالكتروني الحر. حيث أصبح من الصعب التفريق بين المقالة النقدية والخواطر الخاصة التي يقوم بها الناس العارفون باللغة وبين الانطباعات الشخصية الذاتية والدراسات الموضوعية.
محور آخر مهم هو الجوائز الأدبية وتأثيرها علي حركة الأدب في روسيا ودورها في انتشار وتنوع وتمازج الاتجاهات الأدبية. والجوائز الأدبية في روسيا تظهر وتختفي. وإذا ما قارنا الحال بأوروبا سنجد أن في روسيا حوالي 700 جائزة  أدبية في حين يبلغ العدد حوالي 3000 جائزة في أوروبا. ولعل أبرز الجوائز الروسية هي »البوكر»‬ وهي أول جائزة حكومية تأسست في روسيا بعد عام 1917. وقد تم تدشين هذه الجائزة لي عام 1991م وتمنح سنويا للرواية الأفضل باللغة الروسية. وقد تغير ممول واسم الجائزة عدة مرات: »‬البوكر الروسية»، »‬سميرنوف بوكر» و»‬بوكر - روسيا المنفتحة».
وهناك أيضا »‬جائزة الأكثر مبيعا» والتي تمنح منذ عام 2001م بوصفها جائزة أدبية وطنية روسية. ويتم ترشيح الأعمال النثرية التي نشرت خلال العام المنصرم للجائزة. كما يمكن التقدم بكتابات لم تنشر بعد بغض النظر عن تاريخ التأليف. وتهدف هذه الجائزة إلي الكشف عن القدرات السوقية للأعمال الأدبية. وتوفر إدارة الجائزة إمكانية طباعة وتوزيع والدعاية للكتاب الفائز وبعدد ضخم من النسخ. وهناك عدد من الجوائز التي تمنح حصريا لروايات الخيال والفانتازيا ونذكر منها جوائز »‬جسر النجوم» و»‬الفانتازيا الروسية» و»إي بي إس» وغيرها.
وهكذا يمكن القول أن علاقة الروسي بالأدب قد عاشت العديد من العواصف الاجتماعية. كما يمكن القول أن السمة الأساسية لتيار ما بعد الحداثة في روسيا هو الذوبان التام بين مختلف الثقافية والأيديولوجية وبين التيارات الأدبية وتراسل الفنون وامتزاج الأجناس، وهي الحال التي مازالت سائدة حتي يومنا هذا.

* أستاذ الأدب الروسي بكلية الألسن - جامعة عين شمس

تعليقات القرّاء