رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

زهور نهر تيزا


دانتي مارياناتشي ترجمة: د.نجلاء والي
9/2/2017 10:42:24 AM

كان جورجيو يبحثُ في فوضي مكتبته، بين الكتب الأدبيَّة، عن تفسيرٍ لذلك الخمول والفتور القاتل الَّذِي أصابه. فهو يشعر بحالةٍ من الرَّتابة تسيطر عليه. حركاتٌ وأفعالٌ وأفكارٌ تتوالي عَلَي وتيرةٍ واحدةٍ. حياةٌ مملَّةٌ، ورتيبةُ أسقطَت حواسه في هُوَّة السُّبات، كما لَوْ أنَّ العادةَ أصبحَت قانونَ حياته.
فاجأ الجميعَ بقرار هجر عالمه الوظيفيِّ الثَّائر المضطرب، الَّذِي قاده إِلَي العمل في كلِّ بلاد أوروبا، دون سابق إنذارٍ. كان شابًّا لا يزال، في أَوْج مجده الوظيفيِّ، وبدا هذا القرار وكأَنَّه قفزةٌ نحو المجهول.
حاول كثيرون إقناعه بالعدول عن القرار الَّذِي اعتبروه قرارًا أملاه عليه اندفاعٌ لحْظيٌّ. هو في الواقع لَمْ يفكِّر كثيرًا. حدثَ الأمرُ فجأةً، تمامًا كما حدث عندما قرَّر الإقلاع عن التَّدخين. كان الأمرُ أشبه بالإلهام بالنِّسبة إليه، شعرَ به ذات ليلةٍ في بيته في بودابست. استيقظ فجأةً، وفي الظلام الدامس تراءَت له امرأةٌ مُصورة في لوحةٍلـ »فيرونيزي»‬ أو هي لوحةٌ منسوبةٌ إليه بعنوان »‬اغتصاب أوروبا».
خرجَت المرأة من اللوحة وتجسَّدَت في وجهٍ يعرفه. ذكَّره ثدياها وأعطافها وابتسامتها بحسيَّةٍ يعرفها. كما أنَّ الثَّوْر، ذلك الثَّور القويَّ النَّهم، قذف به إِلَي ذكريات ماضٍ سحيقٍ. كانت تتحرَّك أمامه، وتتحدَّث إليه، وتُصوِّب بسهام لحْظِها نظراتٍ ساحرةً ماكرةً، رُبَّما كانت رسالةً، ورُبَّما إشارةً بالهرب. بدَت له رائعة الجمال، رائعة الجمال والحسيَّة، وهي تشير إِلَي نقطةٍ مضيئةٍ فوق خارطة العالم، نقطةٍ لامعةٍ مثل النجم الساطع، المذنَّب الَّذِي قادملوك المجوس الثلاثة  إِلَي بيت لحم.
في اليوم التالي، كان عليه المشاركة في لقاء مع وزير التُّراث الثَّقافيِّ، لتحديد الخطوط العريضة للتَّعاون ووضع الأسس لبعض المشروعات الثَّقافيَّة في ضوء انضمام المجر إِلَي الاتحاد الأوروبيِّ.
لَمْ يذهب لحضور اللِّقاء، بل لَمْ يمرَّ بالمكتب. أخبرَهم بإصابته بوعكةٍ صحيَّةٍ. واتصل تليفونيًّا بإحدي مساعِداته وطلب منها أنْ تعتذر عن عدم حضوره اللِّقاء، ثُمَّ تحدَّث مع نائبه وأخبره بكُلِّ التَّعليمات اللَّازمة ليحلَّ مكانَه في الاجتماع. جهَّز نفسَه للسَّفر بحجَّة العلاج، وقرر أن يطلبَ إجازةً. لديه رصيد إجازاتٍ وأيَّامٍ كثيرةٍ لَمْ يستنفدها في السَّنوات السَّابقة.
 كيف طرأ له أنْ يذهب في إجازةٍ الآن، قبل أيَّامٍ قليلةٍ من توقيع الاتفاق الثَّنائيِّ في أكثر اللَّحظات دقَّةً؟
كان يلزم أنْ يراجعَ التفاصيل الأخيرة لنصٍّ تَمَّ تعديله عدَّة مرَّاتٍ، وتعرَّض لمفاوضاتٍ واتفاقاتٍ وتسوياتٍ، كلَّفَته ليالٍ طويلةً من السُّهر والعمل لتذليل مسائل المعاملة بالمثل بين الدُّول، وكلُّها أمورٌ لايمكن حلُّها. كما تَمَّ الإعداد بالفعل للمؤتمر الصَّحفيِّ، الَّذِي سيشارك فيه وزيرا الثَّقافة وسفيرا الدَّولتين. ثُمَّ تجهيز برنامج الأشهر الثَّلاثة القادمة، وقوائم الضُّيوف المدعوِّين، والزِّيارة الرَّسميَّة لرئيس الوزراء الَّتِي ينبغي الإعداد لها، وموعد اجتماع الخمسة والعشرين... إلخ.
كان يبحث عن كتاب لبروست أَوْ بلزاك؟ يتذكَّر أَنَّه قرأ فقرةً منذ سنواتٍ عديدةٍ، تصف الحالة الَّتِي يمرُّ بها بالضَّبط، هذه الحالة المزاجيَّة البائسة الَّتِي استشعرها في لحظةٍ وكأَنَّه يكتشف وجهًا جديدًا لحياته الَّتِي اعتادها، وتجسَّدت في شكل آلهةٍ حازمةٍ، بَلْ قاسيةٍ. رُبَّما كان مخطئًا، لَمْ يكن بروست بَلْ بلزاك. يتذكَّر أَنَّه قال-إِنَّ كثيرين يعْدلون عن الانتحار في اللَّحظة الأخيرة، عندما يتذكَّرون المقهيالَّذِي اعتادوا الذِّهاب إليه كلَّ مساءٍ للعب الدُّومينو.
مضي يومُه في رتابةٍ جهنَّميَّة. الصَّمت المُطْبَق للرِّيف الَّذِي لَمْ ينجح في الاعتياد عليه، والَّذِي بدلًا من أنْ يكونَ سببًا لهدوئه، أصبح يُخيفه. لقد اعتاد عَلَي ضجيج الطَّائرات في المطارات بين رحلةٍ وأخري، والتَّأخير غير المحتمل، أو صرير القطارات والتِّرام، والصُّعود والهبوط من المصاعد، ومحرِّكات السَّيَّارات، وأنابيب العادم، الَّتِي تطلقه مثل المداخن، واستيقاظ المدينة بكلِّ مايصاحبها ويميِّزها من ضجيجٍ. سباق سيَّارات الأجرة كَيْ يلحق بالمواعيد. وسائقي التَّاكسي المستعدِّين دائمًا لمخالفة قواعد المرور، بَلْ يستمتعون بالسَّير بسرعةٍ، وملامسة المارَّة والسَّيَّارات، كي يُظهروا تفانيَهم في خدمته طمعًا في سخائه. وعاملي النَّظافة الَّذِين لايتغيَّرون في كلِّ المدن، يوقظون المدينة بجرِّ الحاويات المعدنيَّة فوق الأسفلت، أو فوق الطَّريق المُغطَّي بالحصي. لَمْ يكن يسمع أيًّامن هذا كلِّه. انقطع الضجيجُ والضَّوضاء.
الآن أصبحَت الليالي لاتنتهي، وعند هبوب بعض الرِّياح، يُسمع حَفِيفُ أوراق أشجار السِّنديان العتيقة حول البيت، والدَّقات المعدنيَّة المتوالية لثمار البلُّوط التي تتساقط وتتدحرج فوق سقف المنزل. لكن نادرًا ما يصل إليه نباحُ بعض الكلاب من التِّلال والوديان البعيدة، أو الانقضاض السَّريع للقطط وهي تطارد أحد فئران الحقول الصَّغيرة العاجزة. كلُّ ذلك حرمَه النَّوم فكان يقضي جزءًا كبيرًا من اللَّيل يفكِّر أو يتظاهر بالتَّفكير. وهو يَغْبط تلك اللحظات من حياته السابقة، التي كان يعود فيها إِلَي البيت مرهقًا، والطَّنينُ لايفارق أذنيه، فيرتمي فوق المقعد الوثير، تاركًا جهاز التِّليفزيون مضاءً، ويظلُّ في مكانه في بعض الأحيان حتَّي طلوع الفجر، دون أن يشعر بمرور الوقت، بينما يتبدَّد مزيجٌ مُشتَّتٌ من الصُّور الَّتِي يُبهتها النُّعاس في مُخيِّلته، مثلما في الأفلام القديمة. كانت أحلامُه تتمزَّق وتتشتَّت بقسوةٍ، مع ثبات ذلك الرُّوتين اليوميِّ.
 قضي فترةً طويلةً من حياته يحلم بهذه اللَّحظات، يعيشها كما يفعل المرء مع امرأةٍ يحبُّها بخياله، ولايستطيع امتلاكها، ولا يستطيع لمسها. والآن وقد وصل إِلَي غايته، ها هو حلمه يتحوَّل إِلَي كابوسٍ. الآن يواجه واقعًا، واقعًا لايمكن وصفه، ومليئًا بالصِّعاب. فوجب التَّصرُّف والتَّحكُّم في السَّدِّ الَّذِي فاضَت مياهه.
»‬الصَّمت الأصمُّ» هو ما أطلقه مُعلِّم المدرسة الابتدائية عَلَي الحياة السَّاكنة في البلدة، بعد إحالته إِلَي التَّقاعد، له شوارب غليظةٌ قصيرةٌ سوداء، وعينان تشعَّان حيويَّةً، لَمْ تتغيَّرا منذ عرفه في طفولته. بينما كثيرً ما يترك جورجيو نفسه فوق المقعد الَّذِي أطلق عليه اسم »‬الإبداع»، ويبقي ساكنًا لمدَّةٍ من الزَّمن تبدو له سرمديَّةً، كما لَوْ أنَّ هناك قوَّةً مجهولةً تسيطر عَلَي عقله، وتُصيب حواسَّه وإرادته بالبلادة.
شَغَلَ وقته في الأيام الأولي بكلِّ ما يمكن عمله، وهو يملأ أيامَه بشكلٍ لا مثيل له. طاف بالبلدة طولًا وعرضًا، وزار كلَّ بيوتها كما يفعل قسِّيس البلدة، عندما يبارك البيوت في الأيام التي تسبق عيد الفصح. يتذكَّر جيدًا مرور القسِّيس بالبيوت، فذات مرَّة كان مساعد القسيس الَّذِي يصطحب دون بنيامينو، يحمل سلَّةً كبيرةً ممتلئةً بالبيض، وفجأة انزلقَتْ السَّلَّة من يده المبلَّلة بالعرق، وسقطَت عَلَي الأرض وانكسر البيض، وأصبح عجَّةً، وبلَّا، بغديرٍ أصفر، جزءًا من الطَّريق غير المرصوفة.
لَمْ يرَجو رجيو القسِّيس غاضبًا بمثل هذا الشَّكل، وتأثَّر جدًّا، إِذْ كان يعتقدأَنَّ رجال الدِّين طيِّبون ولايبالون بالأمور الدُّنيويَّة. وعَلَي الصَّعيد الآخر فخادم الكنيسة الَّذِي بدا مثل كلبٍ مضروبٍ، شرع، بعد أنْ صمتَ مليًّا، في سبِّ دون بنيامينو ولعنه، لأَنَّه لَمْ يسمح له بالذِّهاب وإفراغ البيض من السَّلَّة، التي امتلأَت بالكامل. وتحوَّلَت حادثةُ البيض إِلَي مشهدٍ كوميديٍّ مثيرٍ للضَّحك؛ تجمَّع الصِّبية حولهم مرتدين البنطلونات القصيرة والصَّنادل، كالعادة في الرِّيف، وهم يتسلَّون بمشاهدة العرض المسرحيِّ المرتجل. عندها فهم جورجيو ماذا كان عمه رافائيل يقصد عندما يردِّد المثل القائل »‬افعل ما يقوله القسِّيس وليس ما يفعله».




تعليقات القرّاء