رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

بيوت خلدتها الروايات!


مرفت عمارة
9/9/2017 11:23:30 AM

»ماندرلي»‬، »‬هارود إند»، و»برايد شد», أسماء حقيقية لمبان دارت بين جنباتها أحداث قصص خيالية كتبها مشاهير الأدباء، أضافوا إليها الكثير من خيالهم وخلدوا ذكرها، بفضل احتضان تلك البيوت والقصور لشخصيات خيالية ظلت ماثلة في الأذهان عبر قرون حتي وقتنا الحاضر، بالإضافة إلي إن وجود تلك الشخصيات في بيوت حتي لو كانت مسكونة بأشخاص حقيقيين منحها هوية متفردة، في وقت كان يتم فيه تمييز الشخص بما يملكه من أرض أو عقار بإطلاق اسمه عليه، بالإضافة إلي أنه كان في استطاعتهم استنباط أشياء شخصية عنه. فعلي سبيل المثال, المكان الذي كان يعيش به تشارلز ديكنز يعكس غرابة شخصياته، كما يمكن توقع الوضع الاجتماعي للروائي، مثل مبني »‬بيمبرلي» لجين أوستن الذي أفصح عن حالها البسيط.
يمتلئ الأدب بالأفكار والكتابة عن منازل متخيلة بطرق تلتف حول مفهوم خاص للمنزل والبيت، فبينما بعض الروايات تتناول التقاليد والعلاقات الإجتماعية والسلوك مثل  »‬هواردز إند» لإي إم فورستر  و»‬إعادة النظر في بريتشيد»  لإيفيلن وو، نجد ادباء آخرين يتسللون بالقاريء عبر الطرقات والممرات ثم عند آخر عتباته تتملك القاريء بسحرها.
 وهذه علاقة بعض الأدباء مع بيوت رواياتهم:

شاندي هول

لورانس سترن (1713 - 1768)، روائي أيرلندي وقس، كتب روايات »‬حياة وآراء حضرة المحترم تريسترام شاندي» و»رحلة شاعرية عبر فرنسا وإيطاليا»، كما نشرت له العديد من الخطب و السير الذاتية. مبني شاندي هول الذي أصبح متحفا, كان مملوكا للقس لورانس ستيرن في شمال يوركشاير بإنجلترا، عندما نشر أول مجلدين من كتابه الاستطرادي الظريف »‬حياة وآراء حضرة المحترم تريسترام شاندي» سنة 1759، تبعهما بتسعة مجلدات متلاحقة، ظهر أول اثنين منها سنة 1959 وتوالي الباقين عبر سبع سنوات، وقد اختارها الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور كأعظم رواية صدرت علي الإطلاق. ستيرن كان يعيش في »‬كوكسوولد» الواقعة في »‬فالي يورك»، في كوخ عرف فيما بعد باسم »‬قاعة شاندي»، ورغم أن ذلك النوع من المنازل يعوق تركيز الكتاب بسبب الضوضاء والأصوات العالية الصادرة من الأدوار العليا، إلا أن ستيرن أنهي سبعة من تسعة أجزاء من الكتاب خلال فترة إقامته في قاعة شاندي، بل وساعده ذلك في إعداد مسرح الأحداث، والتداخلات النصية، والأخطاء، في عصر كان فيه مؤلفين مثل صامويل ريتشاردسون وهنري فيلدينج يكتبون عن أشياء متراكمة تقع في المدن الكبري، وكان ستيرن يدعو القراء مباشرة للحضور إلي الكوخ المتواضع ليجلسوا بجوار المدفأة، مانحا إياهم أجزاء من قصة غاية في الجودة.
ستراوبيري هول

هوراس والبول (سبتمبر 1717  مارس 1797)، كاتب إنجليزي مشهور بقصص رعب تدور أحداثها في القرون الوسطي، وهو الابن الأصغر لرئيس الوزراء السير روبرت والبول، تلقي تعليمه في كامبردج وبدأ الكتابه مع زميله في الدراسة, الشاعر توماس جراي، ثم أصبح عضوا في البرلمان. كان يولي اهتماما خاصا بفيلا صغيرة ورثها في توينكهام سنة 1747 وتحولت إلي ما يعرف باسم »‬ستراوبيري هول», تلك الفيلا ينظر إليها الكثيرون علي أنها مبني أنفق عليه رجل أحمق الكثير من المال والوقت لبنائه، إلا أن ستراوبيري هول في تويكنهام لعبت دورا رئيسيا في الأدب الإنجليزي، كمصدر إلهام للرواية القوطية الأولي في اللغة الإنجليزية، التي تحمل عنوان »‬ قلعة أورانتو» سنة 1764، ففي الوقت الذي كانت فيه معظم النخبة لا تزال تتبع نظام الهندسة المعمارية الإنجليزي القديم لأندريو بالادي، احتضن »‬والبول» الزخرفة والتشطيب الدقيق والممرات المظلمة التي أُطلق عليها »‬الكآبة والدفء» من القرون الوسطي، وغرق في عشق تصاميم الكنائس القديمة والكاتدرائيات، فكانت تصاميمه أيضا بمثابة تقليد دقيق للطبيعة، الخشب يبدو كالحجر، واستخدام الورق المعجون بدلا من الجص.

جودمرشام بارك

جين أوستن, ابنة النائب، نشأت في منزل أكثر تواضعا عن كثيرين ممن حولها، كانت تحرص علي حضور الحفلات، ولعب البولينج وممارسة النشاطات الاجتماعية الأخري في كثير من المنازل الكبري في هامبشاير. كان »‬جودمرشام بارك» في »‬كنت» هو الأصغر والأقل إثارة للاهتمام، إلا أنه ظل مثيرا للإعجاب مع »‬شاوتون هاوس» في »‬هامبشاير»، والاثنان ممتلكات ورثتهما عن شقيقها إدوارد، الذي تبناه أقارب ليس لهم أبناء، مما ساعدها علي معايشة عالم من شخصياتها الأكثر تميزا.
في الأيام التي قضتها مع إدوارد أوستن كان يحيط بجودمرشام، الذي تم بناؤه سنة 1732، خمسة آلاف فدان - حاليا 200 فدان -، وفي ثمانينيات القرن السابع عشر أضافت له أسرة نايت جناحين، قبل أن يرث إدوارد الممتلكات سنة 1797، ولاتزال به العديد من الأجنحة التي يحتفظ بعضها بالطابع الإيطالي الأنيق.
أحيانا يتكهن البعض أن مبني تشاتسورث، الأكثر شهرة والواقع في منطقة بيك، هو مصدر إلهام المنزل الريفي الذي يملكه فيتزويليام دارسي, البطل الرئيسي في رواية »‬كبرياء و تحامل» لجين أوستن، لكن الحقيقة أنه كان »‬جودمرشام» حيث شهدت أوستن العيش في منزل كبير، مع العديد من الخدم والرفاهية، وأمضت هناك ساعات طويلة في كتابة الرسائل بالمكتبة، ومقر القسيس الذي لايزال موجودا في المبني، ويُعتقد أنه مصدر الإلهام لمنزل مستر كولينز في »‬كبرياء وتحامل»، حيث كان المكان في غاية الفخامة بالنسبة لأوستن، وقالت عنه: »‬لم يكن لدي أي فرصة للتفكير في سعر الخبز أو اللحم  حيث أنا الآن ، اسمحوا لي بالتخلص من الاهتمامات المبتذلة والتعايش مع اللامبالاة السعيدة بثروة (كنت إيست)»، وعلي النقيض من ذلك كتبت سنة 1798 من بيت القسيس في ستيفنتون في هامبشاير  حيث نشأت  شاكية: »‬أصبح الناس في فقر مدقع، وغاية في التقتير، في هذا الجزء من العالم، لذا لا أمتلك صبرا عليهم، »‬كنت» هي المكان الوحيد للسعادة، كل الناس هناك أغنياء».

نورتون كونيرز

تضم »‬نورث ليزهول» الواقعة في منطقة »‬بيك» ثلاثة طوابق يلازمهم رواية كئيبة عن امرأة مجنونة محبوسة في الطابق العلوي، لكن المنزل الذي يبدو حقا مصدر إلهام لشكل وأجواء »‬ثورنفيلد» هو »‬نورتون كونيرز» الواقع بالقرب من »‬ريبون»، الذي يقال أن شارلوت برونتي زارته سنة 1839 (ثورنفيلد هو موطن إدوارد فيرفاكس روشستر البطل الرومانسي برواية »‬جين إير» التي كتبتها شارلوت برونتي حيث استخدمت في وصفه طريقة تتسق مع سياق الرواية كقصر منعزل في الحقبة القوطية مساحته غير معروفة، يحتوي مجموعة من الغرف غير المستخدمة).
كان لمنزل نورتون كونيرز  الذي يعود تاريخه إلي القرن الرابع عشر  قبة عظيمة، حين كانت تملكه عائلة جراهام منذ سنة 1624، وفي القرن الثامن عشر ضُمت إليه حديقته، وهو حاليا يخضع للترميم، وفي وقت زيارة برونتي لهذا البيت تم التنازل عنه للسير بلينجهام جراهام، البارون السابع المقامر الذي كان أبا للعديد من الأطفال غير الشرعيين، وفقد في نهاية المطاف منزل أسلافه، ومن غير المحتمل أن تكون برونتي قد التقت ببلينجهام وجها لوجه، لكن شخصيته البيرونية المضطربة ربما تكون مسئولة جزئيا عن ذلك الماضي الفاضح، وهناك الكثير من التشابه بين »‬نورتون كونييرز» و»ثورنفيلد»، وأكثر نقاط التشابه إثارة للحيرة هو ذلك الدرج المخفي خلف لوحة ضمن معرض بالطابق الأول، التي كشف عن وجودها سنة 2004، والتي قد تكون أتاحت الفرصة لمستر روشستر أن ينزلق إلي الطابق العلوي خلسة والتعامل مع هذيان زوجته.
بوك نست، هيرتفورد شاير

إي أم فورستر:  عدد قليل من الناس استطاعوا قراءة رواية »‬هواردز إند» لإي إم فورستر دون التشوق لقضاء أمسية ذهبية في كوخ إنجليزي داخل حديقة البيت، الذي كان في الماضي بمثابة بناء تذكاري يمثل إنجلترا، وأصبح حاليا مهددا من عالم يتحرك من حوله، من حركة سيارات تدور عبر طبيعة خلابة بسرعة فائقة، دون إتاحة وقت لتقديره. »‬فقط التواصل» شعار كتاب فورستر، بمثابة بلاغ أو رسالة لإمكانية تحقيق سعادة روحية، شعر فورستر أنه من الممكن نقلها عبر حياة المنزل، كان غاية في الوضوح حول إلهام المنزل لرواية كتبها.
المكان الذي كان يعيش به في طفولته يطلق فورستر عليه »‬بوك نست»، يقع بالقرب من حديقة شيفلد، استأجره من روبرت هندلي في الفترة من 1883 إلي 1893 ليقيم به مع أمه، ثم كان عليهما مغادرته، إلا أنه كتب عنه قطعه أدبية بعنوان »‬مذكرات بوك نست»، وواصل زيارة المنزل خلال الأربعينيات من القرن الماضي. كان فورستر قد انتقل لذلك المنزل بعد وفاة والده بمرض السل، حين قررت أمه الانتقال من منزلهم القديم إلي الريف لدواع صحية، وفي 1883 حصلت أمه علي عقد إيجار »‬بوك نست» الواقع بالقرب من ستيفناج في هيرتفورد شاير وعاشت هناك لعشر سنوات، وكان البيت ينتمي لعائلة هاورد الذي أقام مزرعة هناك لثلاثة قرون.

تالاند هاوس، كورنويل

بالنسبة لفيرجينيا وولف, يمثل »‬تالاند هاوس» ملحمة الطفولة التي ظلت مصدر إلهام لها طوال حياتها، ففي سنة 1881 اكتشف والدها الناقد البارز وكاتب السيرة الذاتية ليزلي ستيفن منزل »‬تالاند» في سانت إيفيس خلال إحدي جولاته العديدة التي يقوم بها سيرا علي الأقدام، كان المنزل من ثلاثة طوابق منفصلة يقع علي تلة تطل علي شاطئ بورثمنستر، بينما تظهر علي مسافة منه منارة جودريفي. في الفترة من يوليو إلي سبتمبر كل عام كان ستيفن يصطحب عائلته الكبيرة ومجموعة من الضيوف إلي هناك، حيث ابتكر الأطفال تسلية التطلع تجاه محطة السكك الحديدية من ناحية الحديقة الأمامية، للتلصص علي وصول زوارهم القادمين، بداية من هنري جيمس إلي جورج ميرديث والشاعر الأمريكي جيمس راسل لويل, الأب الروحي لفرجينيا، الذي كان يحتاج لمن يساعده علي التسلق للمنزل الواقع فوق منحدر شديد، ثم توقفت العائلة عن زيارة منزل تالاند بعد الوفاة المفاجئة لوالدة فرجينيا سنة 1895 ثم وفاة أختها غير الشقيقة ستيلا دالورث سنة 1897 وشقيقها ثوبي سنة 1906، وفي روايتها »‬في المنارة» الصادرة سنة 1927 استوحت فرجينيا زيارة خيالية طويلة إلي تالاند, بيت طفولتها، استدعت خلالها أشباح والديها والأشقاء وأعادتهم للظهور مرة أخري.

لون رود فلانس، هامبستد

مع كل اهتمام أجاثا كريستي بإطلاق أسماء علي المنازل، وبالرغم من أنها منحتنا القليل من التفاصيل الديكورية، إلا أن خبرتها عن المنازل المختلفة تأتي من خلال رواياتها. كانت قاعة »‬آبي» في »‬تشيشير» هي المفضلة لأجاثا في شبابها، كتبت عنه: »‬إنه منزل رائع لقضاء الكريسماس إن كنت طفلا»، فهو مبني هائل علي الطراز الفيكتوري، يحتوي العديد من الغرف، والممرات، في مسارات غير متوقعة، سلالم خلفية وأخري أمامية، محاريب، وثلاث من آلات البيانو مختلفة الأصوات. كتبت كريستي حين كانت مقيمة هناك روايتها »‬بعد الجنازة» وقصتها القصيرة »‬مغامرة بودينج الكريسماس» ووصفت مداخنه في اثنتين من روايات الرعب التي كتبتها في عشرينيات القرن الماضي مثل »‬سر المداخن» و»لغز الرقم سبعة»، إلا أن هواة الأعمال التليفزيونية وإعادة صياغة القصص مثل »‬ملك الأندية»، و»سرقة روبي الملكية» أو »‬قتل روجر أكرويد» يربطون أجاثا كريستي بالحداثة الأنيقة، ففي تلك الفترة كانت كريستي غامضة إلي حد ما.
من خلال روايتها »‬سر ملكة جمال ماربل», ظهر أن كريستي أصبحت علي دراية تامة بالتصميم الحديث، خاصة بعد انتقالها وزوجها ماكس مالون للإقامة في شقة حديثة في هامبستد بعد تدمير منزلهما جراء قصف القنابل، تعرف الآن باسم مبني إيسكون، تم بناؤها سنة 1934 علي يد المهندس ويلز كوتز، الذي يحاكي بعض النماذج الجديدة للحياة الحضرية التي يسير علي نهجها كوربوزيه وآخرون، وهو حاليا مبني من الطراز الأول بعد تجديده سنة 2003 ويعتبر أحد أهم معالم الحداثة في لندن.

مترولاند

جوليان بارتز أطلق اسم مترولاند علي الضواحي المبنية في الشمال الغربي من لندن في مقاطعات باكنجهامبشير وهيرتفور، في بداية القرن العشرين، التي كانت تخدمها السكك الحديدية »‬متروبوليتان»، ولما كانت شركة السكك الحديدية في وضع يسمح لها بالاحتفاظ بالأراضي الفائضة، فقد تم تطويرها منذ سنة 1919 للإسكان وأطلق عليها مترولاند.
وتجسد رواية »‬مترولاند» لجوليان بارنز لحظة ثقافية واجتماعية فارقة في التنمية المجتمعية لفترة ما بعد الحرب، مع وضع خطط لتوسع السكك الحديدية من العاصمة للضواحي الجديدة قبل سبعين عاما من نشر بارنز روايته سنة 1980، لكن بسبب وصفه للحياة في الضواحي, تداولها الشباب في فترة المراهقة من أبناء الطبقة المتوسطة، فأحسوا بالاختلاف عن أقرانهم في المدن المجاورة، صرح الكاتب عنها في وقت لاحق قائلا: »‬تلك الضاحية الواقعة في لندن, حيث نشأت متخيلا الأمل، متوقعا آفاقا كبيرة، وسفريات عظيمة، لكن في الحقيقة لم يحدث ذلك أبدا»، تلك ليست قصة تركز علي منزل بقدر ما هي تسجل وقائع تغيير ما بعد الحرب في نمط المعيشة، في خضم نوبة جنون المباني الحضرية، كان يتم فصل الناس في مجتمعات أدني في المكانة وأدني في الدرجة، إذا كان من الممكن تسميتهم بمجتمعات، لأن معظمهم يفتقر إلي جهة تنسيق موحدة، مثل شارع مرتفع يسهل الوصول إليه أو قرية قائمة.
مترولاند لا تقدم ملحمة بلد أو تواصلا روحيا مع رواية إي إم فورستر»هوارد إند» التي نشرت سنة 1910 وتحولت إلي فيلم سنة 1992، ولا يوجد بها أي إثارة أو قلق تجاه سكان المدينة، إنها طفل الحرب العالمية الأولي الذي تم نسيانه في الثانية.




تعليقات القرّاء