رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

المثقف والسلطة باسترناك بين الشد والجذب


د. مكارم الغمري
9/9/2017 11:27:53 AM

كان للظروف التي واكبت أحداث ثورة اكتوبر 1917 والسنوات التي أعقبتها تأثيرها الكبير علي المناخ الثقافي العام والأدب الروسي بخاصة . بدأ الشقاق في جبهة المثقفين قبل الثورة، واحتدم علي نحو خاص في السنوات الأولي بعد قيامها، بعد أن انقسمت الآراء حول امكانية بناء مجتمع اشتراكي في روسيا, وحول مستقبل الثقافة بها . عبر جانب من المثقفين من مختلف الشرائح عن القلق بخصوص الثقافة ومستقبل روسيا بعد الثورة, واستقبلوا ما يحدث علي أنه وضع »مأساوي»‬وتحطيم للقيم الثقافية والتقاليد في روسيا, واتخذوا جانب المعارضة .واتضح هذا الموقف في العديد من الكتابات مثل »‬أفكار غير عصرية» للكاتب الكبير م. جوركي و» كلمة عن موت الأرض الروسية» للكاتب أ. ريميزوف وغيرها . بينما أيدها البعض ودافع عنها, ودعا الشاعر الرمزي المعروف أ.بلوك دعوته الشهيرة »‬ بكل القلب انصتوا إلي الثورة».
باسترناك والثورة
كان الشاعر الغنائي الكبير بوريس باسترناك (1890-1960) واحدا من المثقفين الروس الذين استقبلوا مقدم  ثورة أكتوبر بالامال, وشاهدوا فيها قوة مطهرة .
عايش باسترناك أهوال الحرب الأهلية التي أعقبت الثورة, وكان شاهدا لحالة الانهيار، والفوضي العامة, والجوع, والمرض، التي اجتاحت روسيا . لكن ازمة باسترناك مع النظام السوفيتي, واحساسه» بالاختناق »‬ كما عبر في كتاباته جاءت بعد بروز ستالين علي الساحة السياسية حيث اتخذت ممارسات العنف التي ظهرت في عهده أبعادا جديدة : اشتدت حملات الملاحقة والمطاردة للمعارضين, وتم اعتقال الآلاف والزج بهم في السجون, واعدم الكثيرون من المثقفين المعارضين دون محاكمة, ومنهم أقران باسترناك من الكتاب والشعراء .
كذلك تم نفي العديد من اساتذة الجامعات، والكتاب، والاطباء، والمهندسين وغيرهم إلي الخارج دون محاكمة أو ذنب سوي أنهم كانوا يفكرون بطريقة مغايرة . ومع نهاية العشرينيات اتخذت حركة الهجرة إلي الخارج مدارا متسعا . ومن المعروف ثلاث موجات كبري من الهجرة, حيث هاجر الآلاف من المثقفين، والفنانين, والكتاب، والفلاسفة إلي الخارج (1917-1940/1941--1960-1961-1986) .وفي المهجر أقاموا مراكز ثقافية كانت تمتلك اصداراتها في مدن اوربية عديدة ولاسيما في برلين وباريس, وكانت تصدر من خلالها ابدعات الأدب الروسي في المهجر.
ثلاثينات القرن الماضي وقيود المنهج
 اتسمت فترة الثلاثينيات بالإرهاب الفكري علي الخصوم والتضييق علي الحريات علي نحو خاص, مما كان له اثاره السلبية علي الحياة الثقافية في روسيا السوفيتية, في تلك الفترة شيدت السلطة السوفيتية دار »‬اكتوبر», وقد صارت نقطة الانطلاق للحركة الادبية البروليتارية, وتم اغلاق دور النشر التي لا تنتمي للنظام, وظهرت الجماعات الأدبية المتطرفة مثل جماعة »‬ الراب »‬ وهو الاسم المختصر للجمعية الروسية للكتاب البروليتاريين, وقد سعت هذه الجماعة إلي التضييق علي الحياة الادبية، وانتهاج سياسة الارهاب الفكري علي الخصوم, و دعت الجماعة إلي انضمام»  العمال الطليعيين »‬ إلي الادب بصرف النظر عن الموهبة الأدبية وطالبت »‬الراب» الكتاب بالتوجه إلي المصانع, ومواقع الانشاءات للتعرف علي آليات العمل في المصانع وعلي أبطال الخطة الخمسية, كي يتمكنوا من تصوير عمليات التصنيع والانتاج, وقد مارست جماعة »‬ الراب »‬ شتي أنواع الرقابة والارهاب علي الأدباء وعلي العملية الأدبية . إلي أن صدر في عام 1932 قرار اللجنة المركزية للحزب و الخاص »‬ببيرسترويكا الجمعيات الأدبية والفنية »‬وهو القرار الذي شمل أيضا حظر جماعة »‬الراب »‬ المتطرفة, وتم انشاء أول  اتحاد للكتاب, والاعلان عن مذهب الواقعية الاشتراكية بوصفه المنهج الوحيد الذي يتعين أن تندرج في إطاره الكتابات الأدبية وشتي أنواع الفنون, والذي بموجبه كان يتعين علي الأديب اتباع قواعد صارمة: أن يتضمن مضمون النص الأدبي فكرة الصراع الطبقي والنضال من أجل الاشتراكية, تصوير البطل الايجابي وهو الشخص المثالي الذي يكاد يخلو من أية عيوب ويعتبر بمثابة القدوة، أن تتواءم الأفكار الرئيسية للنص وتوجهات الحزب, وهو ما أطلق عليه »‬حزبية الأدب »‬. واتخذت السلطة مع الادباء سياسة »‬ العصا والجزرة», الأدباء المنصاعون للكتابة الأدبية في إطار المنهج المفروض يتم منحهم كل سبل الحياة الرغدة المريحة, ويمنحون الجوائز والاوسمة, أما خروج الكتابة عن إطارالمنهج فقد كان يتعين علي الأديب في هذه الحالة إما الصمت الإجباري أو الاختياري . أو عدم الصمت الذي كان يعني حينئذ »‬ السام ايزدات» أي النشر الذاتي  و»التام ايزدات» أي النشر هناك في الخارج حيث تتنوع العواقب من السجن في معسكرات الاعتقال, والفصل من اتحاد الكتاب, وغيرها.
وفي هذا الإطار أحكم الحظر علي نتاج  تيارات الحداثة التي بدأت في الظهور في الأدب الروسي في نهاية القرن التاسع عشر، وازدهرت علي نحو خاص في مطلع القرن العشرين في الفترة التي اصطلح علي تسميتها »‬بالعصر الفضي »‬ في الأدب الروسي, وهي التيارات التي تمثل قمة الازدهار والتنوع الشعري في الأدب الروسي .
ونود أن نشير في هذا الصدد إلي أن فترة الثلاثينات بالذات قد تميزت بإدارة الأدب وتوجيهه، ولاشك أن ذلك كان يرتبط بالظروف الخاصة لهذه الفترة حين كان الاتحاد السوفيتي يسعي إلي بناء قاعدة صناعية في زمن قصير, ونظر إلي الأدب والثقافة بوصفهما أدوات روحية ومعنوية لها أهميتها في التعبئة العامة لبناء صرح الصناعة والاقتصاد . وجدير بالذكرأيضاأن فترة الثلاثينات رغم الظروف قد أنتجت أعمالا مهمة للشعراء مايكوفسكي, أخماتوفا, ماندلشتم، وباسترناك.
ومن المهم التنويه كذلك  بالدورالثقافي، التنويري الكبير الذي قامت به دار نشر »‬الأدب العالمي» التي أسسها جوركي بعد قيام الثورة في عام 1919 والتي كان لها فضل تقديم الأدب,والتراث العالمي إلي القارئ السوفيتي بأسعار رمزية.
أزمة باسترناك
مما لاشك فيه أن الممارسات القمعية, وتقييد الحريات كان لها تأثيرها السلبي علي المناخ الثقافي, وعلي المبدع والعملية الابداعية بشكل عام,
وقد كان باسترناك واحدا من هؤلاء الأدباء الذين تأثر إبداعه بالمناخ الثقافي العام في وطنه, كان باسترناك يعتبر  بحق- أحد رواد حركة التحديث في الشعر الروسي في القرن العشرين، واضطرتحت ضغط النقد المسيس أن يبتعد عن الغنائيات، وهي اللون المميز لإبداعه الشعري، فقد طالت باسترناك الكليشهات النقدية التي كانت تطلق علي الأدباء غير الموالين للسلطة، فهو تارة شاعر »‬بورجوازي», وهو» بعيد عن المشاكل الإجتماعية»,وهو »‬ غريب» عن الشعب, »‬منغلق علي ذاته»، ولذا فهو شاعر »‬غير مرغوب فيه »‬. ووجد باسترناك نفسه مثل كثيرين غيره في ظروف مادية صعبة, حاول باسترناك بعدها أن يتواءم مع النظام، فاتجه إلي كتابة القصائد الملحمية التي تتناول بعض الاحداث التاريخية, وكان لذلك تأثيره الايحابي, إذ أدي إلي تحسين وضعه المادي, وصار النقد يتحدث عن» البيرسترويكا »‬ داخل باسترناك، وعن اتجاه شعره إلي الموضوعات الحيوية للعصر . لكن ذلك لم يكن يعني أن باسترناك قد صار ينظر إليه بوصفه كاتبا بروليتاريا, ولكن في أحسن الأحوال ليس في عداد» الأعداء الطبقيين».
بيد أن هذا الحال لم يدم طويلا، فقد مسه بشدة حادثة القبض علي الشاعر ف. سيلوف في بداية الثلاثينات من القرن الماضي بتهمة التجسس والدعاية المناهضة للثورة، وتم إعدامه.
وقد  شاهد باسترناك في ذلك سياسة متعمدة لتصفية المعارضين . وبدأ ابتعاده التدريجي عن السلطة.
عمليات الشد والجذب بين باسترناك والسلطة  كانت تتبادل, في بداية الثلاثينات بذلت محاولات دؤبة من قبل السلطة السوفيتية لإشراك باسترناك في عمليات البناء التي تحدث في الدولة السوفيتية, ودعي باسترناك للسفر إلي الاورال للإقتراب من حياة العمال في مصانع التعدين ودراسة أحوالهم ثم بعد ذلك كتابة رواية عن ذلك .وتروي الناقدهآنا كلياتيسفي كتابها» باسترناك» الصادر في عام 2015  إلي أن باسترنك قد اضطر إلي قبول عرض السفرتحت ضغوط الحاجة المادية . غير أن الرحلة أتت بنتائج عكسية, فقد هال باسترناك في الاورال مشاهد الفلاحين الجائعين, فقطع الرحلة وابلغ اتحاد الكتاب بأنه لا يريد أن يكتب سطرا واحدا, وانه لن يشارك في مثل هذه الأمور فيما بعد . وقد أعقب ذلك حالةمن الصمت, وانصراف باسترناك عن الكتابة الابداعية, والانشغال بالترجمة . ومن المعروف
عن باسترناك إجادته لعدة لغات أجنبية, وإسهامه الكبير في مجال الترجمة من اللغات الانجليزية والالمانية والجورجية .
وقد احتدمت الأزمة بين باسترناك والسلطة في عام 1934 الذي شهد مزيدا من ممارسات العنف,والاعتقالات, والقتل الجماعي.كان باسترناك شاهدا عليها، فضلاعن تقييد الحريات في إطار المنهج  الأدبي المفروض.
رواية »‬ د . جيفاجو »
في عام 1955 أنهي باسترناك عمله في رواية »‬ د جيفاجو »‬ وهي الرواية التي استغرق كتابتها عشر سنوات، والتي كان باسترناك يعدها العمل الأهم في حياته, وينظر إليها علي أنها »‬ كتاب الحياة »‬, رواية تحكي عن معاناة جيله , وعن الاحداث التاريخية الجسام التي شهدها . تمر من أمام القارئ أحداث كثيرة بكل ملامحها : الحرب الروسية اليابانية, الحرب العالمية الأولي، ثورة أكتوبر,الحرب الأهلية . شخصيات الرواية تعيش الأحداث وتقيمها . بطل الرواية رغم أنه طبيب لكنه يحمل الكثير من الملامح الشخصية لباسترناك ؛ تركيبة أفكاره، موهبته الشعرية . د جيفاجو يبدو مثل باسترناك متحمسا للخطوات الأولي للثورة , لكنه
يفقد تدريجيا هذا الحماس . ويطرح باسترناك من خلال بطله- خاصة- موضوع المثقف والأحداث, قضية الحرية وتأثيرها علي الشخصية الانسانية, مصير المثقف وعلاقته بالسلطة . وتتسم الرواية بالعمق الفلسفي والانساني, واللغة الغنائية.
 حاول باسترناك نشر الرواية, كان ذلك في عصر خرشوف في الفترة التي اعقبت القبضةالحديدية  الستالينية، ولقبت بفترة »‬ ذوبان الجليد »‬ وحملت معها بشائر التغيير . أرسل باسترناك مخطوطة الرواية إلي مجلة »‬ نوفي مير »‬ ( العالم الجديد ), وافترض قبول الرواية, لكنه تلقي في عام 1956 رفضا قاطعا من المجلة بنشر الرواية, فأدرك أن الماضي لم يذهب بعد . سلم باسترناك بعدها مخطوطة الرواية إلي الناشر الإيطالي لنشرها في إيطاليا, وهو الأمر الذي جعل السلطة تبذل قصاري جهدها لمنع نشر الرواية في الخارج . لكن المحاولات باءت بالفشل, وظهرت الطبعة الأولي لرواية »‬د . چيفاجو» عام 1957 باللغة الايطالية،  ثم تلتها طبعة باللغة الروسية في هولندا, وكانت تستهدف  الروس المهاجرين . بعدها انهالت علي باسترناك ثورة من الغضب والتنديد, واعتبر  هذا الفعل بمثابة »‬ سكين في ظهر الوطن »‬.
باسترناك وجائزة نوبل
لم يكن باسترناك هو ألاديب الوحيد الذي يمنح جائزة نوبل في العهد السوفيتي, فقد
حصل عليها في عام 1965الأديب الروسي السوفيتي الكبير ميخائيل شولوخوف، إلا أن منح الجائزة له لم تصاحبه الضجة التي حدثت مع باسترناك .
في عام 1958 منح باسترناك جائزة نوبل في الآداب, وجاء في حيثيات الجائزة »‬ علي إنجازاته البارزة في الشعر الغنائي, وبوصفه مكملا للتقاليد الحميدة للنثر الروسي العظيم »‬.
أثار منح الجائزة لباسترناك ثورة عارمة ضده في الاتحاد السوفيتي السابق, وعقدت الاجتماعات في اتحاد الكتاب لبحث موضوع الجائزة, وانبري الكثيرون في الهجوم عليه, ونعته بشتي  الصفات السلبية, وقرر اتحاد الكتاب تجريد باسترناك من لقب كاتب سوفيتي، وعزله من اتحاد الكتاب, وطالب البعض بحرمانه من الجنسية السوفيتية, ونفيه إلي الخارج.
وازاء هذه الحملة العدائية المنظمة أرسل باسترناك ألي استوكهولم برقية يطلب فيها السماح له بالرفض الطوعي للجائزة . وفي ذات الوقت قامت في الغرب حملة لمناصرة باسترناك
شارك فيها أدباء كبار وشخصيات عامة .وقد تسببت حملة الضغط والملاحقة التي تعرض لها باسترناك بسبب منحه جائزة نوبل في الكثير من المعاناة, وفي تفكيره في الانتحار, بعد أن جردمن أي مصدر للدخل, وتم حظر نشر مؤلفاته .
وقد ازداد وضع باسترناك تعقيدا بعد ان سلم لمراسل »‬ الديلي ميل »‬ البريطانية قصيدة بعنوان»جائزة نوبل»,نشرتها مع تعليق سياسي, وقد. أدي ذلك إلي استدعاء باسترناك إلي المدعي العام, وتوجيه تهمة الخيانة إليه بسبب تأليفه ونشره مؤلفات مناهضة للدولة السوفيتية, إلا أنه سقط صريعا للمرض, وانتهت حملة المطاردة التي تعرض لها باسترناك من قبل السلطة بموته .
مرت السنوات وانهار النظام الذي عقدت عليه الملايين في روسيا, وفي أرجاء المعمورة آمال الحرية والعدالة الاجتماعية . وعادت إلي الحياة الثقافية في روسيا أعمال باسترناك المحظورة .وغيرها من اعمال الكتاب المنفيين والمهاجرين, وأعيد الاعتبار إلي اسم باسترناك، واقيم معرض في عام 1989 في متحف الفنون التشكيلية,حيث كان باسترناك يقيم بالقرب منه لسنوات طويلة بعنوان »‬ عالم باسترناك »‬, وأحضر سفير السويد إلي المعرض شهادة جائزة نوبل التي لم يتسلمها باسترناك في حياته . أما ميدالية الجائزة فقد تسلمها نجل باسترناك في إطار حفل منح جوائز نوبل للحاصلين عليها في عام1989،وهو وقت تزامن مع الاحتفال بمئوية باسترناك, وبعد مرور قرابة واحد وثلاثين عاما علي وفاته . وقد أشير في حفل الاكاديمية إلي أن رفض باسترناك الجائزة في وقتها كان اضطراريا .
ولأن الكلمة الصادقة هي الباقية, فقد مضي الزمان حين كان باسترناك شاعرا »‬غير مفهوم»، وتم الاحتفاء بمئوية باسترناك في وطنه, وإلغاء قرار إتحاد الكتاب القديم الذي صدر عام  1958والخاص بطرد باسترناك من عضوية الاتحاد, وعادت أعماله المحظوره إلي الحياة الثقافية في روسيا لتتبوأ المكانة الجديرة به، ليكتمل المشهد بعد أن غيب الموت صاحبه.