رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

جورجي راباسا.. بابا المترجمين: «خريف البطريرك» أسهل رواية ترجمتها


نصر عبدالرحمن
9/23/2017 1:21:35 PM

ولد »جورجي راباسا»‬ (1922-يونيو 2016) في مدينة نيويورك لأب مُهاجر هرب من كوبا أثناء الحرب العالمية الأولي. درس الترجمة في جامعة »‬دارتهام»، ثم حصل علي الدكتوراه من جامعة كولومبيا؛ ثم عمل بالتدريس فيها لمدة عشرين عامًا. عمل مُترجمًا من البرتغالية والأسبانية إلي الإنجليزية منذ أوائل الستينيات. يرجع إليه الفضل في انتشار أدب أمريكا اللاتينية في جميع أنحاء العالم؛ فقد ترجم أعمال ماركيز، وغيره من كبار كتاب أمريكا اللاتينية إلي اللغة الإنجليزية بمهارة شديدة وترجمة رفيعة، أشاد بها النقاد والأدباء والقراء. لم يقتصر إنجازه علي نقل الأعمال الإبداعية الكبيرة من البرتغالية إلي الإنجليزية، ولكنه يُعد نموذجًا للمترجمين من كل لغات العالم في الحرفية والدقة والقدرة علي نقل النص الأدبي من لغة إلي أخري. لعب »‬راباسا» دورًا كبيرًا كذلك في صياغة آراء نظرية وتعليقات علي فن الترجمة، وأسهم في الارتقاء بفن الترجمة منذ مطلع الستينيات. فاز »‬راباسا» بعدة جوائز عالمية، وحصل علي لقب »‬بابا المُترجمين»، وقال »‬ويليام كينيدي» إن ترجمة »‬مائة عام من العزلة» جعلته أفضل مترجم علي وجه الأرض. وقال ماركيز إنه يُفضل قراءة روايته »‬مائة عام من العزلة» بترجمة »‬راباسا» عن قراءتها بلغته. وهذا جزء من حوار معه حول بعض قضايا الترجمة الأدبية.


هل لديك استراتيجية ثابتة تتبعها في كل ترجماتك؟
بالقطع ليس لدي استراتيجية. أنا ألجأ إلي بعض التكتيكات، ولستُ واثقًا إن كانت لدي طريقة ثابتة في التعامل مع العمل الأدبي. الأمر في غاية البساطة: فقط أجلس ومعي أوراق وقاموس وأبدأ العمل. ويقتصر العمل التمهيدي علي قراءة الكتاب. ربما تكون قراءة الكتاب قبل وقت طويل من ترجمته، ويكون ضبابيًا إلي حد ما في رأسي، ولكنه مفيد من ناحية أخري وفق خبرتي. يجب أن أعترف أنني قرأت بعض الروايات للمرة الأولي أثناء ترجمتها. في الغالب لا أقوم بتغييرات كبيرة أثناء المُراجعة، يقتصر الأمر فقط علي بعض التعديلات الطفيفة. أظن أن هذا يدعم فكرتي عن الترجمة باعتبارها قراءة دقيقة؛ أدق قراءة ممكنة. حين أعمل علي كتاب، فإنني أحاول العمل بأقصي سرعة، وأفهم المعني جيدًا حتي أستخدم المسودة الأولي بثقة. إذا استعصت عليّ جملة، فأتركها لكي أتعامل معها في وقت لاحق. يوفر هذا الوقت بالنسبة لي، ويجعلني أدفع بعدد كبير من الصفحات إلي الكاتب بانتظام. أتوقف بعد عشرين أو ثلاثين صفحة لأعيد الصياغة. أعمل في تلك المرحلة ببطء، وأبحث عن معاني الكلمات التي لا أجدها في القاموس، وأحاول العثور علي حلول أبسط لبعض الفقرات المُضطربة التي تركتها خلفي من قبل. أعتقد أن هذه المراجعة تكون أقرب إلي المسودة الأخيرة. أترك بعض الأسئلة للكاتب هنا وهناك لكي يجيب عنها. يسألني البعض من يكتب لي الترجمة علي الآلة الكاتبة. وجود من يكتب علي الآلة الكاتبة يجعل العملية بطيئة وتسودها الفوضي؛ حتي وإن كان قريبًا مني طوال الوقت. هناك سبب آخر يجعلني أكتب أعمالي علي الآلة الكاتبة، وهو إجراء بعض التغييرات أثناء إعداد النسخة النهائية. هذا يجعلني أعيد صياغة بعض المفردات.
كم تستغرق في ترجمة عمل ما تقريبًا؟
لا يمكن الإجابة بدقة علي هذا السؤال. تتنوع الظروف الخارجية في كل حالة: الواجبات الأكاديمية، السفر، المرض، زراعة البازلاء، إلخ. تتنوع كل هذه الأشياء من أسبوع إلي آخر، وبالطبع تؤثر علي ترجمة الكتاب. أتمني وجود مقياس للترجمة يمكنه قياس الوقت الذي أستغرقه في العمل بالساعات. لا أحاول الانشغال بهذا الأمر حتي لا يؤثر علي شعوري بالراحة. لا أتوقف وأفكر في الوقت الذي استغرقته إلا إذا كان هناك موعد نهائي مع الناشر. وعند الاتفاق أضع في اعتباري مشاغلي اليومية.
هل تتفق معي أن مترجم النثر لديه حرية أكبر في العمل من مترجم الشعر؟
هذا أمر يختلف من شخص إلي آخر، ويصعب الحكم عليه. أعتقد أن كل مترجم لديه طريقته، وأدرك هذا في الحلقات الدراسية التي أشرف عليها؛ إذ لا تتطابق ترجمة الطلاب لنفس العمل. ما يمكنني قوله أن لدي أسلوبي الذي أفضله، وأستوعب في نفس الوقت أساليب الآخرين. أعتقد أن ترجمة النثر يجب أن تكون في نفس دقة ترجمة الشعر في الالتزام بالأصل الذي أنقل عنه، بل وأعتقد أن العكس هو الصحيح: أعتقد أن الشاعر لديه مرونة أكثر مع الكلمات حتي يتمكن من الحفاظ علي شكل القصيدة.
أي الروايات التي ترجمتها ووجدت فيها صعوبة كبيرة وتحديات؟
من الصعب تحديد رواية واحدة بها الكثير من التحديات. ربما كانت رواية »‬الجنة» هي أصعب رواية من الأعمال المنشورة، ولكن هناك رواية لم تُنشر بعد بالإنجليزية، واجهات فيها تحديات كبيرة، وكانت مراوغة للغاية؛ وهي رواية »‬المؤسس» للكاتبة البرازيلية »‬نيليا بينيون». أسلوبها شخصي جدًا، ومرتبط باللغة البرتغالية بطريقة تجعل من الصعب نقله إلي الانجليزية. لقد أتقنت أسرار اللغة البرتغالية واستخدم جماليات لغوية أكثر من أي كاتب آخر يكتب بتلك اللغة. لا أري أن هناك كاتباً آخر استطاع التعبير بهذه الطريقة سوي »‬جيمس جويس» (وهي لا تنتمي إلي مدرسة جويس).
وما هي أسهل رواية قمت بترجمتها؟
»‬خريف البطريرك» هي أسهل رواية قمت بترجمتها علي الإطلاق. كان العمل فيها مُمتعًا، كأنني أستمتع بالقراءة.
أثارت إحدي مقالاتك قضية أولوية الدقة أم تدفق السرد لكي تحقق التأثير المطلوب، هل واجهت هذا السؤال عمليًا في أي من الروايات التي ترجمتها؟
أحرص علي إقامة توازن بين الدقة وتدفق السرد. لا يمكن أن أضحي بأحدهما علي حساب الآخر. بصراحة، لم أواجه تلك المشكلة كثيرًا، علي الأقل بوعي. قد يجد الناشر بعض الجمل التي لا تتماشي مع اللغة الإنجليزية؛ ويعني هذا أن الدقة أثرت علي تدفق السرد، ولكني لا أفعل هذا عن قصد، إنه أمر يحدث عرضًا.
هل واجهت تلك المشكلة مع بنية الجملة غير التقليدية في رواية »‬خريف البطريرك»؟
كلا، لم تكن مشكلة كبيرة في الرواية. لقد ترجمت الرواية بنفس الطريقة التي ترجمت بها كل أعمال ماركيز، وكنت أقرب إلي الترجمة الآلية. من المميزات الكبيرة لنثر ماركيز أنه يقود الترجمة بسهولة بالغة. وكثيرًا ما أتوقف أمام بعض العبارات أثناء المُراجعة، فأجدها مناسبة، ولا يمكن التعبير عنها بالانجليزية بطريقة أخري. أعتقد أن الدقة تتوافق في أغلب الحالات مع تدفق السرد، ومع الوضع في الاعتبار القدرة علي الانتقاء من بين المُترادفات. وفي تلك الحالة يبدو القاموس هو الحل الأمثل، بالإضافة إلي سرعة البديهة. أعتقد أن مشكلة الدقة/ التدفق أوضح في ترجمة الشعر، ولقد واجهت القليل منها رغم أنني قمت بالمراجعة. في بعض الحالات يكون المُترجم شاعرًا، ولا يستطيع كبح الشاعر بداخله أثناء الترجمة، فيضر برسالة الشاعر الأصلي. أعتقد أن مسألة الدقة لها علاقة بالوعي، بينما التدفق له علاقة بالغريزة. أظن أن هذا الأمر بمثابة وجبة دسمة للبنيويين الذين يتصارعون حول هذا السؤال طوال الوقت. ولكن كالعادة، لا يمكن تطبيق النظريات العلمية أحيانًا في أرض الواقع؛ وهو الترجمة في هذه الحالة.
أشرت من قبل إلي أن ترجمة الحوار في رواية أصعب من ترجمة الحوار في مسرحية، لماذا؟
لا أتذكر علي وجه التحديد ماذا كنت أعني من قبل حين قلت هذه العبارة. أظن أنني كنت أعني أن المخرج والمُمثل يمنحون الحوار حياة، بينما علي الكاتب (وبالتالي المُترجم) أن يفعل هذا علي الورق فقط. لدي مشكلة مع بعض الكتاب الذين يُسقطون الحروف أو يختصرون الكلمات للتعبير عن التنوع الطبقي أو الجغرافي. الكاتب المسرحي يعتمد علي الممثل في توضيح هذا الأمر. هذه الاختصارات تمثل صعوبة أثناء الترجمة. لا اعتمد في تلك الحالة علي التقنيات التي استخدمها المؤلف، بل أعتمد علي خيال القارئ. علي المترجم أن يتمتع بالمرونة حتي لا يضر العمل بسبب طريقة ترجمة الحوار.
أظهرت نفاذ صبر تجاه نقاد الترجمة في مقال لك عام 1970، أما زلت عند رأيك؟
لم أكن شديد القسوة علي نقاد الترجمة في الواقع، ولكن الناقد غالبًا ما يقع في مأزق: سوف يتتبع التفاصيل في بعض الحالات؛ أي أنه سيهتم بالشجرة ويُغفل الغابة. ولقد وجدت في أغلب الحالات أن ما يقوله الناقد حقيقي: هناك بالفعل خطأ، ربما كان بسبب الجهل أو الإهمال. حين يركز الناقد علي مثل هذه الأخطاء، فإنه يُهدر وقته، لأنها أخطاء بلا قيمة. هذا النوع من النقاد؛ الباحث عن الأخطاء، يكون في الغالب أكاديميًا، ومنغمسًا في اللغة لدرجة لا تجعله يستطيع تقديم العمل بالكامل. وهناك نوع من النقاد يتغافل المُترجم تمامًا ويتعامل مع الرواية كأنها مكتوبة باللغة الإنجليزية؛ وهذه أشياء تتسبب في زيادة شعور المُترجم بالاضطهاد.