رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

القصة الحقيقية لـ«قواعد العشق الأربعون»


ممدوح فرّاج النّابي
9/23/2017 1:35:59 PM

في أحد الحوارات التي أجرتها أليف شفق الكاتبة التركية لمجلة »باريس ريفيو»‬ سُئلت: »‬هل في رواية قواعد العشق الأربعون، أيّة ثيمات تخصُّ تأريخَك الشّخصي؟»لم تجب شفق عن السؤال الموجّه إليها، بل قدمت إجابة مائعة بعيدة عن السؤال فذكرت ما تمثله كتابة الرواية لها من أنها رحلة جوانيّة، ثمّ ضربت مثالاً بعلاقتها بالتصوف. لم تيأس المحاوِرة فسألتها صراحة: »‬ثمة شعور بأن الروائيين يميلون دومًا إلي إسقاط بعض أوجه شخصياتهم علي الشخصيات الروائية التي يخلقونها. هل مثّلت إيلّا مقطعًا زمنيا ما في حياتك؟» لم تجد شفق مناصًا فأجابت: »‬لا تحصل الأمور هكذا، كتابة الرواية بالنسبة لي ليست بالضرورة كتابة عني وعن جوانب من تأريخي الشخصي، وأقول بكل صراحة لست بتلك المولعة بتاريخي بل الحق أنني أَجد لذة كبيرة في أن أتصوّر نفسي وقد استحلتُ شخصية أخري. عندما أكتب رواية ما أتوقف عن التفكير بكينونتي الذاتية وأري نفسي تسافر وتحلّ في نفوس أشخاص آخرين، وهذا التقمص مسألة أساسية في فن الحكي القصصي، وإن هذه التجربة الوجودية هي ما يبهجني أكثر من الحكي عن نفسي، وهذا هو السّبب في عدم اعتبار أعمالي رواية سيرة ذاتية»

لقاء بالمصادفة
لا شك أن ما ذكرته شفق صحيحًا من الناحية النظرية فتجربة حياتها أفردت لها مساحة كبيرة في مذكراتها »‬حليب أسود»، لكن مَن يقرأ نصوص أليف علي تعدُّدها يكتشف أنها لم تتحدث عن تجربتها الشخصيّة، بقدر ما تحدثت عن كسر تقاليد المجتمع الذي مازالت آثاره عالقة في اسمها الذي يرفض الانتساب إلي الذكورة، ومن ثم صارت تنتصر لذاتها عبر شخصياتها المتعدّدة. وهذا ما تحقّق في علاقتها بزوجها الصحفي أيوب جان.
هي أليف شفق الكاتبة التركية المولودة في 25 أكتوبر 1971 في ستراسبورغ (صاحبة قواعد العشق الأربعون وشرف وقصر النمل ولقيطة إسطنول وحليب أسود، وأخيرًا بنات حواء الثلاث) وهو أيوب جان صحفي يعمل في صحيفة راديكال التركية، من مواليد عام 1973 بمدينة أضنة التركية، دَرَسَ الاتصالات في جامعة إسطنبول، ثم أكمل دراسته العليا في جامعة هارفارد لدراسات الشرق الأوسط، أوّل عمل له كان في صحيفة الزمان وهي تتبع جماعة »‬حركة». جمعت بينهما الصدفة في لقاء بعد عودة طارئة لشفق إلي إسطنبول بعد انتهاء فصل دراسي لها في أمريكا، كانت الزيارة مُحدَّدة الوقت وأيضا الأعمال، حيث توقيع عقود روايتها الجديدة، وحضور حفلات التوقيع، كانت الزيارة هذه المرة مختلفة منذ أن استقبلتها المدينة بحركة زيادة تتسم بها المدينة في شهور الصيف، ما إن هبطت الطائرة بها في مطار أتاتورك، حتي داهمها دوار السفر، لكنها أجرت اتصالا هاتفيا بصديقة لها، عبّرت عن سعادتها بوصولها، وعلي الفور تمّ دعوتها للقاء في إحدي حانات المدينة القديمة للاحتفاء بوصولها، لم تكن من عادة شفق أن تشرب إلا كنوع من استعادة صفاء الذهن. تحت ضغط الصداع ذهبت إليف وهناك التقت صديقتها إلي جانب بعض الأصدقاء الآخرين، لم تكن في حاجة إلي التعارف فجميعهم علي معرفة مسبقة، ما عدا شابًا بشعر داكن ومتموِّج وابتسامة خافتة، قدّم نفسه باسم أيوب.
النظرة الأولي
طيلة الجلسة التي امتدت لساعات الصباح الأولي لاحظت شفق أنها أعارته اهتمامًا كبيرًا، كانت في أول الأمر تنظر له بحذر، ثم تحول إلي فضول. أقرت شفق فيما بعد أنه»‬كان يُجسِّد لها كل ما هربت منه طيلة حياتها، الصبر الصافي، التوازن المحض، العقلانية المتزنة، التناغم الأنيق، الهدوء الشفاف. أنه صياد سمك بالفطرة، علي حد تعبيرها». منذ أول جلسة قالت: »‬لم أكن أُعجب به، بل كنت أسقط في حبه كليّا». حاولت أن تخفي مشاعرها التي بدأت تقفز من داخلها، إلي الطاولة، جاهدت وأسرفت في الشراب، إلي أن جاء الخلاص من أحد الجالسين، بغية لكسر ملل الجلسة، فاقترَح أن يقول كل واحد منهم أجمل اقتباس عن الحب، بدأ الجميع بعبارات عن شكسبير وعن ألبرت أينشتاين، ومارك توين، بعد كل عبارة كانت تقابلها حفاوة وتصفيق حادّ من الجميع وعبارات ثناء من قبيل: (برافوووو، مرة أخري،...) وكانت عيناها علي عينَي أيوب اللتيْن كانتا تُشعان بريقًا، وجاء الدور عليها. صمت الجميع في انتظار عبارة شفق عن الحبِّ. صمتت، ثم نطقت: »‬هل وقعتَ مرة في الحبّ؟ إنه مريع، أليس كذلك؟ يجعلك هشّا تمامًا، يفتح صدرك، ثمّ يفتح قلبك، وهذا يعني أن أحدهم يستطيع أن يدلف هناك ويعبث بك. يا للحماقة!»
لم يُبدِ أحد من الجالسين جوابًا بعد انتهائها، كان الكلُّ مُندهشا. قام البعض بالسُّعال مُدعيّن أن هناك شيئًا عالقًا في حلوقهم، وبعضهم تصنّع ابتسامة، لكن لم يرفع أحدهم نَخبًا كما حدث مع عبارات السّابقين. قطعتْ صمتهم وحيرتهم قائلة:»‬هذا اقتباس من »‬نيل غايمان»» لكن ظل الصمت عالقًا ومهيمنًا، فأسرعت قائلة: »‬ساندمان، ستاردست، مقبرة الكتب، هل تذكرون؟». ظل الصمت هو المسيطر علي الوجوه. أكملت الاقتباس بلا مبالاة:
- »‬تصنع درعًا كاملاً كي لا يستطيع أحدُ أن يَجرحك، وبغتة يأتي شخص أخرق، لا يختلف عن أي أحمق آخر، يأتي ويتجوّل في حياتك كما يشاء.... يا للغباء!»
ران المكان صمتٌ لا يقطعه إلا أصوات الكؤوس عندما تغادر الفم فارغة وتصطدم بالمائدة أو أصوات النُّدُل الذين يوزِّعون أنظارهم في اتجاه الطاولات وكذلك كلمات Evet(أي نعم). شعرتْ أليف وقتها بأنها أفسدت نشوة الخمر التي شربها الجميع، لكن وبينما تفكّر في لوم نفسها، جاءها المدد من أيوب ذلك الصحفي الذي تعرفت عليه لأول مرة في الجلسة، عبْر نظرة امتنان، وهزة من رأسه.
انتهت الليلة، وغادر كل شيء منها ما عدا صورة أيوب.
إغواءات الحُبّ
في إحدي المرات تساءلت أليف شفق تعليقًا علي نموذج بطلة رواية الأديبة التركية خالدة أديب أديوار »‬المهرج وابنته»، وخالدة واحدة من الرعيل الأول من الأديبات التي دافعت عن تساوي الجنسين وعملت علي تطوير حيوات النساء. خلقت في وقت مبكّر صورة مغايرة للمرأة التركيّة فجعلت بطلة روايتها تغيّر ثيابها لترتدي بيجامة نوم ثم تذهب إلي السرير حيث ينتظر زوجها. كان نموذج »‬رابية» بطلة الرواية نموذجا جديدا علي المجتمع التركي المُحافظ، بل نموذج يضاهي نورا بطلة إبسن التي صفقت الباب في بيت الدمية. هنا »‬رابية» صفقت التقاليد البالية.
كانت شفق تتساءل:»‬هل سيأتي اليوم لكي ترتدي ملابس تُبرز الصدر، أو تنانير قصيرة أو حتي تُطلي شفتيها بلون الأحمر؟». لم تكن تتوقع أن تساؤلاتها هذه ستتحقّق ذات ليلة وبفضل أيوب نفسه. في ذات ليلة اتصلت بأيوب لكي يَلحق بها في مطعم لتناول الأسماك علي البوسفور. كان المطعم مُميَّزًا. لكن كل ما كانت عليه أليف مميزًا أيضًا، فقبَل الموعد ذهبت إلي محل تصفيف شعر، وصبغت شفتيها باللون الأحمر القاني، ثم ارتدت فستانًا أسود عاري الصدر وضيقا جدًّا، وحذاء ذا كعب عال. كانت سبقت أيوب في الذهاب. وعندما حان الموعد اختفت في الحمّام، حتي رأت أيوب يدخل، ولمَّا جلس علي المائدة المحجوزة من قبل خرجت. ولكنها ألقت بنظرة أخيرة في مرآة الحمّام علي شكلها. أَنْكرت ما فعلت. لكنها كانت تستجيب لإغواء جديد تركت نفسها له. نادت علي النادل ليأخذ بيدها حيث يجلس أيوب. كانت علامات الخجل بادية عليها، جلستْ وطلبتْ من أيوب ألا ينظر لها، بل سألته أن يستدعي النادل ليحضر لها غطاء مائدة تغطي بها صدرها. أدرك أيوب ما اعتري شفق من تغيّر. فطلب منها:
- »‬أن تأخذ نفَسًا عميقًا من الداخل، وتسترخي علي المقعد.»
استجابتْ شفق وبدأتْ تَشعرُ بتحسّن، علي عكس ما كانت عليه قبل جلوسها.
كان أول مرة يخفق قلبها بسرعة يوم أن ألقي اقتباسه في لعبة التسلية في ليلة اللقاء الأوّل حيث قال:
- »‬عندما تحاول اصطياد الحبّ، قامِر بقلبك، لا بعقلك»
وكان اقتباسه من مارك توين.
كان باديًا علي اقتباسه رمي الصياد، وهو ما أشعر الجميع بنشوة فابتسموا له، وحيّوه برفع الأنخاب احتفاء باقتباسه.
بعد مرور عام بالتمام علي لقاء الحانة. كانت شفق وأيوب جالسيْن في السُّوق الكبير (Büyük Pazar)
وأثناء التجول، سألها أيوب، وسط الضجة الصاخبة من البازار قائلاً:
- حبيبتي، كنتُ أتساءل، أما زلتِ ضدّ الزواج؟!
قالت: طبعًا لا أزال.
ثم أردفتْ:
»‬نظريا علي الأقل!»
قال لها في حيرة: »‬ما الذي تعنيه بالضبط »‬نظريا» هذه؟»
حاولت أليف الشّرح، لكنها أسقطت في الفخ الذي كانتْ تهرب منه، كانت توَدّ أن تقدّم إجابة فلسفية، تهرب به من الإجابة، فإذا بها تقول له صراحة:
- »‬لستُ ضدّ أن نتزوج أنا وأنت، علي سبيل المثال.»
هكذا نطقت بها أليف، طلبتْ الزواج مِن أيوب جان، وهو في مشهد لا يُصدّق، فما كان منه إلا أن ضَحِكَ، ثمّ تظاهر بالجدّ وقال لها:
- »‬أظن أنكِ للتو قُمْتِ بأكثر طلب عكسي للزواج استقبله رجل من امرأة عبر التاريخ؟»
نظرتْ إليه: وقالتْ: أقلتُ هذا حقًا؟
قال: تستطيعين بالطبع أن تتراجعي عن ذلك.
وأكمل »‬لكنني لن أتراجع أنا».
قالت: »‬لقد قلتُ ما كنت أشعُرُ به حقا».
- »‬أريد أن أسألك أن تتزوجني!».
ثورة علي التقاليد
إصرار شفق علي أن تخالف عادات المجتمع الإسلامي لم يكن من قبيل التمرد عليه، بقدر ما هو تأثُّر بثقافة مغايرة كانت تبحث عن تأكيد الهوية، التي سُلبت منها منذ طلاق أبويها، وهي طفلة صغيرة، وهو ما جعلها ترفض الانتساب لعائلة أب ذكوري لم يهتم بها. تأثير حادثة الطفولة كان سببًا لأن تجد في كتابات خالدة أديب أديوار، النموذج علي التمرد علي هذه التقاليد. بل سعت إلي تطبيقه دون أن تشعر. فمشهد الفستان عاري الصدر والملابس الملتصقة وهي ذاهبة لموعد جان خير دليل. لكن أخطر هذه الأفكار أنها انعكست دومًا في كل أعمالها، بل إنها جعلت واحدة من أهم رواياتها والتي تسببت لها في مشكلة كادت أن توقع بها رهينة الحبس، ألا وهي »‬لقيطة إسطنبول»، حسب الترجمة العربية، لكنها بالتركية كان عنوانها (Baba ve Piç) أي »‬ولد غير شرعي» أو»‬ابن زنا» في تغريب لهوية الأب، وكان العنوان العربي أكثر تعبيرًا عن التيمة التي طرحتها أليف.
 لا يمكن فهم حكاية لقيطة خارج سياق تجربة أليف ذاتها، فنموذج الأم التي وفرَّت لها سُبل التحرُّر من كل قيود البطريركية، تتحول إلي النقيض تمامًا، فتحوّل قائد البيت إلي شخصية عنيدة وفي أحيان قامعة، وهو ما ظهر في ملامح وجوه الفتيات فدائما نظراتهن زائغة وحذرة منقادة بشعور رهيب من أنها يجب أن تكون أكثر صرامة. حكاية الابنة اللقيطة تمررها في أعمال أخري ففي روايتها »‬قصر الحلوي» التي ترجمها محمد درويش عن دار الآداب 2016، ترجع لها من جديد، فالقصر الذي أخذت الرواية عنوانه شيّده مهاجر روسي بافيل بافلوفيتش أنتيبوف، لزوجته أغريبينا فيودروفنا أنتيبوفا، بعدما لازا (الزوجان) وآلاف من الروس بإسطنبول هربًا بعد الثورة البلشفية، وعملا في أعمال دنيئة بعدما ضَاع ما لديهما مِن أموال، وما إنْ فَقَدَا طفلتهما قبل أن يحتفلا بعامها الأوّل، حتي هاجرا إلي فرنسا بعيدًا عن شُرور إسطنبول، وهناك ساءت حالة الزوجة فأدخلها في دار للرعاية، وقد ارتبط هو الآخر بفتاة تصغره بعقود، وحصل منها علي طفلة غير شرعيّة، لكن بعد فترة من الزمن تَطْلُبُ منه أن يعيدها إلي إسطنبول مرّة ثانية ويعودان معا ويبني لها قصر (بونبون)، وهو يحمل الاسم الذي كانت تريده لابنتها. في الرواية ثمة شيئان تعود بهما شفق إلي ماضيها دون مباشرة، حكاية الفقد، وحكاية التكريم الذي افتقدته؛فالأب يُكِّرم ابنته بقصر. وهو ما عملت عكسه شفق حيث جردت الأب من نسب الانتساب إليه، وكرمت الأم، في عقاب عكسي علي ما فعل.
كان زواج أليف وجان بعد صدور روايتها الأولي »‬الصوفي»، لكن تأثير هذا الزواج أقصد ما قبله من عشق وهيام، جعلها تقلع عن عهدها بعدم الزواج وهو ما عرّضها لحملة انتقادات من جمهورها، صار مَلمحًا لكل أعمالها، فروايتها الشهيرة بالعربية »‬قواعد العشق الأربعون»، والتي ترجمها إلي العربية، خالد الجبيلي عن دار طوي عام 2012. جعلت من بطلة الرواية »‬إيلّا روبنشتاين» عاشقة علي الرغم من أنها زوجة وأمّ لثلاثة أطفال، لكنها كانت تعيشُ حياة نَضَبَ فيها الحبُّ مع زوجها ديفيد في مدينة نورثامبتون ببوسطن، مِن جَرَّاء كثرة خياناته، ينتابها السَّأم من كلِّ شيء حتي المطبخ الذي تجد فيه عشقها. بعد أن تأتيها وظيفة جديدة كمحرِّرة أدبية في دار نشر، وما إن تصلها أوّل رسالة من عزيز حتي يحدث التحوُّل في حياة الزوجة، وهو التحوّل الذي يشبه تحوّل بطلة باولو كويلو »‬الزانية» ليندا التي كانت في العقد الثالث من عمرها، وزوجة لرجل ثري وأم لولدين، لكن في لحظة جفاف الحب؛ تبحث كنوعٍ من المغامرة أو التشويق إلي التجديد بكسر حدة ورتابة هذه الحياة وتغيير نمطيتها، فتلتقي مُصادفة بحبيبها القديم في المدرسة »‬جاكوب كونيش»، وقد صار سياسيًّا ومرشحًا لمجلس الولايات. فتجدّد الماضي القديم الذي لم يتجاوز القُبْلَةَ بينهما، إلي علاقة حَميمة، تصل إلي نَزق الجنون أثناء مُمارستهما في مكتبه. الغريب أن البطلتين عادتا عن طيشهما، احترامًا للأسرة، وهذا تأكيد علي معني العائلة الذي احتفت به أليف في أعمالها .
لا توجد مناسبة إلا وَتُدَلِّل فيها أليف علي عشقها لأيوب، وهو ما جعلها تكثر من شكره في نهاية كل أعمالها، ومن هذا ما وَرَدَ في نهاية رواية (إسكندر) شرف: »‬وإلي أيوب، الزوج والحبيب وجوهر الصبر والحكمة». قدمت أليف الجواب عن سبب هذا العشق المجنون لزوجها دون أن يسألها أحد. هكذا ورد في حوارها مع مجلة باريس ريفيو:»‬فقد تحدَّرت أُسرتي من جذور عائلية تخضع لنظام بطريركي نموذجي كان هو السائد في تركيا لسنوات طويلة، ونشأتُ أنا تحت رعاية أُمّ تدير أمور العائلة بمفردها وقضيت كثيرًا من الأوقات مُحاطة بالنّساء: الجدّة، العمّات، الجيران، ولم يكن ثمّة أب في البيت لذا كانت لي معرفة مُبكرة بكل الخبرة الثمينة التي تخترنها النساء في حيواتهن. فكن متصلبات وقامعات لبناتهن بغرض حمايتهن من التأثيرات المؤذية للمجتمع البطريركي».
في الخلاصة عوّضَت أليف فقدان الأب بعشقها لجان، وعندما طلبت يده في السوق الكبير، لم يكن خروجًا عن النسق الاجتماعي بقدر ما كان تمردًا علي الصفة البطريركيّة التي إذا أرادتَ شيئًا تطلبُه، وهو ما ترجمته بطلات روايتها الأخيرة بنات حواء الثلاث» ناز بيري نابلنت أوغلو، التركية التي نشأت في جو ليبرالي، ومني المصرية الأمريكية الجنسية القادمة من واقع منقسم علي ذاته، فالأب متحرر والأم متدينة، والثالثة شيرين الإيرانية التي عاشت في أسرة عانت من المنافي بسبب حكم الملالي. فبحثن الثلاثة عن الحرية بمفهوم ذاتي، وصل إلي حد إنكار إحداهن الإله (شيرين الإيرانية) ليصلوا إلي اليقين عبر الدرس وأستاذ الفلسفة »‬أزور».
أليف شفق واحدة من الأديبات التي تعترف أنّها دائما مرتحلة لكنها مُحبّة لعائلتها وتبذل قصاري جهدها للتواصل معها. العجيب أن هذا الارتحال وعدم الاستقرار انعكس علي شخصيات بطلاتها جميعًا، فهن في حالة ارتحال دائم.