رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

حكاية خطاب وامرأة أُمِّية


قصة: ميخائيل زوشينكو ترجمة: د. أنور إبراهيم
9/30/2017 12:03:44 PM

في مدينة لننجراد عاشا معاً زوجا وزوجة. كان الزوج موظفاً سوڤيتياً مسئولاً، في أواسط العمر، قوياً، مثقفاً، نشيطاً، مخلصاً للقضية الاشتراكية وهلم جرا.
وعلي الرغم من بساطته، ومن كونه ريفيا، وأنه لم يتلق في ذلك الوقت تعليماً عالياً، إلا أنه خلال سنوات وجوده في المدينة كان ملماً بكل صغيرة وكبيرة ويعلم الكثير عن الأمور الجارية. كان باستطاعته أن يلقي خطباً في أي جمع. بل إنه كان قادراً تماماً علي الدخول في جدل مع علماء في شتي التخصصات، من الفسيولوچيا إلي الكهرباء.
أما زوجته، بيلاچيا، فكانت امرأة أمية، وكان يشعر بالأسي عندما يري الأمر علي هذا النحو، كان يعاني ولا يعرف السبيل للخروج من هذه المصيبة، وخصوصاً أنه كان مشغولاً بشدة، وليس لديه فسحة من الوقت تكفي لإعادة تأهيل زوجته.
كان يقول لها:   
 ــ آه بيلاچوشكا العزيزة، لو أنك تعلمت بأي شكل القراءة أو حتي مجرد كتابة اسمك، إن بلادنا تخرج شيئاً فشيئاً من ذلك الظلام الأبدي، من الجهل. إننا نمحو الأمية ونقص المعرفة في كل مكان. وإذا بزوجة مدير مصنع الخبز لا تستطيع القراءة والكتابة، ولا تفهم المكتوب! وأنا لا أُطيق صبراً علي هذه المعاناة.
كانت بيلاچيا، بطبيعة الحال، تجيب علي ذلك بإشارة من   يدها قائلة:   
ــ آه يا إيڤ ان نيكولايڤيتش. ولِم تجهد نفسك في هذا الأمر؟!
ليست لديًّ القدرة علي ذلك بأي حال. لقد فات الأوان وها هي سنوات عمري تنقضي عاماً وراء الآخر، وشبابي يذوي، حتي يدي لا تطاوعني علي الإمساك  بالقلم. ولماذا أتعلم وأزعج نفسي بالحروف؟ دع الرواد الشباب يتعلمون، أما أنا فسأعيش حتي الشيخوخة علي ما أنا عليه.
كان زوج بيلاچيا يتنهد في أسيً بطبيعة الحال ويقول:    
ــ آخ، آخ يا بيلاچيا مكسيموڤنا!...
ومع ذلك فقد أحضر إيڤ ان نيكولايڤيتش معه ذات يوم إلي المنزل كتاباً مدرسياً.
ــ بوليا، ها قد أحضرت لك أحدث مُعلم ذاتي للقراءة وضعوه وفق أحدث المواصفات العلمية. أنا بنفسي سوف أشرحه لك. أرجوك لا تعارضيني.
ضحكت بيلاچيا بينها وبين نفسها في هدوء. تناولت منه كتاب الأبجدية، قلبت صفحاته ثم أخفته في دولاب صغير: دعه هنا، لعله ينفع يوماً ما أحفادنا.
ذات يوم جلست بيلاچيا للعمل. كان عليها ان تصلح من أمر معطف إيڤ ان نيكولايڤيتش، الذي اهترأ أحد أكمامه.
اتخذت بيلاچيا مكانها إلي المائدة. تناولت الإبرة. دست يدها داخل المعطف ـ شيئاً ما أصدر حفيفاً.
»لعلها نقوداً؟»‬ هذا ما خطر ببال بيلاچيا.
نظرت فإذا هو خطاب. مظروف نظيف، أنيق، نُضِّدت عليه حروف دقيقة، تنفذ منه رائحة عطر أو كولونيا.
خفق قلب بيلاچيا بشدة.
»‬معقول، إيڤ ان نيكولايڤيتش يخدعني؟ معقول أنه يتبادل خطابات عاطفية مع سيدات فضليات ويسخر مني أنا الغبية الأمية؟»... هذا ما دار برأسها.
تفحصت بيلاچيا المظروف، استلت الخطاب، فضته، لم تفهم شيئاً لكونها أمية.
وللمرة الأولي في حياتها تشعر بيلاچيا بالأسف لأنها لا تستطيع القراءة.    
»‬ليتني أعرف فقط ما يحتويه هذا الخطاب الغريب. ربما بسببه تنقلب حياتي رأسا ً علي عقب، وعندئذ يكون من الأفضل لي أن أعود إلي القرية, فأعمل بالفلاحة».
راح بركان من جراء الإحساس بالإهانة والكدر يمور في صدرها وتغيًر قلبها من الحسرة.
»‬حتي لو عذبني هذا الخطاب وآلمني و أثار في نفسي الغيرة, فإنني مع ذلك أحب أيڤ ان نيكولايڤيتش بشدة, كم من المخزي ألا يكون باستطاعتي قراءة هذا الخطاب! لو كان باستطاعتي لعرفت علي الفور حقيقة الأمر».
  وانخرطت  بيلاچيا في البكاء، راحت تتذكر مختلف الأمور التافهة الخاصة إيڤ ان نيكولايڤيتش. نعم، وكأني به وقد تغير بالفعل في  الفترة الأخيرة. لقد أصبح يولي شاربه عناية كبيرة فيأخذ في تمشيطه. كما أنه يغسل يديه كثيراً، ويعتمر قبعة جديدة.
  جلست بيلاچيا وراحت تقلب أفكارها، نظرت إلي الخطاب ثم أجهشت بالبكاء. لكنها، بطبيعة الحال ظلت عاجزة عن قراءته، لأنها لم تكن تعرف حرفاً واحداً. كانت تشعر، بالطبع، بوخز الضمير إذا مافكرت أن تعرض الخطاب علي شخص غريب.
  وبعد أن فرغت من بكائها أخفت الخطاب في  دولابها الصغير وأنهت إصلاح المعطف وراحت تنتظر إيڤ ان نيكولايڤيتش.
وعندما عاد زوجها لم تظهر له ما يعتمل في نفسها. بل علي العكس تماماً، راحت تتحدث معه بنبرة هادئة متزنة، بل إنها ألمحت له أنها علي أتم استعداد للتعلم وأنها تشعر بالملل الشديد لكونها امرأة جاهلة وأمية.
أدخل هذا الحديث السرور إلي نفس إيڤ ان نيكولايڤيتش.
ــ ممتاز! أنا بنفسي سوف أقوم بتعليمك.
ــ إذن، هيا علمني! قالت بيلاچيا.
وفي هذه اللحظة ثبتت بيلاچيا نظرها علي شارب إيڤ ان نيكولايڤيتش المنمق المصفف.ومن جديد انقبض قلبها وشعرت في صدرها بالغم والكمد.
  شهران مرا تباعاً وبيلاچيا تتعلم القراءة يوماً تلو الآخر. كانت ترتب الكلمات بسلاسة بصبر بالغ. تكتشف الأحرف وتحفظ الجمل عن ظهر قلب.
وفي كل مساء تُخرج الخطاب المكنون من الدولاب وتحاول أن تفك مغزاه الغامض.علي أن الأمر ظل مستعصياً عليها.
في الشهر الثالث كانت قد أتمت التعلم.
في الصباح وما إن غادر إيڤ ان نيكولايڤيتش البيت متوجهاً إلي عمله، حتي أخرجت بيلاچيا الخطاب من الدولاب وشرعت في قراءته.
راحت تفك الخط الدقيق بصعوبة، بينما كانت رائحة العطر تنفذ إليها من الورقة بالكاد لتدفع بالنشاط إليها.
كان الخطاب موجهاً إلي إيڤ ان نيكولايڤيتش.
قرأت بيلاچيا ما يلي:
الرفيق كوتشكين المحترم
أرسل إليكم كتاب الأبجدية الذي وعدتكم به. أعتقد أن زوجتكم سوف يكون باستطاعتها أن تستوعب ما به تماماً خلال شهرين أو ثلاثة.
عدني يا عزيزي أن تدفعها دفعاً إلي أن تفعل ذلك. أوعز إليها أن كون المرأة أمية هو في الواقع أمر كريه.
الآن، عند حلول الذكري السنوية، سوف نمحو الأمية بكل الطرق في كافة أنحاء الجمهورية، فلماذا ننسي أقرب الناس إلينا.
عدني،  إيڤ ان نيكولايڤيتش أن تقوم بهذا الأمر.
مع التحية الشيوعية. »‬ماريا بلوخينا».
أعادت بيلاچيا قراءة الخطاب مرتين، وشعرت بإهانة جديدة فبكت.
ولكنها عندما فكرت بعد ذلك في إيڤ ان نيكولايڤيتش وأن حياتها الزوجية ما تزال بخير، هدأت نفسها وخبأت كتاب الأبجدية والخطاب المشئوم في الدولاب.
وهكذا وخلال فترة قصيرة تعلمت عزيزتنا بيلاچيا التي كان الحب والغيرة يسوقانها، القراءة والكتابة وأصبحت امرأة متعلمة.
كانت هذه حادثة مدهشة من تاريخ محو الأمية عندنا في الاتحاد السوڤيتي.