رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

ميخائيل زوشينكو..

مطرود من الأدب ومن الواقع


د. أنور إبراهيم
9/30/2017 12:07:32 PM

 
ولد ميخائيل زوشينكو (1894، بطرسبورج  22 يوليو 1958، ليننجراد) في عائلة فنان. وبعد أن أنهي المدرسة الثانوية إلتحق للدراسة بكلية الحقوق بجامعة بطرسبورج، لكنه لم يكمل الدراسة بها بعد أن قضي فيها بضع سنوات ليتركها ويتطوع للذهاب إلي الجبهة، وهناك خاض غمار الحرب في الجيش القديم أولا (وصل في الخدمة إلي رتبة ضابط أركان وقد حصل علي عدد من الأوسمة) ثم استمر بعد ذلك في الخدمة في الجيش الأحمر.
تقلب في العديد من المهن، ومنذ عام 1921 بدأ في العمل بالأدب وكان واحداً من جماعة »الإخوة سيرابيون»‬ وهي جماعة أدبية ظهرت في عام 1921 في بتروجراد أخذت اسمها من أحد أبطال روايات الكاتب الألماني أ. هوفمان، واستهدفت البحث عن أساليب واقعية جديدة مع الأخذ بالتجريب الشكلاني ورفض القوالب وعدم الالتزام بالمذاهب السياسية.
بدأ زوشينكو نشاطه الأدبي بكتابة عدد من القصص القصيرة تتناول الحياة اليومية، وسرعان ما أصبح واحداً من أشهر الكتاب وأكثرهم شعبية لدي جمهور القراء.
 حملت أول قصة له اسم »‬حكايات نازار إيليتش.. السيد سنيبريوخف» (1922) ومنذ هذا التاريخ وحتي عام 1946 أصدر العديد من القصص القصيرة والطويلة والمسرحيات طبعت فيما يقرب من ألف كتاب، ولكنه في الحقيقة لم يصدر علي مدي العشر سنين التالية، من 1946 وحتي 1956، أي كتاب (يعود السبب في ذلك إلي النقد »‬الحزبي» الذي وُجِّه لأعماله).
وتعد أكثر أعماله شهرة (إلي جانب أفضل قصصه التي صدرت في العشرينيات):  »‬الكتاب الأزرق» (1935)، »‬الشباب المستعاد» (1923)، »‬خطابات إلي الكاتب »‬(1929)، قصص للأطفال من سلسلة »‬ ليليا ومينكا»  وكذلك كتابه »‬قبيل شروق الشمس» (1943). وفي الفترة من 1929 إلي 1932 صدرت لزوشينكو »‬الأعمال الكاملة في ستة أجزاء» وقد بلغ عدد النسخ التي صدرت في العشرينيات والثلاثينيات عدة ملايين.
ما هو تفسير هذه الشعبية التي حظي بها زوشينكو؟ لقد وجد الفنان ضالته في موضوع الكارثة الثقافية التي عاشتها الجماهير في سنوات ما بعد الثورة عندما وجدت نفسها فجأة في واقع شديد التغير. وفي سياق سعيه للتأقلم مع الحياة الجديدة، كان بطله يقع دائما في مواقف سخيفة، فكان لسلوكه تأثيرات كوميدية شديدة. لقد استطاع زوشينكو بدقة فائقة أن يخلق سمات لغوية ونفسية للدراما الثقافية التي يعيشها ابطاله، مما جعله فناناً »‬سهل المنال» بالنسبة للقاريء العادي، فنانا أصيلاً علي نحو يصعب تكراره، ومع ذلك فقد كان قدره أن يظل في حالة مقاومة مستمرة للوسط المحيط به، وكان هذا الوسط يتطلب بدوره التكيف والمواءمة من جانب الكاتب نفسه (وهو السبب الذي جعله يتنازل أمام الضغوط التي تعرض لها، وذلك في روايته »‬الجزاء»، التي كتبها عن كيرينسكي، ثم في رواية »‬تاريخ حياة» وهي عن التزييف الذي حدث في قناة بيلومور وما إلي ذلك).
لكن الأمر الأساسي هو أن زوشينكو لم يتنازل عن تقديم الصورة الحقيقية للحياة، متجنباً وضع أية »‬أصباغ» وهو يرسم صوراً للشعب السوڤييتي، ومن ثَم فإن شخصياته قد ابتعدت كثيراً عن التطابق مع الخرافات الدعائية وفقاً للتوحيد القياسي الشمولي للمعايير والأخلاق، ولم يكن من الممكن لكل هذا إلا أن يجعل من الكاتب كاتباً غير مقبول، سهل التعرض للتجريح والإساءة وخاصةً في سنوات ما بعد الحرب، وفي عام 1964 تم طرده من الأدب بشكل فظ، وفي الواقع ، من الحياة ذاتها. لم يبرأ الكاتب، حتي أيامه الأخيرة من الجرح الذي أصابه في عام 1946،وكذلك من القرار الخاص بمجلتي »‬زڤ يوزدا» و»ليننجراد»، الذي لم يتم إلغاؤه إلا بعد ثلاثين عاماً من وفاته.