رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

زمن القليوبي‮ ( ‬17‮ )‬ حارة درب البوارين

كتابة


محمود الورداني [email protected]
6/24/2017 9:54:12 AM

ذكرتُ‮ ‬في الأسبوع الماضي أن هناك ثلاثة بيوت وسطح أحد العمارات،‮ ‬تحملت ضجيجنا ورذالاتنا وأصواتنا العالية،‮ ‬ومباذلنا أحيانا،‮ ‬ومناقشاتنا الحادة التي تصل إلي حد الصراخ،‮ ‬بسبب‮ ‬يقين كل منا بما‮ ‬يقوله،‮ ‬وبسبب السن أيضا وغابة الأسئلة التي كانت مطروحة علينا،‮ ‬خصوصا في أعقاب هزيمة أصابت الروح قبل الأرض،‮ ‬وهي هزيمة‮ ‬67‮ ‬طبعا‮.‬
‮  ‬وإذا كنت تحدثت في العدد الماضي عن بيتنا،‮ ‬بيت الرفيقة نعمات كما كان أصدقائي‮ ‬ينادونها،‮ ‬فسوف أتحدث هنا عن بيت صديقي الشاعر محمد سيف،‮ ‬أحد أقرب الأصدقاء إلي قلبي،‮ ‬كما أن موهبته الاستثنائية والحوشية كشاعر ربطتني به بسرعة‮ .‬لطالما كانت شقة أسرته الضيقة في حارة درب البوارين‮( ‬أي صانعو البواري،‮ ‬والبواري لمن لايعلم طور فقير من أطوار الشيشة‮) ‬لطالما ضمت في حجرة ضيقة كثير من أصدقائه من الشعراء والفنانين في صباهم الباكر‮ : ‬خليل كلفت وسلوي بكر وحسن عبدالغني وعزت عامر وحسنين كشك وغيرهم وغيرهم‮ ‬يدخنون ويزعقون ويبحثون عن طريق للارتباط بالطبقة العاملة،‮ ‬الطبقة الثورية حتي النهاية‮! ‬
كان‮ ‬يمكن الوصول لبيت سيف من ناحيتين‮: ‬من باب الشعرية،‮ ‬أو من شارع الرويعي إذا كنت قادما من باب الحديد أو وسط البلد،‮ ‬ولم‮ ‬يكن مطروحا أصلا أن‮ ‬يكون هناك موعد سابق أو هاتف،‮ ‬سواء بالنسبة لسيف أو لأي من أصدقائنا،‮ ‬ومع ذلك كانت لقاءاتنا منتظمة ودقيقة أيضا‮. ‬
‮  ‬بيت سيف كان بيتنا كلنا وأمه وأشقاؤه وشقيقاته أخوتنا،‮ ‬والشاي جاهز في البراد طوال الوقت‮. ‬وإذا كنت قد كتبت قصة أو قصيدة،‮ ‬فسوف تقرأها وتسمع آراء مفيدة،‮ ‬ومع ذلك ربطت بيني وبين سيف مودة خصوصية،‮ ‬ومن جانبي أحببت شعره جدا،‮ ‬بل وحفظت الكثير من قصائده بمجرد ترديده لها مثل أنشدته لمصر وحبلي وجارتي وحارة درب البوارين وغيرها مما لاأزال أحفظ بعده حتي الآن‮.‬
‮  ‬لا أتذكر كيف عرفت سيف تحديدا،‮ ‬لكنني أتذكر أنه كان قد كتب خطابا لجمال عبد الناصربعد الهزيمة،‮ ‬حين كان متطوعا في الجيش،‮ ‬يعدد له فيه أسباب الهزيمة وأدان بالطبع النظام الحاكم وما إلي ذلك،‮ ‬والنتيجة معروفة طبعا‮: ‬إعتقال وتحقيقات ثم فصل من الخدمة بدون أي حقوق‮. ‬وهكذا خرج سيف ليعمل خراطا في ورشة،‮ ‬وكثيرا مازرته في ورشته،‮ ‬قبل انتهاء دوامه بوقت قصير،‮ ‬ثم أصطحبه لنمارس صعلكتنا،‮ ‬ربما طوال الليل‮. ‬وأتذكر مثلا أن الشاعر الراحل عبد الرحيم منصور كان قد اعتاد التسكع قرب ساعات الصباح الأولي وتناول الشاي في بوفيه محطة مصر،‮ ‬وكانت هناك مودة خاصة تربط بيننا،‮ ‬علي الرغم من أنه لم‮ ‬يكن من جيلنا،‮ ‬أو نحتسي‮  ‬سيف وأنا ومن نصادفه من أصدقائنا‮- ‬ما‮ ‬يتيسر في بارات عماد الدين إذا توافرت النقود‮.‬
‮  ‬كنا نقرأ بنهم مجنون،‮ ‬ونكتب كتابة أكثر جنونا،‮ ‬نحمل علي كاهلينا هزيمة مُنكرة،‮ ‬ولانكف عن البحث عن طريق‮. ‬بطبيعة الحال لم نكن وحدنا،‮ ‬سيف وأنا،‮ ‬نعيش علي ذلك النحو‮..‬كانت تلك طريقة حياة لموجات بدأت من ستينيات القرن الماضي،‮ ‬كل مافي الأمر أن هناك كيمياء خاصة ربطت بيننا‮..‬
‮  ‬كان من الطبيعي بعد ذلك أن أصادفه في شارع طوسون،‮ ‬وهو‮ ‬يقوم بتأمين نفسه،‮ ‬في إحدي أمسيات شتاء عام‮ ‬1970‮ ‬تقريبا،‮ ‬قبل أن‮ ‬يتوجه،‮ ‬مثلما فعلتٌ‮ ‬أنا إلي بيت محمد كامل القليوبي لنحضر أول اجتماع تنظيمي،‮ ‬ومعنا مسئولنا خليل كلفت‮..‬ولكن تلك قصة أحري سأرويها الأسبوع القادم إذا أمتد‮ ‬الأجل‮.‬

تعليقات القرّاء