رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

المدرسة العربية وصناعة ‮ ‬إعاقة اللغة الوطنية


د‮. ‬محمود الذوادي
7/1/2017 11:03:55 AM

قبل إقالته مع‮ ‬غروب شهر أبريل الماضي،‮ ‬تفرج التونسيون والتونسيات‮  ‬يوم الأحد مساء‮ (‬22‮- ‬04‮- ‬2017‮) ‬علي مقابلة مع السيد وزير التربية ناجي جلول دون حضور النقابة‮. ‬كان‮ ‬يمكن للمقابلة أن تمد المشاهد بتوضيحات إضافية لو حضرها عنصر نقابي ملم جيدا بمعالم الاختلاف مع الوزير‮. ‬ومع الأسف،‮ ‬فقد فشل الصحفيان الحاضران في استجلاء مناطق اختلاف الوزير مع النقابة‮. ‬ولمّا سأل صلاح الدين الجورشي الوزير عن طبيعة إصلاح التعليم الذي‮ ‬يطمح إليه أجابه الوزير بسؤال‮ : ‬هل عندك‮  ‬رؤية في الموضوع؟ وهو سؤال‮ ‬يؤكد الغموض الذي‮ ‬يتصف به موقف‮  ‬الوزير في مسألة إصلاح التعليم‮. ‬لكن،‮ ‬كان الوزير واضحا في إصراره علي أهمية أن‮ ‬يعرف خريجو المدرسة التونسية ثلاث لغات‮ (‬العربية والفرنسية والانجليزية‮) ‬انطلاقا‮  ‬من المرحلة الابتدائية‮.‬
مواضيع الاختلاف بين الوزير والنقابة ؟
لا ندري إذا كان موضوع تدريس اللغات في تلك السن المبكرة للتلاميذ موضوع اختلاف بين النقابة والوزير‮. ‬لقد سمعنا عن اختلافات بين الطرفين في قضايا مثل توزيع العطل وتنظيم الدروس‮ ‬يوميا ووو‮...‬وهي مسائل هامشية مقارنة بموضوع تدريس اللغات الأجنبية في المرحلة الابتدائية‮. ‬فالمجتمعات المتقدمة عموما‮: ‬1‮- ‬لا تدرّس أطفالها اللغات الأجنبية في السن المبكرة و2‮- ‬تدرّس تلاميذها وطلابها المواد الدراسية باللغات الوطنية‮. ‬وهكذا‮ ‬،‮ ‬فالتعليم التونسي الحديث قبل الاستقلال وبعده‮ ‬يُعلّم التلاميذ اللغات الأجنبية‮ (‬الفرنسية والانجليزية‮)  ‬في سن مبكرة ثم‮ ‬يدرّسهم أيضا المواد العلمية باللغة الفرنسية في المرحلة الثانوية كما هو الحال اليوم أو‮ ‬يدرّسهم بالفرنسية كل المواد أو معظمها في المرحلتين الابتدائية والإعدادية كما‮ ‬يشهد علي ذلك نظام التعليم التونسي في المدرسة الصادقية قبل الاستقلال وفي المدرسة العمومية التونسية منذ مطلع الاستقلال‮. ‬تفيد التجربة التربوية التونسية قبل الاستقلال وبعده‮  ‬أن خريجي المدرسة الصادقية أثناء الاحتلال‮  ‬ونظام التعليم التونسي الثنائي اللغة في سن مبكرة‮ (‬العربية والفرنسية‮) ‬بعد الاستقلال ليسوا أصحاب موقف سليم مع لغتهم الوطنية‮/ ‬العربية‮. ‬فما هي معايير العلاقة السليمة مع اللغة الوطنية؟‮ ‬
العلاقة السليمة مع اللغة‮  ‬
يمكن القول إن العلاقة السليمة بين الناس‮ ‬ولغتهم تتمثل في أمرين‮: ‬1‮- ‬استعمالهم لها شفويا في كل شؤون حياتهم الشخصية والجماعية و2‮- ‬استعمالهم لها في الكتابة إن كانت للغة حروفها أو إن استعملت حروف‮ ‬غيرها من اللغات الأخري للكتابة‮. ‬ومن المسلمات أن استعمال اللغة بطريقة سليمة‮ ‬يتطلب معرفتها الوافية المتمثلة في معرفة مفرداتها والإلمام بقواعدها النحوية والصرفية وغيرها لاستعمالها بطريقة صحيحة في الحديث والكتابة‮. ‬يمثل‮  ‬هذا السلوك اللغوي الشفوي والكتابي الأرضية الأساسية التي‮ ‬يقيم بواسطتها الأفراد والمجتمعات علاقة سليمة مع اللغة الأم أو اللغة الوطنية في المجتمع‮.‬
طبيعة العلاقة الحميمة مع اللغة‮    ‬‮  ‬وتنشأ عن هذه العلاقة السليمة مع اللغة ما‮ ‬نسميها العلاقة الحميمة مع تلك اللغة والتي تتمثل أساسا في المعالم التالية‮: ‬حب للغة والغيرة عليها والدفاع عنها والاعتزاز بها.اعتمادا علي تلك الملاحظات عن‮  ‬العلاقة السليمة مع اللغة،‮ ‬يصدق القول إن الشعب التونسي ليس له علاقة سليمة لا مع العربية الفصحي‮ (‬اللغة الوطنية‮) ‬ولا مع عاميتها العربية‮. ‬فاللغة العربية الفصحي ليست لغة الحديث اليومي بين الناس في المجتمع التونسي ولا هي لغة الكتابة حتي في أبسط الأشياء مثل كتابة الصكوك المصرفية/الشيكات‮. ‬أما علي المستوي الشفوي،‮ ‬فالعامية العربية التونسية‮ (‬الدارجة‮) ‬حبلي بالكلمات والعبارات الفرنسية‮. ‬ومما لاشك فيه أن استعمال القليل أو الكثير من هذه الكلمات‮ ‬يسبب إعاقة للغة العربية/الوطنية‮.‬
إعاقات اللغات
‮ ‬فاللغات البشرية تتعرض إلي الإصابة‮ ‬بالإعاقات،‮ ‬لأنها كائنات حية لا تكون دائما في حالة سليمة لأسباب مختلفة.فمجيء لغة أجنبية،‮ ‬مثلا،‮ ‬إلي المجتمع ومنافستها للغة الأم/الوطنية في عقر دارها‮ ‬يؤدي في كثير من الأحيان إلي إصابة اللغة الوطنية بالإعاقة،‮ ‬كما تبيّن الأمثلة العشرة أسفله حول الإعاقات السلوكية اللغوية لدي التونسيات والتونسيين‮. ‬أي أنهم‮  ‬أي أن لغتهم الوطنية/العربية أصبحوا‮ ‬غير قادرين شفويا وكتابة علي استعمال لغتهم الوطنية/العربية بسهولة طبيعية للتواصل بالكامل بينهم‮  ‬في مجتمعهم‮. ‬إذ أن اللغة،‮ ‬أي لغة،‮ ‬تتعرض للإعاقة إن هي أقصيت من الاستعمال الشفوي والكتابي بدرجة قليلة أو متوسطة أو كبيرة‮. ‬فمثل تلك الإعاقة بدرجاتها المختلفة تشير وتؤكد أن علاقة الناس مع لغتهم أصبحت‮ ‬غير سليمة شفويا وكتابيا‮.‬
الإعاقة اللغوية النفسية
لا تقتصر إعاقة‮ »‬ ‬اللغة‮ » ‬علي الجانب‮ ‬الشفوي والكتابي فقط،‮ ‬بل طالما‮ ‬يقترن ذلك بما نود تسميته بالإعاقة النفسية التي تصيب علاقة المواطنات والمواطنين بلغتهم بحيث تصبح مكانة هذه الأخيرة عندهم ليست هي المكانة الأولي في قلوبهم وعقولهم واستعمالاتهم.فتراهم في كثير من الحالات‮ ‬غير مرتاحين نفسيا في استعمالها علي المستويين الشفوي والكتابي‮.‬ومن ثم،‮ ‬طالما‮ ‬يقترن هذا الوضع بسلوكيات فردية وجماعية تعبر علي الشعور بمركب النقص إزاء استعمال اللغات الوطنية مما‮ ‬يؤدي إلي‮  ‬ضعف الغيرة عليها والدفاع عنها والاعتزاز بها‮.  ‬فكل تلك المعالم السلوكية إزاء اللغات الوطنية تشير إلي وجود أعراض إعاقة نفسية عند أهلها الناطقين بها،‮ ‬وهو ما نسميه إعاقة التعريب النفسي بالنسبة لمن‮ ‬يعتبرون اللغة العربية لغة وطنية أو لغة الأم‮. ‬فخبراء اللغة العربية المكلفون بإرساء خطة لتحسين وضع اللغة العربية في المجتمع التونسي مطالبون بتجاوز المنظور التقليدي التربوي لتعلّم اللغة العربية وتبني بدل ذلك سياسة لغوية كاملة تشمل الجوانب النفسية والاجتماعية التي تعمل لصالح تعلم ومعرفة اللغة العربية واستعمالها لا إلي إعاقة تعلمها ومعرفتها واستعمالها‮.‬
تشخيص الأجنبي لنتائج تدريس اللغات الأجنبية‮ ‬The Arab Mind 1983لقد لخص مؤلف كتاب العقل العربي آثار التعليم الثنائي اللغة في مجتمعات المغرب العربي لصالح الفرنسية وثقافتها كما هو الحال في التعليم الصادقي‮  ‬التونسي في فترة الاستعمار والنظام التربوي لما بعد الاستقلال اللذان تخرجت منهما أجيال الاحتلال وما بعد الاستقلال‮  ‬فوجد أن هذين الصنفين من التعليم‮  ‬يؤديان عموما إلي الأعراض السلبية التالية لدي خريجيهما‮: ‬1‮ ‬ـ الانتماء إلي ثقافتين دون القدرة علي تعريف الذات بالانتماء الكامل لأي منهما‮ ‬2‮ ‬ـ التذبذب المزدوج‮ ‬يتمثل في رغبتهم‮  ‬كسب علاقة حميمة كاملة مع الغرب ومع مجتمعهم في نفس الوقت دون النجاح في أي منهما‮. ‬3‮ ‬ـ‮ ‬يتصف خريجو ذلك التعليم بشخصية منفصمة ناتجة عن معايشة عاملين قويين متعاكسين‮: ‬الارتباط بالثقافة العربية والانجذاب إلي الثقافة الغربية‮  ‬4‮ ‬ـ عداء سافر للاستعمار الفرنسي‮ ‬يقابله ترحيب كبير بلغته وثقافته‮.‬
إعاقة القمة والقاعدة في استعمال لغتها تمثل العينة التالية من السلوكيات اللغوية التونسية لدي القمة والقاعدة ومن بينهما أمثلة ناطقة ومكتوبة تكشف الحجاب عن‮ ‬غياب العلاقة السليمة بينهم وبين لغتهم الوطنية/العربية وما لذلك من آثار سلبية ليس فقط علي إعاقتها في الاستعمال و الاحتضان النفسي‮  ‬وإنما أيضا علي انعكاساتها السلبية علي الهوية المرتعشة لكثير من التونسيات والتونسيين نظرا للعلاقة المتينة بين اللغات وهويات الأفراد والمجموعات والشعوب‮:‬
1‮-‬فرئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي خاطب أخيرا عادل إمام باللغة الفرنسية وتحدث قبل ذلك أيضا للحضور بهذه اللغة‮- ‬لا اللغة العربية اللغة الوطنية‮- ‬في قصر قرطاج أثناء زيارة رئيس النمسا له‮. ‬بينما خاطب هذا الأخير الحاضرين من التونسيات والتونسيين والأجانب بلغته الوطنية/الألمانية‮. ‬
2‮-‬في زيارته الأخيرة للعاصمة الفرنسية باريس،‮ ‬نقلت القناة الوطنية التونسية ما أدلي به رئيس الحكومة السيد‮ ‬يوسف
الشاهد وما صرح به إلي جانبه الرئيس الفرنسي فرنسوا هولند‮. ‬تحدث هذا الأخير‮ - ‬في هذه المناسبة الرسمية بين حكومتين‮- ‬بالفرنسية،‮ ‬لغته الوطنية‮. ‬بينما لم يتكلم الشاهد باللغة العربية،‮ ‬اللغة الوطنية للبلاد التونسية‮. ‬بل قام بتصريحه أمام وسائل الإعلام باللغة الفرنسية،‮ ‬لغة المستعمر‮. ‬فهذا السلوك اللغوي‮ ‬غير الوطني الذي تبناه الوزير الأول التونسي ليس استثناء للسلوك اللغوي لهرم السلطة السياسية التونسية بعد الثورة وقبلها‮.‬
3ـ عرف في العهد البورقيبي أن محاضر اجتماعات الوزراء في حضور بورقيبة أو في‮ ‬غيابه لطالما كانت تكتب بالفرنسية‮.‬
4ـ تتعامل كل البنوك التونسية إن لم نقل جميعها حتي يومنا هذا مع التونسيات والتونسيين باللغة الفرنسية‮.‬
5‮ ‬ـ يتمثل رد فعل التونسيات و التونسيين علي التونسي الذي‮  ‬يدافع علي اللغة العربية في‮  ‬أنه لابد أن‮  ‬يكون أستاذ عربية‮. ‬ويعني هذا أن أجيال ما بعد الاستقلال وما قبله تربت في أسر ومدارس ومؤسسات وجامعات وفي ظل قيادات سياسية ونخب فكرية لا تعطي اللغة العربية المكانة الأولي في تسيير شؤون المجتمع التونسي‮. ‬وهكذا جاءت تلك الأجيال‮ ‬غير مبالية وأحيانا معادية لاستعمال اللغة العربية في الحديث والكتابة‮.‬
6ـ لا يكاد يستعمل التونسيون إلا اللغة الفرنسية في الحديث عن أرقام الأشياء‮. ‬وهذا ما يشهد به‮ ‬،‮ ‬مثلا،‮ ‬حديثهم عن شبكة المترو بالعاصمة‮.‬
7ـ لا تكاد التونسيات تستعمل إلا اللغة الفرنسية في الحديث عن ألوان ومقاييس الملابس‮.‬
8ـ لا تكتب الأغلبية الساحقة من التونسيات والتونسيين صكوكها المصرفية/شيكاتها‮  ‬إلا باللغة الفرنسية بحيث أصبح ينظر لمن يكتبها باللغة العربية بأنه منحرف ومتخلف‮.‬
9‮-‬إن الاستماع لحديث التونسيات والتونسيين لمدة عشر دقائق فحسب لا يخلو من استعمال بعض أو كل الكلمات الفرنسية التالية‮: ‬
Donc, normal, surtout, portable, sport, mouchoir, stylo, cartable, devoir, oral.
10- تفيد المحلات الكبري والصغري أن نسبة التونسيات والتونسيين الذين يحتجون علي اللافتات المكتوبة بالفرنسية فقط تكاد تساوي صفرا‮.‬
التعليم التونسي مصدر الإعاقة اللغوية
استنادا علي ما سبق بيانه،‮ ‬فإن أغلبية المتعلمات والمتعلمين التونسيين اليوم هي خريجة المدرسة الصادقية ونظام التعليم التونسي العمومي بعد الاستقلال‮. ‬ليس لمعظم هؤلاء علاقة سليمة وحميمة مع اللغة العربية كما حدّدنا معالمها وكما تشهد علي فقدان العلاقة السليمة والحميمة أمثلة السلوكيات اللغوية التونسية من القمة إلي القاعدة‮. ‬يُستنتج من تلك المعطيات الوافية معادلة شبه حسابية تبيّن بشفافية لماذا ليس لتلك الأغلبية علاقة سليمة وحميمة مع اللغة العربية/الوطنية‮. ‬تفسر مقولة المعطيات أن ذلك يعود في المقام الأول لعدم استعمال تلك الأغلبية للعربية بالكامل شفويا وكتابة داخل المدرسة وخارجها‮. ‬إذ طالما يفضل كثير من التونسيات والتونسيين استعمال لغة المستعمر بدلها‮. ‬
وفي مقابل السلوك اللغوي لتلك الأغلبية نجد فئة تونسية حديثة صاحبة علاقة سليمة وحميمة مع اللغة العربية.تنتمي هذه الفئة إلي ما يسمي شعبة‮ (‬أ‮) ‬من التعليم التونسي في مطلع الاستقلال‮. ‬يَدْرسُ‮ ‬التلاميذُ‮ ‬في هذه الشعبة كل المواد الدراسية باللغة العربية فقط من السنة الأولي للتعليم الابتدائي حتي السنة الأخيرة من التعليم الثانوي‮ /‬الباكلوريا‮. ‬تفيد المؤشرات المتعدّدة أن نمط تعليم شعبة(أ‮) ‬يتميز عن نظام التعليم التونسي العام بعد الاستقلال وعن المدرسة الصادقية قبل الاستقلال‮  ‬في كون أن خريجيه حتي بعد دراساتهم بالفرنسية وغيرها من اللغات الأجنبية في الجامعات التونسية أو الأجنبية يظل أكثر الخريجات والخريجين التونسيين ممارسون للعلاقة السليمة والحميمة مع اللغة العربية‮. ‬أي أنهم يتمتعون بمناعة لغوية وثقافية عربية‮ /‬وطنية تحميهم من التأثر الخطير بلغة المستعمر كما نجد ذلك‮  ‬لدي الكثيرين من خريجات وخريجي التعليم العام التونسي بعد الاستقلال ونظرائهم‮  ‬من المدرسة الصادقية قبل ذلك‮. ‬وهكذا يتجلي أن المدرسة التونسية ليست وطنية طالما تبقي اللغة العربية/الوطنية في المجتمع التونسي في الوضع الذي وصفناه أعلاه‮. ‬ستكسب المدرسة التونسية وطنيتها الحقيقية متي تنجح في إقامة علاقة سليمة وحميمة مع لغتها الوطنية‮/ ‬العربية والقضاء علي ظاهرة الإعاقة الكبيرة والواسعة في استعمالها‮.‬