رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

ثناء أنس الوجود‮.. ‬قنديلٌ‮ ‬آخرٌ‮ ‬يُطفَأ


حمزة قناوي
7/1/2017 11:06:13 AM

برحيل الناقدة المصرية الكبيرة د‮. ‬ثناء أنس الوجود،‮ ‬ينطفئ قنديلٌ‮ ‬آخر من قناديل الثقافة والفكر المصري،‮ ‬الذي‮ ‬يواصل نزيف أعلامه وكباره،‮ ‬الذين كان آخرهم الناقد الكبير
‮ ‬د‮. ‬الطاهر مكي،‮ ‬وقبله بأيام د‮. ‬عبد المنعم تليمة،
‮ ‬والكابتن‮ ‬غزالي،‮ ‬رحمهم الله جميعاً‮.‬

ورغم رحيل الناقدة الكبيرة في عامٍ‮ ‬أسميه‮ "‬عام الحزن‮" ‬علي الثقافة المصرية والعربية،‮ ‬حيث رحلت فيه قامات كثيرة كانت لها إسهامات السبق والريادة في مضمارها الفاعل في هذه الثقافة،‮ ‬مثل جمال الغيطاني وخليل كلفت وعبد الرحمن الأبنودي وإدوار الخرَّاط وسليمان فياض وابتهال سالم،‮ ‬رحمهم الله جميعاً،‮ ‬فإن‮ ‬غياب الدكتورة ثناء أنس الوجود فاجأ الجميع،‮ ‬من طلابها ومتابعيها،‮ ‬بعدما كانت تضجُّ‮ ‬بالحياةِ‮ ‬والحيوية والنشاط الفكري،‮ ‬قبل أن تخبو فجأةً‮ ‬وتقع فريسةً‮ ‬لمرضٍ‮ ‬قصيرٍ‮ ‬غادرت بعده عالمنا تاركةً‮ ‬إرثاً‮ ‬مضيئاً‮ ‬من المؤلفات النقدية والمحاضرات العلمية والمقالات المنشورة في دوريات نقديّة مُحكّمة ومجلات وازنة ومئات المشاركات النقدية والفكرية في مؤتمرات وملتقيات علمية مصرية ودولية عبر‮ ‬35‮ ‬عاماً‮ ‬من العمل البحثي الرصين‮. ‬
لم أستطع الكتابة عن أستاذتي الراحلة د‮. ‬ثناء أنس الوجود إلا بعد مرور عامٍ‮ ‬كاملٍ‮ ‬علي رحيلها،‮ ‬للأسي الشديد الذي انتابني من رحيلها،‮ ‬ولأنني ظللت،‮ ‬لفترةٍ‮ ‬طويلةٍ،‮ ‬غير مُصدِّق نبأ رحيلها،‮ ‬حين علمت به من اتصالٍ‮ ‬أتاني من مصر،‮ ‬وكنت في المغرب آنذاك،‮ ‬فلم أستطع إكمال مشاركتي في الفعالية التي كنت مدعواً‮ ‬لها وقد حطَّ‮ ‬الاكتئاب علي روحي‮. ‬
كانت الراحلة الكبيرة من بين أبرز أساتذة الأدب الشعبي في مصر،‮ ‬ولها دراسات كثيرة في هذا المضمار،‮ ‬كما كانت من أهم من تخصصوا في الأدب الجاهلي في بدايات مشوارها العلمي،‮ ‬بمؤلّفات قلَّ‮ ‬أن تُجاري في توجهها،‮ ‬مثل‮ (‬صورة الصحراء في الشعر الجاهلي‮) ‬و(رؤية العالم عند الجاهليين‮. ‬قراءة في ثقافة العرب قبل الإسلام‮)‬،‮ ‬و(رمز الماء في الأدب الجاهلي‮)‬،‮ ‬و(رمز الأفعي في الأدب الجاهلي‮)‬،‮ ‬وفي مرحلةٍ‮ ‬تالية أنهت مؤلفها عن‮ (‬تجليات الطبيعة والحيوان في الشعر الأموي‮)‬،‮ ‬و(دراسات تحليلية في الشعر العربي‮). ‬
كنت واحداً‮ ‬من آلاف الطلاب الذين درسوا هذه المؤلفات علي‮ ‬يديها وكانت مُقرّرة علينا في سنوات الدراسة الجامعية عبر أربع سنوات،‮ ‬أسعدتني الأقدار بأن أتلقي العلم علي‮ ‬يديها خلال هذه السنوات جميعاً‮.‬
وخلال هذه السنوات المليئة بالبحث العلمي والاجتهاد،‮ ‬لم تتوقف الدكتورة ثناء أنس الوجود عن العمل في الجامعة والمشاركة في الملتقيات والندوات الخاصة بالأدب ومناقشة الأعمال الأدبية للكتاب الشباب والكبار معاً‮ ‬دون تمييز،‮ ‬أو الارتكان إلي معيار سوي القيمة،‮ ‬وعندما تولَّت رئاسة قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة عين شمس‮- ‬لدورتين متتاليتين‮- ‬لم‮ ‬يدفعها المنصب إلي التطلُّع لأي مكتسبات من ورائه،‮ ‬أو البحث عن مناصب أخري تتعلق بالكلية أو الجامعة ككل‮ (‬وكان هذا مهيأً‮ ‬لها‮) ‬فلم نشعر نحن طلابها بأي شيء من ذلك وهي تدخل قاعات الدراسة وتواصل إعطاء محاضراتها ومناقشتنا في مناهج النقد المختلفة،‮ ‬وكانت تنزعج بشدة في حال وجدتنا‮ ‬غير‮ "‬مُحضّرين‮" ‬مادة المحاضرة،‮ ‬أو لم نقرأ الرواية‮- ‬النموذج التطبيقي‮- ‬الذي ستُخضعه لمنهج النقد المحلل للنص‮.‬
وقد عملت الراحلة الكبيرة في بدايات مشوارها العلمي مع أستاذها الراحل‮ (‬أستاذي أيضاً‮) ‬الدكتور عز الدين إسماعيل،‮ ‬وهو أحد الكبار المؤسسين من الجيل الثاني من رواد النقد في مصر والوطن العربي بعد جيل د‮. ‬طه حسين ومحمد مندور وعبد القادر القط،‮ ‬وكان مدرسةً‮ ‬نقدية وحده‮.. ‬عملت معه في مجلة‮ "‬فصول‮" ‬بعد تخرجها في الجامعة،‮ ‬وتعرض الرسائل الجامعية علي صفحات المجلة،‮ ‬متناولةً‮ ‬إياها بالتتبع والتحليل والتعليق،‮ ‬وكان هذا أول محكّات العمل الميداني النقدي لها،‮ ‬والذي أضافت له بعداً‮ ‬عضوياً‮ ‬لاحقاً‮ ‬بمشاركاتها المتعددة في الفعاليات والندوات وورش النقد والأدب‮. ‬
أكتب عن أستاذتي الراحلة باعتباري واحداً‮ ‬من آلاف الطلاب الذين تعلموا علي‮ ‬يديها المضيئتين‮.. ‬وأكتب أيضاً‮ ‬باعتباري مديناً‮ ‬لها بدراستها النقدية التي قدّمت بها ديواني الشعري الأول منذ عشرين عاماً‮ ‬وأنا لاأزال طالباً‮ ‬أمامها علي مقاعد الدراسة،‮ ‬وبعدما اعتذر لي الكثير من الأساتذة‮ "‬الكبار‮" ‬الآخرين عن عدم كتابة هذه المقدمة،‮ (‬وكانت كتابتها شرطاً‮ ‬لنشر الديوان في الهيئة المصرية العامة للكتاب‮) ‬وبعدما كدت أيأس من الأمر‮.. ‬تلقت هي الديوان وأمهلتني بعض الوقت،‮ ‬وبعد شهرٍ‮ ‬أعادت لي الديوان بمقدمة وافية عنه وتحمل الكثير من التشجيع لشاعر شاب في مقتبل طريقه‮.. ‬حتي أنني دمعت وأنا أنهي قراءة المقدّمة في عام‮ ‬1997‮ .‬
وكان هذا هو النهج الذي‮ ‬يحكم رؤية وعمل الراحلة الكبيرة،‮ ‬فقد كان انحيازها دائماً‮ ‬للنصوص لا الأسماء،‮ ‬وظلّت حتي آخر لحظة في حياتها تبشر بأصوات أدبية جديدة وكُتّاب لم‮ ‬ينشروا سوي عملهم الأول،‮ ‬وتدير حول أعمالهم الندوات،‮ ‬تماماً‮ ‬كما تناقش أعمال الكتاب الراسخين في المشهد الأدبي،‮ ‬في موضوعية ومنهجية نقدية حيادية تحتكم إلي ضمير نقدي صافٍ،‮ ‬لم‮ ‬يتلوث بما استجد علي الساحة الثقافية من العلاقات والمصالح وتبادل المكاسب والتطلُّع إلي مقابل أياً‮ ‬كان،‮ ‬نظير كلمتها المضيئة‮. ‬لم أعرف‮ ‬يوماً‮ ‬عنها أنها سألت عن مكافأة أو مقابل مادي لنشاط أدارته أو مقال كتبته‮.. ‬وكنت قريباً‮ ‬منها وأعرف ذلك‮. ‬
كانت تعتمد المنهج الأسطوري التحليلي في دراساتها النقدية الأولي المتناولة للنصوص القديمة،‮ ‬في العصر الجاهلي،‮ ‬والمعتمد علي الموروث الشعبي والتقاليد الطوطمية‮ "‬الشعائرية‮"‬،‮ ‬رابطةً‮ ‬الأسطورة بعلم الاجتماع في تحليلها للنص الذي‮ ‬يتمحور حول ظاهرة في الطبيعة بذلك العصر‮ (‬كالماء أو الصحراء أو الأفعي‮) ‬وتجلياتها في الأدب الشعبي والموروث الفكري للجماعة الإنسانية،‮ ‬وصياغاتها المختلفة في الشعر ورمزيتها وتأويلها‮.‬
في الشهر الأخير قبل وفاتها،‮ ‬رحمها الله،‮ ‬عرفت أنها أوكلت إلي أحد الأساتذة في القسم الإشراف علي رسالتي للماجستير،‮ ‬التي استَشعَرت بحسها الشفيف،‮ ‬أن القدر قد لا‮ ‬يمهلها إلي أن تُناقش في أروقة الجامعة،‮ ‬وكان أن رحَّب الأستاذ الثاني بالأمر،‮ ‬حزيناً،‮ ‬وقبِلَ‮ ‬الإشراف علي الرسالة،‮ ‬وقد أوصته أن‮ ‬يُسرع بإنهائها معي لكيلا‮ ‬يضيع مجهود السنوات هباءً‮ ‬في حال رحلت‮. ‬
هذه لمحة صغيرة فقط من مواقفها النبيلة مع الجميع،‮ ‬وقد عرفت أنها وزّعت كل رسائل الماجستير والدكتوراة التي كانت تشرف عليها،‮ ‬قبل وفاتها،‮ ‬علي أساتذة آخرين وحصلت علي توقيعاتهم عليها وقد وافقوا علي إكمالها‮. ‬بعد وفاتها رحمها الله،‮ ‬أصررتُ‮ ‬علي كتابة اسمها علي رسالتي للماجستير كمُشرِفَة،‮ ‬وقدّمت طلباً‮ ‬رسمياً‮ ‬بذلك إلي الجامعة‮ (‬التي لا تجيز قواعدها ذلك بعد وفاة الأستاذ‮.. ‬ألا‮ ‬يوضع اسمه علي رسالة لم‮ ‬يكملها مع الطالب بعد رحيله‮).. ‬وكدت أخفق في مسعاي لولا مساندة المشرف الجديد علي الرسالة د.سعيد الوكيل،‮ ‬الذي أصرّ‮ ‬علي الأمر أيضاً‮ ‬في نُبلٍ‮ ‬حقيقي‮- ‬وكان من بين طلابها‮ ‬يوماً‮- ‬وأصر علي أن‮ ‬يوضع اسمها‮- ‬بعد‮ ‬غيابها‮- ‬علي الرسالة‮.. ‬فوافقت إدارة الجامعة‮. ‬
بينما كنت مع أستاذتي في لقائي الأخير بها أثناء سفرٍ‮ ‬قصيرٍ‮ ‬لمصر،‮ ‬قالت لي بينما تودّعني في طريقي إلي المطار،‮ ‬أن‮ "‬أبكّر بزيارتها المرة القادمة وألا أتأخر كثيراً‮ ‬هذه المرة‮". ‬وخانني حدسي أن أستشعر في كلماتها ظلال الغياب،‮ ‬وأنني سأكتب اليوم لرثائها لا للقائها،‮ ‬فليتها تقبل كلماتي المتأخرة هذه وردةً‮ ‬لروحها المغادرة وقنديلاً‮ ‬علي مثواها الأخضر،‮ ‬كروحها الخضراء اليانعة،‮ ‬وككلماتها‮ ‬التي ستستمر في روحي دائماً‮. ‬

تعليقات القرّاء