رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

من ولّد هذا الحنين فينا ؟

أضلاع ثلاثة عذّبت البشرية‮.. ‬وجرفتها إلي طريق الغربة


نوف سمرقندي
7/1/2017 11:07:20 AM

‮-‬ما مدي الشعور الذي‮ ‬يخلفه المكان بالنسبة للإنسان ؟
وهنا‮  ‬أنا‮ - ‬لا اقصد العلاقة الديموغرافيه او الارتباط الجذري بالمكان،‮ ‬بل قصدت الحميمية الممارسة‮ (‬ظاهريا أو خفية‮) ‬الناشئة بين الإنسان والمكان‮ .‬
ونظرة الإنسان للمكان تلفها هالة من الإدراك بسبب الرؤية المترسبة في الأعماق باعتبار المكان جمادا لا‮ ‬يتنفس ولا‮ ‬يحن ولا‮ ‬يئن‮ . ‬لذلك تجاسر الإنسان علي هذا الكيان مستخدما معاول الزمن سواء بالهجر أو الهدم دون مراعاة لشعور المكان‮ (‬الكائن‮) ‬لأنه صامت لا تند منه‮  ‬شكوي او أنين‮ ..‬
وبرغم أن الأماكن لم تكف عن صراخها‮ ( ‬حتي وإن كان صراخا صامتا‮) ‬حينما تقف شاهدة علي زمن مضي أو لازال‮ ‬يمضي،‮ ‬وقد استجار بها الزمن لتخبئه أسراره فكانت أمينة علي تمرير تلك الاسرار إلي حيث وقف الزمن ليدلل علي أمانتها‮...‬
وعندما وصلت الأماكن إلي زمنيتها الراهنة‮  ‬حسب مايتواري في داخلها من فرح وحزن،‮ ‬ويحدث أن‮ ‬يحتج المكان بالتداعي إذا عاني من الهجران أو الإهمال،‮ ‬وفي كل حالة هو الشاهد الصامت الناطق،‮ ‬ومن تلك الصور عندما‮ ‬يكون المكان أثرا أو مكانا ضاق بوجوده أصحابه أو أظلم مع ظلمة نفوس ساكنيه‮ ..‬ولو تأملنا كل شكل من أشكال حضور المكان‮ ‬يكون الاحتجاج هو الإعلان الصامت عن وجوده‮.‬
وفي موته أيضا حضور تفصح عنه الكتب فتقول عنه‮ : ‬هذا المكان‮ ‬يحتوي علي ضريح أبو زيد الهلالي أو في هذه الصورة‮ ‬ينهض جبل التوباد أو بجوار هذه الصخرة كان لقاء عنتر بعبلة أو‮.....‬
بينما النظرة الكلاسيكية تظن أن المكان رحل مخلفا ترابا تلاشت ذراته عبر الزمن‮ ..‬وذكري المكان‮ (‬حتي وإن فني‮) ‬تظل،‮ ‬فله حضور من خلال تذكره‮ ‬،‮ ‬وتذكر الحكايات التي لازمته أو عبرت من أمامه او وقعت داخله‮.‬
وبعض الأمكنة تخاطب الإنسان ككائن حي حينما تفسح لجنباتها حيزا لأن‮ ‬يسطر عليها تاريخ زمنية من‮ ‬يكتب أو‮ ‬يرسم عليها،‮ ‬أو عاش بها فيتحول المكان إلي شاهد ملك راويا‮  ‬كل الأحداث التي جرت بين أروقته وجدرانه بصدق لايضاهيه سوي قلب عاشق‮.. ‬فالحضور والغياب شكلان متقاطعان كل منهما‮ ‬يؤدي إلي تنبه الآخر توهجا أو فقدا،‮ ‬وهذا‮ ‬ينقلنا إلي صورة تتموج بين الضوء والظل وتؤكد أن الغربة حالة تبادلية بين الأشياء،‮ ‬فنحن في افتراضية أن هذا الكون ذرات حيه تجاذبت وتكونت علي‮  ‬هيئات مختلفة،‮ ‬أحدثتنا انفجارات كونية هائله وكل جزء من ذلك الانفجار‮ ‬يحمل‮ ‬غربته‮ .‬
وعندما نتبادل الإحساس بالفقد‮ (‬كل الموجودات ونحن معها‮) ‬نكون قد دخلنا في عملية نشوء أولي أحدثه الزمن‮ .. ‬فالغربة عملية قص للموجودات،‮ ‬كل جزء منها‮ ‬يحن للجزء المقصوص منه‮. ‬وبهذه الصياغة‮ ‬يغدو كل موجود‮ ‬يحمل بذرة النقص‮ ‬،‮ ‬أي أنه مغترب في كينونته‮ ‬،‮ ‬وكلما فاضت طاقة الموجود كلما كانت قادرة علي جذب ما تم انتقاصه‮ .‬
وهذه الطاقه هي مانطلق عليها في لغة الشعور‮.. "‬الحنين‮ "‬،فحنين ذرة انقسمت وتاهت بين مليارات الذرات هو أن تظل تشكو من الاغتراب،‮ ‬حتي أن فكرة تخيم الأرواح المغادرة لأجسادها وتعلقها في الهواء بأمنية العودة هي فكرة تجسيد الحنين والغربة معا،‮ ‬ولطالما شعرنا بالحنين دون أن ندرك من أي المسامات‮ ‬ينفذ إلينا ويشعرنا بتلك المشاعر التي نعجز عن تسميتها‮. ‬ما هي إلا حالة اغتراب عن المكان والزمان،‮ ‬اغتراب لأن لكل ظرف منهما أثره في إحداث حالة شعورية ما وحالما نغادرها نشعر بالغربة،‮ ‬وتراكمها والابتعاد عنها‮ ‬يولد الحنين‮.‬
وكم كان هذا الحنين ملهما ومحركا للجانب الإبداعي عند المبدع،‮ ‬فكتب أو رسم أو لحن منتجا،‮ ‬طاقة إبداعية تجتذب كل الصيغ‮ ‬التي‮ ‬غادرتها أو افتقدتها في لحظات زمانية مكانية تلتقي في نقطة لا مرئية مجسدة وجودا مرئيا هو الإبداع‮...‬
وكما‮ ‬يشف المبدعون ويصلون الي نقطة الافتراق والتجمع للحظات المتناثرة المنتجة للغربة،‮ ‬فإن المتصوفة‮ ‬يستشعرون الاغتراب لشعورهم بالانفصال عن الاتحاد مع الله أو الرغبة في الاتحاد،‮ ‬فتكون الحالتان‮ (‬الانفصال أو الالتحام‮ ) ‬حالة اغتراب‮  .. ‬تتشظي في مداراتها منتجة الحنين‮. ‬
وردم فوهة الحنين للعودة إلي هدوء النفس‮ ‬يستلزم الوصال،‮ ‬وهو مطلب كل مغترب قبل تناثره بين زوايا الحنين،‮ ‬فلنسمع نموذجا لهذا‮  ‬الافتراق في بيتين لشاعر محمد بن عبد المنعم الخيمي،‮ ‬يتساءل عن طريق الوصال‮:‬
ياأهل ودي‮ ‬يامكان شكايتي‮    ‬ياعز ذلي‮ ‬ياملاذ رجائي
كيف الطريق إلي الوصال فإنني‮  ‬في ظلمة التفريق في عمياء
وابتغاء الوصل جاء في أنماط متعددة في الجانب الإبداعي‮ ‬،‮ ‬وتبلور كمعضلة وجودية شغلت أذهان الباحثين عن تأصيل افتراق العناصر المؤدية إلي حالة الاغتراب،فنجد ابن عربي الذي‮ ‬يري أن الاغتراب هو انفصال الإنسان عن الله،‮ ‬ويعبر عن هذه الفكرة بقصة"آدم‮" ‬وهبوطه من الجنة إلي الأرض،‮ ‬إذ‮ ‬يقول‮: "‬إن أول‮ ‬غربة اغتربناها وجودا حسيا عن وطننا،‮ ‬غربتنا عن وطن القبضة عند الإشهاد بالربوبية لله علينا،‮ ‬ثم عمرنا بطون الأمهات فكانت الأرحام وطننا فاغتربنا عنها بالولادة‮".‬
واذا اقتفينا هذا التسلسل فإننا في حالة اغتراب دائمة،‮ ‬وكلما ابتعد عنا الزمان والمكان نتج عن هذا الابتعاد مفهوم‮ (‬الحنين‮)‬،‮ ‬مكونا الضلع الثالث للاغتراب‮ (‬الزمان-المكان‮- ‬الحنين‮) ‬وكل من هذه‮  ‬الأضلاع الثلاثة‮ ‬يكمل مأساة الاغتراب‮.. ‬ففي الصوفية مثلا‮ ‬يظل هاجس الالتحام رحلة متواصلة لا تستكين فيها الروح،‮ ‬تنازع الاغتراب بأمنية الوصول إلي الاتحاد كشعور أولي،مخترقين الأبعاد الثلاث بما عرفه بالدروشة،‮ ‬حيث تغيب الحواس مهشمة الزمان والمكان مبقية علي الحنين كأداة جذب لما تصبو إليه أنفسهم‮.‬
ومعاناة الحنين ظهرت جلية في نفوس الأدباء والشعراء والفنانين الذين التحفوا هذه الغربة بردائها الثقيل،‮ ‬ووجدوا حلا في حقيقة‮ (‬وإن لم تكن معلنة‮) ‬بأن المكان ليس قطعة من الأرض أو حيزا في هذا الكون،‮ ‬وإنما إلي إعادة خلق المكان من كونه مكانا جامدا إلي أي شيء حي،‮ (‬والحياة هنا جميع مكوناتها‮) ‬قد‮ ‬يكون المكان بالنسبة لهم قلبا نابضا في كل اتجاه وعلي أي هيئة‮ "‬إنسان‮ ‬،حيوان،‮ ‬طائر،‮ ‬مكان،‮ ‬شجرة،‮ ‬ورقة،‮ ‬أو أداة‮ ‬يحملها‮"‬،‮ ‬وتعني لشفافيته الإلهام،وكل مايستلهم نقش أرواحهم عليه هو مقدس،‮ ‬فنفوسهم هي الكون وموجوداته‮ ‬،‮ ‬لهذا نراهم‮ ‬يمارسون الرقص علي أوتار اغترابهم،‮ ‬وتطرف أنفاسهم،‮ ‬وعلي كل ماهو موجود رغبة في الوصال والإتصال،‮ ‬وهكذا‮ ‬يتم كسر الأضلاع الثلاثة،‮ ‬باعتبار المكان كائنا حيا،‮  ‬فاخترقوا به الغربة‮ (‬أثناء ممارسة الإبداع‮) ‬،‮ ‬وكلما كان فضاء المكان حيا حمل زمنه معه وارتحل معك من‮ ‬غير اصطحاب لوعة الحنين‮.‬

تعليقات القرّاء