رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( 18 ) كريم محمد سيف


محمود الورداني
7/8/2017 9:42:41 AM

أواصل هنا مابدأته حول البيوت التي تحملت ضجيجنا ورذالاتنا ومباذلنا أحيانا، ومن بين تلك البيوت بيت صديقي الشاعر محمد سيف في حارة درب البوارين.
وعندما أذكر محمد سيف لابد أن أتكلم عن تلك الظاهرة التي انفجرت بعد هزيمة 1967، وهي حالة النهوض غير المسبوق في الجامعات المصرية، والتي سمحت باستضافة ناس من طراز أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام رغم أنف أجهزة الأمن، كما سمحت أيضا باستضافة الفنان عدلي فخري والشاعر سمير عبد الباقي، وما يهمني هنا وشاركت فيه هو استضافة الشعراء محمد سيف وفؤاد قاعود وربما عزت عامر في معهد الخدمة الاجتماعية عام 1971 علي الأرجح، وهي المرة الأولي التي يشارك فيها هذا المعهد في أي نشاط سياسي أو فني من أي نوع، وتمكنتُ بمؤازرة من رئيس اتحاد الطلاب من دعوتهم لإلقاء قصائدهم.
من المؤسف أن أحدا لم يهتم بتسجيل وتوثيق تلك المحاولات الأولي لخروج الكتاب والفنانين من قاعات الندوات الباردة، علي ندرتها أو تعرضها للمراقبة الأمنية الفظة، ليس من الأجهزة الأمنية وحدها، بل أيضا من الأجهزة التي كانت تسمي سياسية مثل الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب، وكنتُ قد ذكرتُ من قبل أن مايسمي بأمانة الدعوة والفكر بالاتحاد الاشتراكي، قامت بتنظيم المؤتمر الأول للأدباء الشبان بالزقازيق عام 1969 تحت رعاية شعراوي جمعة وزير الداخلية آنذاك ..فتأمل !!
شملت محاولات الخروج تلك أماكن عديدة في الدلتا مثل قريتي كمشيش وجنزور، وفي وقت مقارب كانت هناك محاولات أخري للفنان عز الدين نجيب في كفر الشيخ، ومحاولات مماثلة في المنصورة وبورسعيد وغيرها، إلا أن كل ذلك للأسف لم يتم توثيقه وتسجيله علي نحو لائق. وما أود تأكيده هنا أن محاولات الخروج والالتقاء بالناس لم تتوقف، ومن جانبها قامت أجهزة الأمن بحملات اعتقالات أو تطفيش أو إغلاق للمنافذ أو مصادرات .. إلخ إلخ
أعود إلي محمد سيف الذي شاهدتُ معه تحولات وتجارب مختلفة، ونشرت له قصائد عديدة في جاليري 68 والمساء، وهو ما لفت إليه الأنظار بقوة، ثم اشتركنا مع عشرات الكتاب والفنانين في تأسيس جمعية كتاب الغد ( وهي واحدة من أهم تجارب العمل الثقافي المستقل وأكثرها جذرية وراديكالية، وأتمني أن تتاح لي الفرصة لكتابة معالجة مستقلة عنها).
من جانب آخر، كان أغلب أبناء تلك الموجات لا ينتظمون في أعمال ثابتة أو شبه ثابتة، ولذلك كنا نشكّل أعباء علي أسرنا، خصوصا اننا كنا نصطحب أصدقاءنا معنا، ونتحرك في شبه مجموعات، وفي أغلب الأحوال كانت الأسر الفقيرة، أسرنا، تنصاع لغاراتنا الخاطفة. وعندما أتذكر تلك الأيام، تصيبني الدهشة: كيف كنا ندبر سجائرنا ومصاريف المقاهي التي نجلس عليها، بل وكيف كنا ندبر ثمن الشراب أحيانا؟
علي أي حال، في أوائل الثمانينات من القرن الماضي أصيب كريم ابن محمد سيف بالسرطان، فكانت صدمة لنا جميعا وليس لسيف فقط، فقد كان عمر كريم أقل من ثلاث سنوات، ودخل معهد الأورام للعلاج، في نفس الوقت الذي كان يعالج فيه أمل دنقل، ولذلك كان الزائر يمر علي كريم في الدورالأول، قبل أن يتخذ طريقة نحو الدور الخامس حيث يرقد أمل دنقل.
أمكن، وبتوفيق من الله تدبير سفر لكريم بمساعدة من منظمة التحرير الفلسطينية إلي فرنسا، وتم إنقاذ كريم، وأخيرا، ومنذ شهور قليلة جدا شاهدت كريم بالصدفة بعد قرابة أربعين عاما علي مقهي زهرة البستان، أثناء زيارة سريعة له.. شاهدت رجلا ممشوقا وسيما كُتب له بالفعل أن يعيش، وأظن أنه درس تخصصا علميا نادرا وتفوق فيه أيضا.