رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

شريف رزق .. في موته المنقطع


عاطف عبد العزيز
7/8/2017 9:45:36 AM

»سَيأتِي الموْتُ، في يَوْمٍ مَا، في الهَزيْعِ الأخيْرِ منْ الليْلِ، سَاعَتَهَا سَأكونُ مُسْتغرقًا في روايَةِ: انقِطَاعَات الموْتِ، لجوزيه سَاراماجو، سَيتأمَّلُ أشيائي وَأوْرَاقي، سَيَتَعَثَّرُ أمَامَ صُورتِي، سَيَسْعَلُ، سَيَتَمَدَّدُ علي الأريْكَةِ، في انتظَارِ أنْ أعُودَ منْ الرِّوايَةِ، سَوْفَ ينتظِرُ طويْلاً، وَسَوْفَ يَمُوتُ، في النِّهايَةِ، في سَريرِي، سَأكونُ مُنْهَمِكًا في حَيَاةٍ بلا انقِطَاعٍ، هُنَاكَ، في روايَةِ: انقِطَاعَات الموْتِ، لجوزيه سَاراماجو »‬

»‬لسنا في حِلٍّ من تنكُّبِ أثرِ الشعر، أينما حَلَّ أو رحَل»، هكذا بالضبط كان الثمانينيون يرون المسألة، وهم يعبرون شوارع وسط البلد -إبان التسعينيات الأولي- فتيةً ناحلين، لهم عيون لامعة، يحملون كراساتٍ متهرئةَ الحواف، وتخايلهم بين لحظة وأخري، أطيافُ نصٍ جديد، نصٍ لاعبٍ ومستهترٍ ومستعصٍ علي التصنيف، كأنما هو شجرةٌ معلقةٌ في الأفق، تُركَتْ للشمس والريح، كلما رفّتْلها أوراقٌ، تدحرجت إلينا ثمارُها فيضًا من أضواء وظلال.
يومها ونحن في أتيليه القاهرة، صَعَّر لنا الشابُ الوسيمُ خدَّه(أو هكذا خيل إلينا)، بعد أن سلّم علينا في عجالة، ثم راح في حديثٍ مطوّل مع عبد الله الصمتي قبل أن تجرفه الأيامُ والأوهام، مالَ عليّ الراحل سيد عبد الخالق حينها قائلاً: »‬شاعرٌ مهم، يعيش خارج القاهرة .. اسمه شريف رزق»، كان شريف يحمل إلينا ليلتها نصًا جديدًا للعدد الثاني من مجلة إيقاعات.
بطيئًا نمتِ الحكايةُ بيننا، نمتْ في مساراتٍ متعرجة ومتشابكة، تضيق أحيانًا وتتسع أحيانًا، كان لصمته وخجله الفطري وأدبه الجم دورٌ في ذلك غيرُ منكور، ولعزلته القسريةِ في منوف كان دورٌ آخر، غير أن هذا البطءَ كان أقربَ ما يكون إلي تلك النار الهادئة، التي تُصنع في أتونها المحباتُ العميقة.
في تلك الأوقات البعيدة، كنا ما نزال شبانًا في ريعاننا، ممعنين في الغواية علي أشكالها، وغارقين في بحيرة الضحك والبكاء.كنا متورطين في حياة القاهرة، تلك الأنثي الممسوسةُ التي لم تكن تفكرُ في التوقفِ برهة، كي تنصتَ لنفسها، إذ رسخ اعتقادُنا بأن الحياةَ ذاتَها، تبقي هي النص الأصليّ، النصّ الذي ينبغي أن يبقي موصولاًبنصوصنا المكتوبةِ حرفًا بحرف، وريدًا بوريد. فيما بدا شريف رزق علي الجانب الآخر، شاهدًا علي حماقاتنا وإهدارنا الوقت، تمامًا كأنه راهبٌ، اختار أن يشهدَ الحقيقةَ علي حقيقتها، من كوة بقلايته البعيدة.
من هنا، ظل وجودُنا الصاخبُ محلَّ شكٍّ طوالَ الوقت، إذا ما قسناه بوجود شريف رزق الهادئِ العميقِ المطمئن، ومع مرور الوقت، صار شريف بقصيدته وببحثه الدءوب، ظلاً وارفًا يمتد فوق جيلنا وما بعده، راصدًا وناقدًا، مبشرًا ونذيرًا.
علي أن الأمرُ الذي ربما يكون قد تسبب في إيلام بعض من الشعراء، مما حدا بهم إلي إتهامه في صمت، بأنه تجاهل وجودَهم، حين لم يعرض لنتاجهم الشعريّ في مباحثه النقدية المتعددة، في الناحية الأخري، كان صديقنا النبيل يتألم لذلك، حتي إنه كثيرًا ما صرّح للمقربين، كيف أنه يستشعر حرجًا بالغًا تجاه العديد من الأصدقاء، لأنه لا يجد حسبما يري- فيما يكتبون ما يُعتد به، وظل يقول »‬أحب أصدقائي، لكن حبي للشعر أشد».
المثير للدهشة أيضًا، أن صرامةَ شريف تلك، كانت تنسحب كذلك علي مجمل آرائه في السياسة والشأن العام، بما كان يفاجئني شخصيًّا، ولعل الأصدقاء كلهم يعرفون مواقفَه شديدةَ الراديكالية، التي تصل إلي درجة الصدمة أحيانًا، تجاه كل ما يدور حولنا من أحداث ومتغيرات، وربما بان ذلك بوضوح إبان ثورة يناير وما تلاها من سنوات، إذ ظل صديقُنا وفيًا كل الوفاء لقناعاته الليبرالية، مؤمنًا كل الإيمان بأحقية المصريين في حياة ديموقراطية كاملة، وفي دولة مدنية يسودها العدل، أذكر الآن كيف تسببت حدة مواقفه أحيانًا، في اندلاع سجالات بيننا، بوصفي واحدًا ممن يثمنون فقه الواقع، بحكم تجربتي الحياتية والمهنية.
شريف رزق ليس في حِلٍّ من تنكبِ أثر الشعر، أينما حلَّ أو رحل، نعرف ذلك تمامًا، له أن يسعي في ذلك ما شاء له السعيُ في الأرض أو في السماء، فهذا قدره وقدرنا معه، نعرف أيضًا أن ظلاله الباقية أوسعُ من خيالنا الضعيف، غير أن قلوبنا تبقي غيرَ قادرة علي تفهم موقفه الأخير، أو الوقوف علي دواعي قسوته المفاجئة.
***
أجل،الراديكالية يا شريف قد تكون أمرًا طيبًا، لكن المؤكدَ، أنها ليست كذلك يا صديقي .. علي طول الخط.