رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

حكايات من سيرة الأجداد

المزملاتي


أحمد عبد النعيم
7/8/2017 9:48:24 AM

المعلم شوشة السقا بطل رواية يوسف السباعي ( السقا مات) دائم الهروب من فكرة الموت.. وعندما يستعيد عافيته الفكرية دائمة البحث عن الفناء ويتلقي خبر تعيينه شيخ السقايين ينهار الحلم علي رأسه وينهدم البيت والسكن ويلقي الموت بين أحضان المعلم شوشة السقا.. مابين واقع السقا في الرواية الأدبية والحقيقة فروق إنسانية وتاريخية.
عرفت مصر مهنة السقا في عصر الخلفاء والفتح الإسلامي نظرا لصعوبة الحصول علي الماء للبيوت والأسبلة والجوامع، كانت الحاجة إلي وسيط يستطيع نقل الماء من النيل أو الآبار أو الخليج المصري الذي كان يصب في ترعة الإسماعيلية، فظهرت مهنة السقا..
السقا
السقا هو رجل قوي البنية يحمل قربة مصنوعة من جلد الماعز المدبوغ دباغة جيدة جدا لا تحمل أي أصباغ داخلها حتي لا تؤثر علي طعم أو لون الماء.. يتم اختيار السقا بواسطة شيخ السقايين، بأن يقوم الشخص المتقدم للوظيفة بحمل شوال من الرمل يزن 67 رطلا لمدة ثلاث ليال كاملة دون الجلوس أو حتي الانحناء أو النوم.. وبمجرد الانتهاء من الامتحان الأول يبدأ شيخ السقايين في الاستعلام عن أخلاقه وصفاته ومعرفة السيرة الذاتية له، فلابد من الأمانة والنظافة الشخصية والاستعداد لتحمل الصعاب وبعدها ينضم السقا إلي طائفة من الطوائف الخمس للسقايين في مصر (طائفة حارة السقايين، طائفة قناطر السباع، طائفة تنقل المياه علي ظهر الجمال، طائفة باب اللوق، طائفة باب البحر، نسبة إلي حي باب البحر ) وبمجرد انضمام السقا إلي إحدي الطوائف الخمس يبدأ في البحث عن السكن وهو عادة ما يكون قريبا من مصادر المياه التي ينقلها في قربته، ويبدأ السقا في شراء القربة المصنوعة من جلد الماعز من المدابغ ويتأكد من نظافتها وعدم وجود أي ثقوب بها ويقلب القربة من الداخل وعندما يرتاح إليها يدفع ثمنها ليبدأ في رحلته اليومية في توفير المياه للمنازل والجوامع والأسبلة المنتشرة في ربوع المحروسة وللأفراد وقد يحمل مع القربة الجلد برميلاً كبيراً أعلي عربة كارو صغيرة بعد تزويده بصنبور لضخ المياه، وكان تعامله اليومي يبدأ بالأماكن العامة التي يستطيع الحصول منها علي المقابل فورا. أما البيوت فإن التعامل عادة ما يكون بالشهر أو الأسبوع حيث يحمل السقا حجراً من الطباشير وبمجرد الانتهاء من توفير المياه للمنزل يضع علامة علي باب الدار وفي نهاية الأسبوع أو الشهر يجمع العلامات ويحاسب صاحب البيت وأحيانا كان يلجأ السقا إلي توفير حبات من الخرز لصاحب البيت، كلما قام بزيارته يحصل علي حبة من الخرز خوفاً من مسح بعض العلامات من البيوت .
لم تقتصر مهنة السقا علي توفير الماء فقط ولكنه أحيانا ما كان يقوم بدور رجل الإطفاء أو رش الدكاكين صباحا بالاتفاق مع أصحابها يوميا نظير الماء والكسوة السنوية، واعتبرت مهنة السقا من المهن المربحة لأصحابها.
واستخرج للسقا رخصة للعمل من ( الإدارة المحلية عن تسيير واعتماد سقا ) تتضمن الرخصة توقيع الكشف الطبي علي السقا والمواصفات الجسدية والاسم واللقب ومحل السكن وتحدد له أماكن العمل ( رخصة تسيير واعتماد سقا.. اسم واللقب مرزوق علي واسم الشهرة محمد السقا.. الجنسية مصري.. السن 42 سنة.. محل الميلاد المنوفية.. جهة السكن باب الشعرية.. تاريخ الرخصة 1886 )وتتضمن الرخصة المواصفات الجسدية من الطول واللون ولون الشعر وتحديد وظيفة السقا ( سقا مسجد ).
الرخصة كانت جواز المرور للعمل ولم يسمح شيخ السقايين لأي سقا بالعمل بدون رخصة وجاء في كتاب إحصاءات عن مصر أن عدد السقايين قد وصل إلي 3 آلاف و876 شخصا 

عام ١٨٧٠، ويعتبر رقماً مناسباً نسبياً لعدد السكان. وركن عدد كبير من السقايين إلي السكن بحي عابدين بحارة صغيرة أطلق عليها بعد ذلك حارة السقايين وهي الحارة التي سكنت بها شفيقة القبطية وولد بها أحمد رامي.
وبعد إنشاء شركة المياه ١٨٦٥ التي قامت بضخ المياه في أنابيب توزع المياه بالقاهرة وإقامة ( حنفية ) عامة بالحواري والشوارع أخذت مهنة السقا في الاحتضار قليلاً ولكنها لم تختف فقد ظلت كثير من الأماكن العشوائية لم تصل إليها المياه بعد وبقيت الحنفيات والأسبلة تسقي الناس وظل الحارس علي السبيل يطلق عليه المزملاتي.
المزملاتي
 بعد أن يقوم السقا بتوفير الماء لأصحاب المنازل والمدارس والجوامع ويحصل علي المقابل الشهري منهم تنتهي مهمته ولكن قد يتعثر علي البعض توفير ثمن الماء أو قد يكون عابر سبيل يحتاج إلي شربة ماء لاستكمال رحلته وشرب الدواب معه، عندها فكر بعض الأثرياء في توفير الماء دون مقابل لكل محتاج وذلك بعمل حيلة (الزير المعلق) وهي عبارة عن زير من الفخار مربوط بسلاسل حديدية أعلي المنزل لتوفير الماء وانتشرت تلك الحيلة في الحواري الضيقة واستطاعت توفير الماء لعدد محدود فقط نظرا لحجم الزير مما يجعل السقا يقوم بملء الزير أكثر من مرة في اليوم الواحد ولكنه لم يستطع الوفاء لأكبر عدد من عابري السبيل أو الدواب الخاصة بالمسافرين.
كان تفكير الأثرياء والملوك والسلاطين في التسارع في بناء الأسبلة ( السبيل ) لتوفير الماء لكل عابر سبيل وصدقة جارية لهم ولأفراد أسرتهم وانتشرت الأسبلة في البلاد الإسلامية بشكل كبير، تكاد لا يخلو بلد عربي من وجود الأسبلة في الحواري والأماكن العامة، وأول بناء للأسبلة في مصر في العصر المملوكي كان ابتداء من القرن السادس الهجري ــ الثاني عشر الميلادي، بناه السلاطين والأثرياء وكان السبيل يقوم بتوفير الماء لكل عابر سبيل دون مقابل ،ويصف الدكتور سعيد عاشور السبيل (عبارة عن مبني يحتوي علي طابقين، الأول عبارة عن بئر محفورة في الأرض بها ماء الأمطار أو ماء النيل يعلوها غطاء أو سقف من الرخام، أما الطابق الثاني فيرتفع عن سطح الأرض ويسمي حجرة التسبيل أو المزملة لتوزيع الماء علي الراغبين ويقوم المزملاتي (الشخص المعين من قبل منشئ السبيل لرفع المياه من فتحة البئر ) برفع الماء من البئر بواسطة قنوات تجري تحت البلاط المصنوع من الحجر الصلب وينتهي الماء إلي فتحات معدة لرفع الماء، وكان الماء يرفع من تلك الفتحات بواسطة كيزان مربوطة بسلاسل مثبتة بقضبان النوافذ، أما طريقة التشغيل فكانت تتم بواسطة بكرة فوق البئر محمولة علي خشبة مربوط بها حبل، وكان بطرف الحبل سطل يرفع به المزملاتي الماء إلي القنوات الموجودة تحت بلاط المزملة فيجري إلي النوافذ القائمة عند فتحات القنوات، وكان طالب الماء يصعد علي سلالم موجودة أسفل كل نافذة إلي حيث يجد الماء فيحصل علي حاجته بالكوز ).
ويقوم المزملاتي بتوفير الماء المثلج المخلوط بماء الورد للمارة وهي الوظيفة التي يقوم بها بجانب العناية بالسبيل من الاهتمام بنظافته ونظافة الادواد المستخدمة وغسل السبيل ورش الماء صباحا أمامه وإنارته ليلاً السبيل وخاصة في رمضان والاعياد، وتجفيف الأحواض للحفاظ علي نظافتها، ويتم تعيين المزملاتي من قبل صاحب السبيل أو ناظر الوقف الخاص به ويحصل المزملاتي علي المقابل النقدي شهريا أو سنويا حسب تقدير ناظر الوقف أو صاحب السبيل، كان يتقاضي إلي جانب مرتبه كمية من القمح تصل الي إردب شهريا إلي جانب أرطال من الخبز يوميا، وفي العصر العثماني كان يُصرف له بدل نقدي ثمن جراية وكُسوة، وفي بعض الأحيان تصرف له الجراية عينية وتقدر بثلاثة أو أربعة أرغفة يوميا زنة كل رغيف ٦ رطل، وهي مهنة شاقة يقوم بها المزملاتي يوميا لذلك تتطلب مواصفات خاصة منها حسن المظهر وخلو المزملاتي من الأمراض الجلدية وخاصة الجزام والأمانة وحسن السمعة ولديه القدرة علي العمل، سليم البدن، قادر علي تحمل العمل لساعات طويلة.
فلما كان العصر العثماني وانتشرت الأسبلة بشكل كبير وزاد الحمل علي المزملاتي كان لابد من وجود مساعدين له  (السبيلجي ) وهو المعاون للمزملاتي، يقوم بأعمال المزملاتي ويتفرغ المزملاتي لشباك السبيل وخلط الماء بماء الورد ومتابعة الاعمال بالسبيل.
من أشهر أسبلة القاهرة، سبيل أم عباس، بشارع الصليبة، أنشئ عام ١٢٨٤ هـ - ١٨٦٧م مبناه فسيح، متسع، أرضه مفروشة بالرخام وسقفه منقوش بالأصباغ الذهبية، شبابيكه من النحاس الأصفر، تتخللها دوائر عليها آيات قرآنية.
أمرت بإنشائه والدة الوالي عباس الأول، إنه أحد آخر سبيلين تم بناؤهما في القاهرة، أما السبيل الآخر، فهو سبيل أم حسين بك، ويقع في نهاية شارع الجمهورية قرب نهايته من ناحية ميدان رمسيس، أنشئ عام ١٢٨٦ هـ - ١٨٦٩م.
وكثير من الأسبلة لم تكتف فقط بمجرد توفير الماء للمارة ولكن أنشئ في الدور الثالث العلوي للسبيل مدرسة ( كتاب ) لتعليم أبناء الحي الذي بني فيه ، وانتشرت الأسبلة في مصر حتي عام 1869 عندما تم ضخ المياه في بعض البيوت وانتشار الحنفيات العامة بعدها توقف بناء الأسبلة تماماً وأصبحت ذكري جميلة وإن كان البعض منها الآن تحول إلي واجهة لعرض بضاعة بائع ملابس أو تعرض للاهمال وأصبح مجرد ذكري وسيرة من سيرة الاجداد.