رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين طوق نجاة للمحروسة


د.مصطفي الرزاز
7/15/2017 10:31:53 AM

مبادرة الأزهر الشريف، وفضيلة الإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب مع فريق البحث والمداولة المعهودة بمثل هذه الاجتماعات المستنيرة لبلورة المواقف والحلول للمشاكل المستعصية والمظاهر المتفشية في المجتمع تعد ردا حاسما علي محاولات التقليل من شأن تلك المؤسسة العظيمة العريقة والتطاول عليها بقدر من عدم الوعي والمسئولية.
وفضيلة الإمام الأكبر، شخصية نادرة في جمعه بين الإحاطة والعمق الفقهي وبين التفكير العصري ومناصرة الموضوعية والحق.
فتحية لفضيلته ولفريق العمل المحترم الذي ساهم في اجتماعات صياغة وثيقة هذا المشروع كمبادرة رفيعة الشأن نأمل أن تقابل بنفس الوعي والتسامح والقبول من قبل الدوائر المنوط بها ترجمته إلي مشروع قانوني وضعي لا يقبل التأويل والاختراق.
الموضوع متأخر بسبب أن أسبابه لم تستشر في المجتمع المصري بهذه الفجاجة والوحشية إلا منذ عهد ليس ببعيد، حيث تعرض معيار التقييم المصري في عهد التنوير والحداثة منذ بدايات القرن العشرين إلي هجمة شرسة من الفوضي والانتهازية، والتوحش من ناحية ومن الاستسلام والتواكلية من ناحية أخري، وذلك بعد الانفتاح الفجائي الاستهلاكي والانتهازي، وانتشار الفساد بصور غير مسبوقة في النصف الثاني من السبعينيات.
فقد شاعت مظاهر التبديع والتفسيق والتكفير في مصر في عهود سابقة، أكثرها قسوة وفحشا كان عهد الدولة العثمانية وسيطرتها علي مصر.
ثم جاءت مرحلة التنوير التي تشربت شعار الثورة الفرنسية النبيل (الحرية ، العدالة ، والمساواة) ١٧٨٩.
وبفضل حركة الإصلاح الديني التي قادها الأفغاني ومحمد عبده وأجيال من أبناء حركة الإصلاح والتنوير في الأزهر وخارجه صارت مصر دولة مواطنة واحترام لا يعرف الكراهية بل التعايش والود والمحبة.
إلي أن وصلنا إلي المرحلة التاريخية المظلمة في السبعينيات وتفشي التطرف ثم الإرهاب ثم التكفير ثم استباحة الأموال والدماء لمن يكفرهم الخطاب المنحرف المؤول انتهازيا والممول اقتصاديا بفحش وفجاجة.
استهدف هذا التيار الانتهازي سبل تتعلق باختراق كتب الدين والشريعة المعتدلة والأصلية بالتزوير والتلفيق وزرع مقولات شاردة في انحرافتها بين صفحاتها.
وفيض من المؤلفات والمصنفات الانتقائية التي تحض علي الكراهية والتصنيف العرقي والديني لغرس تلك المفاهيم المنحرفة، وتعزيز ثقافة الازدراء الرامية إلي إذعان غير إنساني للفريق المستهدف من هذه الجماعات المنحرفة والمارقة.
ثم استهدف التيار بإمكاناته المادية الواسعة، وبتنظيماته النشطة في اختراق مؤسسات التعليم والإعلام وزرع مفاهيم وقيم منحرفة متطرفة في كتب المدارس وعلي ألسنة معلمي اللغة العربية 

والدين. ودفع الرشاوي وتوزيع المصنفات الغذائية علي الفقراء والمهمشين باسم الصدقات  والتكافل بينما هي وسائل التسلط علي الرأي العام وتأهيله لقبول الاطروحات المنحرفة والمسيسة الانتهازية.
وفي غيبة دور مؤسسات الدولة المعنية بالتواصل مع المواطنين ومعها الأحزاب والجمعيات الأهلية التي همش دورها وتمت مطاردة بعضها باتهامات عجيبة وتطويقها في الدولاب البيروقراطي الذي سهل من زرع بذور الفساد والمحسوبية والانتهازية من خلالها.
ثم اختراق عقول البسطاء والتلاميذ والشباب والاستحواذ علي مشاعر وقناعات العديد من المعلمين في المدارس والجامعات في إطار ذلك الخطاب العنصري علي أساس الدين والعقيدة والمذهب والملة، وهاجموا التفكير الحر وقيم التسامح وزرعوا مباديء الحلول العرفية للمشاكل الجسيمة المتعلقة بإهدار الدم وتدمير دور العبادة ومطاردة أصحاب العقيدة المغايرة، وتوسعت سلطات هذا التيار إلي التبجح في شرعنة طرد الناس من بيوتهم وقراهم واحيائهم. وتشريدهم، وتهديدهم بالقتل أو حتي قتل البعض منهم كان ذلك يجري تحت سمع الدولة ومباركتها ومشاركة المحافظين أو مساعديهم.
وتحول القانون إلي فولكلور ومقولات ميتافيزيقية مندثرة بشراذم مقتطعة من نصوص دينية نبيلة لتحريف معناها كمسوغ للكراهية والتطرف ثم العنف والإرهاب، الأمر الذي حيد الدور المحوري لرجال الأمن والقضاء لحفظ الحقوق وعقاب المعتدين وهمشه في إطار اللقاءات العرفية والخرافات الفولكلورية. ذهب العقل وذهب العلم، وكفروا الفنون، وتعليمها في المدارس واستجابت وزارة التعليم لهم فهمشوا مواد الرسم والموسيقي والمسرح والتربية الرياضية وحولوها من مقررات معتمدة إلي أنشطة اختيارية وأطاحوا بقاعات ممارسة تلك الفنون التفاعلية التي تتيح التعبير الحر عن الذات وحرق الضغوط المكبوتات بطريقة حضارية مسالمة، وزرع القناعة باختلاف الأفكار والأساليب، واحترام ذلك الاختلاف وتقديره، وحرية التفكير الابداعي  الذاتي وبناء الشخصية الواثقة من ذاتها ومجتمعها، الرافضة للعنف والإرهاب والحلول العرفية التي يستند أغلبها علي مأرب ونوازع هدامة.
وقد سبق وواجهت مع فريق من الزملاء المستنيرين من خبراء الفنون والموسيقي والمسرح والإعلام والتربية هذا التوجه المنحرف الذي ينزلق فيه النظام التعليمي المصري متخليا عن أكثر من مائة سنة من التقدير والاحتفاء بتعليم الفنون والتمتع بنتائجها المشار إليها سلفا في هذا المقال.
أذكر هذه الحملة المهمة للرائد التربوي الراحل الدكتور حامد عمار بقوة وتواصل لا ينقطع وكتب عدداً وفيرا من مقالاته حول هذه (الجريمة) كما أطلق عليها، مفندا أخطار ذلك القرار الأجوف ومعه كان للكتاب المستنيرين جمال الغيطاني، سمير غريب ومحمد سلماوي والاعلامي المثقف جمال الشاعر ولعبوا دورا حيويا في تبني القضية وتفنيدها.
غير أن النفوذ الاخترافي للأفكار السلفية كان أقوي.
وعقدنا في كلية التربية الفنية مؤتمرا حول الموضوع بحضور وزراء ومسئولين كبار، تبين أنهم ينظرون إلي القضية وكأنها نوع من حماسة أبناء المهن الفنية فاستمعوا بأدب وتعاطف مع الأفكار وأدلي بعضهم بعبارات كبيرة - ثم فض المولد وسار ما سار من التهميش الرسمي لتلك المواد تطبيقا للسلوك العرفي لحل القضايا بالابتسامات وهز الرؤوس.
حينها نشرت مقالا مطولا في مجلة "أخبار الأدب" وضع عنوانه علي غلاف المجلة وهو "انتظروا جيلا من الإرهابيين برعاية وزير التعليم" وأعتقد أننا نعايش تلك النبوءة التعيسة بين ظهرانينا وحولنا في كل المرافق والمؤسسات وفي الشوارع والقري والنجوع في أحياء المحروسة، بعد أن غاب عنها حراسها.
عودة إلي مشروع مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين والمعروض علي البرلمان فيما أتصور.
فهو مشروع تحويلي حقا في ثقافة وحياة وسلوك المصريين، وفي تصحيح المفاهيم الدينية إلي صراطها المستقيم وإعادة رتق التمزقات التي اخترقت النسيج الاجتماعي المصري بقسوة همجية، لعودة السلوك المصري المسالم الهادي المتقبل للاختلافات بأريحية وإيمان ومحبة غير أن ذلك يتطلب عدة اعتبارات مهمة لإنجاحه.
> عدم تدخل العناصر المشبعة بالتطرف والكراهية من أعضاء المجلس لتفكيك بنية المشروع المقدم من الأزهر الشريف وتحويله إلي قربة مثقبة لا تجدي نفعا ولا تتجاوز عبارات مكثفة - كنوع من المعالجة العرفية العقيمة للقضايا المعيارية والقانونية الوضعية التي يستهدفها المشروع.
> إعادة تأهيل معلمي اللغة العربية والدين، وموجهيهم نحو التوافق مع هذا التوجه المحترم وحذف العبارات المعززة للتفسيق والتكفير للآخر، والتي تحض علي العنف في الرأي وفي السلوك الفعلي المبني عليه، ونشر ثقافة عقيدة الآخر وآداب الاختلاف الصحي المتسامح.
> من المهم جدا أن يدرس التلميذ المسلم والمسيحي معا في مدارسنا المصرية قيم وعبر وفقرات من النصوص الدينية الإسلامية والمسيحية واليهودية التي تنطوي علي القيم الروحية المشتركة ومباديء الأخلاق والسلوك والاحساس بالمسئولية عن هذا التفاعل الانساني المنفتح في مواجهة محاولات إذكاء الكراهية والمفاهيم المغلوطة باسم الدين.
> ينبغي أن تترجم الدوائر الرسمية والشعبية هذا التوجه في الإعلام وباقي المؤسسات عند طرح المقولات الدينية وبرامجها ونصوصها المقررة في التعليم حيث يتم طرح قيم الديانات السماوية بالاسم والنص بقدر من الموضوعية وألا تتعامل مع النصوص الإسلامية فقط لنشر ثقافة المشاركة والتقبل والتسامح.
> أن يشمل القانون تجريم التصرفات العنصرية ضد المرأة ومعاملتها المتدنية ومظاهر التعالي والتسلط الرجولية بتبريرات دينية مغلوطة وحتي لا يكون الخطاب الديني غائما يلعب علي مباديء الدين الحنيف حول تكريم المرأة، ويبرر اضطهادها وقهرها لأسباب عرفية متصورة من قاموس الخرافات المتمسحة بنفس الدين، والأمثلة وافرة علي ذلك.
وتشجيع معادلة الإناث والبنين في المنزل وفي الشارع وفي العمل بصورة متساوية في الحقوق والواجبات لتصحيح إعوجاج كبير في التمييز بين الجنسين في العقد الاجتماعي الفاسد والمتقادم.
> احترام الانفتاح الذهني وثقافة التنوع باعتبارها رصيداً لقوة الدولة والمجتمع، واستئصال مفاهيم التطهير العرقي المتخلفة من القرون الوسطي ومراحل الفاشية والنازية واستبدالها بالتقبل والمحبة واكتشاف ثمار التجاوب وقبول الآخر في بناء قيم مشتركة للمواطنة والعمل والتفكير الحر.
> تكريس الجهد لأهمية الفن في المجتمع، الفن بكل ألوانه وتجلياته، الأدبي والتشكيلي والمسرحي والدرامي والإيقاعي والسينمائي، أهميتها في بناء الرأي المتحرر وزرع ملكات التأمل وقبول الطروحات المختلفة لذات الموضوع بتقدير المتذوق المنفتح دون تعصب.
وباعتبار أن الفن عند الأطفال والنشء والشباب هو سبيل مثالي للتفتيش عن الغضب والضغوطات من خلال ذلك التعبير الحر الصافي الذي يحرر النفس من محاولات التنفيس بالعنف والإرهاب إذا ما حرم من وسيلة نبيلة كالفن لبناء الشخصية واتساقها وثقتها بالنفس والتمتع بقيم التراث والبينة والفكر المنفتح.