رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( 19 )كامل الكفراوي


محمود الورداني
7/15/2017 10:34:55 AM

من بين الأماكن التي تحملت ضجيجنا ورذالاتنا أيضا، سطح إحدي العمارات في شارع أحمد عرابي. لا أتذكر بدقة الملابسات التي قادتني إلي هناك.هل كانت نوبة تمرد علي أمي الرفيقة نعمات؟ هل كانت أزمة (وجودية!) من أزمات مطلع الشباب؟ وقد تكون بلا سبب.
 بيني وبين أسطح البيوت علاقة خاصة، فقد سكنّاها في شبرا، وزرت أصدقاء سكنوها مثل ابراهيم فتحي وخليل وعلي كلفت، وسكنتها أنا أيام الهروب من أمر القبض عام 1977 ، لكنني أتحدث هنا عن سطح مختلف تماما.
كانت عمارة ضخمة يقترب عدد طوابقها أو يزيد علي عشرة طوابق، وإن كانت آنذاك بلا مصعد. يضم السطح عددا كبيرا من الحجرات المتجاورة،ويسكنها علي التوالي الفنان التشكيلي الجميل الراحل جودة خليفة والكاتب المسرحي كامل الكفراوي، الذي كان يمضي آنذاك خدمته العسكرية، لذلك كان وجوده نادرا.
يستحق الكفراوي هنا وقفة قصيرة، شأنه شأن أغلب سكان ذلك السطح. وقفة تتلمس المصائر والأقدار والمناخ الذي أعقب هزيمة كبري مثل هزيمة 1967، والتداعيات التي استمرت حتي عام 1981، وهو التاريخ الذي أنوي أن أنهي هذه الأوراق التي أكتبها الآن عنده. المهم أن الكفراوي الذي كان يقاتل العدوالإسرائيلي ويكتب مسرحيات تمتح من التراث الفرعوني مثل عروس النيل، ويتردد علي الحجرة التي استأجرها علي السطح، ويشارك في المناقشات الصاخبة التي تحاول جميعها الإجابة عن السؤال المطروح بكل عنف: مالعمل؟.. هو نفسه كامل الكفراوي الذي التقيته بعد سنوات طويلة ربما عام 1976، وقد أصبح تاجرا يتاجر في كل شئ: الأراضي ومزارع الفراخ والعلف والبيض، بل وتبرع بكل طيب خاطر بفتات من تلك الأموال ليساعد في نشر بعض أعداد مجلة غير دورية ربما كان الصديق الشاعر أمجد ريان هو الذي كان يتولي إصدارها ، كما أنه ذ الكفراوي - استعان ببعض الطلاب اليساريين الذين كانوا قد تخرجوا من الجامعة ليعملوا موظفين في مجموعة شركاته ، وموقعها آنذاك في أول الهرم من ناحية فيصل. كانت تلك المنطقة بكاملها أرضا زراعية تم تبويرها بكل غُشم وانحطاط، في الوقت نفسه الذي كانت طلائع العاملين في الخليج ،تعود في إجازات قصيرة بلحاها وجلابيبها وحجاب نسائها لشراء الأراضي الزراعية وهرسها بالأسمنت والزلط والطوب الأحمر، وهو في الأصل طين الأرض الطيبة التي تم تبويرها أيضا.
  التقيت الكفراوي في تلك الأيام الكئيبة، وربما كان سبب اللقاء أن شقيقي عبد العظيم الذي كان يعمل آنذاك في السعودية، قد أرسل يستطلع إمكانية شراء أرض يبني بيتا عليها، كما أن شقتنا التي كنا نعيش فيها في ذلك الوقت في المطبعة بالهرم، أي قريبة من مجموعة شركات الكفراوي ومقر سكنه أيضا. المهم أنني التقيتُ شخصا آخر يختلف عن كامل الكفراوي صاحب مسرحية عروس النيل والمقاتل في ساحة الوغي ضد العدوان الإسرائيلي وصاحب الصوت الأعلي في مناقشات سطح عمارة شارع أحمد عرابي.
 عندما التقيتُ به تحدث معي عن سهولة تكوين ثروة في تلك الأيام، ولم أستطع أن أجاريه في الكلام، ومازلت مندهشا حتي الآن من رد فعلي .لماذا سكتُ تماما وتركته يعيد ويزيد في الكلام حول مشروعاته وماتحقق منها وماينوي تحقيقه، بعد أن خلع الملابس الأفرنجية وارتدي جلبابا أبيض وشبشب في مكتب مقر مجموعة شركاته المكيف وهو يدخن السجائر الدي موريه.
كان الكفراوي بعد ذلك، وبعد توقيع معاهدة السلام، من أوائل من صدّروا » وربما استوردوا البيض »‬ من أو إلي إسرائيل لا أتذكر تحديدا.وآخر ماعلمته عنه في تلك الفترة هو إلقاء القبض عليه وصدور أحكام قاسية بالسجن بخصوصه بسبب معاملات مالية وشيكات بدون رصيد وما إلي ذلك.
في الأسبوع القادم، إذا امتد الأجل، أواصل الكلام عن سكان سطح عمارة شارع أحمد عرابي.