رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

زمن القليوبي ( 20 )

أيادي عبد السلام رضوان البِيض


محمود الورداني - Mah_elwardany@yahoo.com
7/22/2017 4:36:56 PM

لعبد السلام رضوان أياد بيضاء علي الثقافة المصرية، وقد أفلست الدار بطبيعة الحال لأنها اختارت أن تسبح ضد التيار ولم يكن هناك من يمولها، أما صديقي الكبير عبد السلام فقد سافر إلي الكويت، وواصل إنجازاته الثرية.


لم يكن كامل الكفراوى والفنان التشكيلى جودة خليفة وحدهما بالطبع على سطح عمارة شارع أحمد عرابى .وإذا كنت كتبتُ عن تحولات كامل الكفراوى من كاتب مسرحى ومقاتل على الحدود فى مواجهة العدو، إلى تاجر بيض إسرائيلي، فإن جودة خليفة لم يتغير مطلقا، منذ رأيته عام 1969، بصوته الجهورى وضحكته المميزة، وحتى رحيله بهدوء منذ سنوات قليلة.
كانت حجرات السطح الضيقة متجاورة، وملحق بكل منها حمام منفصل.كان يسكن فى الحجرة التالية شخص بالغ الدماثة والتهذيب ولاتملك إلا أن تبادله المودة، وهو د. أسامة أبوطالب الأستاذ بأكاديمية الفنون الآن، والذى كان آنذاك طالبا بالجامعة، وعرفتُ منه أنه يكتب الشعر، لكنه يرفض إطلاع أحد عليه، وكان الأخفض صوتا والأقل توترا  أثناء المناقشات السياسية والأدبية الصاخبة التى لم تكن تنقطع بين ساكنى تلك الحجرات وضيوفهم والمترددين عليهم. وبعد سنوات قليلة تم تجنيدى كعسكري، بينما تم تجنيده كضابط احتياط ، وأنقذنى عدة مرات من أيدى الشرطة العسكرية قبل الحرب عندما كان يلقانى بالمصادفة وأنا مقبوض عليّ.لم أستطع التخلص من شرودى وسرحانى أثناء السير فى الشارع، وأنا أرتدى الأوفرول الميرى متوجها من البيت إلى الوحدة العسكرية، دون تصريح بطبيعة الحال، فكانت الشرطة العسكرية تصطادني، وأتعطل عدة ساعات ويُحرر محضر ضدي، إلا أن أسامة كان يلمحنى من بعيد، وهو مرتد أوفروله بطبيعة الحال، وبدماثته المعهودة يتفاهم مع الشرطة، ويتم تحريري! ولسوء حظى لم ألتق به على مدى العقود التالية إلا مرات نادرة وبالمصادفة فى الشارع.
الحجرة التالية كان يسكنها شاب من خط القناة، كان قد تخرج لتوه من قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة عين شمس، وفى تلك الفترة كان قد تم تهجير سكان مدن القناة (تحتاج الهجرة وأهوالها وملابساتها لتناول منفصل، وللقارئ أن يتخيل اضطرار آلاف الأسر أو حتى عشرات الآلاف للهجرة المفاجئة، ولم تكن الحكومة آنذاك قادرة على تقديم إلا أقل الحلول والمساعدات، ومن بينهم كان لنا عدد كبير من الأصدقاء ولطالما التقيناهم على إيزافيتش وقهوة البرابرة مثل المحمود إبراهيم وفتحى شتا ومرسى سلطان وعبد المنعم وسيد كراوية .. وغيرهم وغيرهم، وعموما أتمنى أن تتاح لى الفرصة لكتابة أكثر تفصيلا).
على أى حال لفت هذا الشاب نظرى بشدة أثناء مناقشاتنا الثنائية أو العامة، فقد كان يرى أن كل أولئك الذين كانوا نجوما فى الصحافة والإعلام، وخصوصا من اليسار ليسوا أكثر من بورجوازيين تخلّوا عن القضية وباعوها وقبضوا الثمن. كان يهاجم الجميع، وكان الأكثر راديكالية، وإن كان يتحدث باحترام عن أستاذه فؤاد زكريا, كان ذلك الشاب هو الراحل عبد السلام رضوان الذى أسس واحدة من أهم دور النشر وأكثرها تميزا، وهى دار الفكر المعاصر، التى أصدرت عددا من مجلة غير دورية مازلت لحُسن الحظ أحتفظ بها تحمل اسم الدار وأعتبره عددا تاريخيا بالفعل، كما نشرت الدار أعمالا فكرية وأدبية عديدة ليحيى الطاهر عبد الله وحسن عقل وفاروق عبد القادر وفؤاد زكريا وغيرهم وغيرهم.. أظن أن مجرد إعادة نشر تلك الأعمال، وربما كان أغلبها فى حوزة الصديق نصر رضوان شقيق عبد السلام والذى شارك فى تأسيس الدار، سيكون عملا ثقافيا جبارا، وأتمنى أن تبادر إحدى دور النشر أو حتى هيئة الكتاب للتصدى لمثل هذا العمل المحترم، علما بأنه يمكن تسوية المشاكل القانونية المتعلقة بحقوق النشر. 
لعبد السلام رضوان أياد بيضاء على الثقافة المصرية، وقد أفلست الدار بطبيعة الحال لأنها اختارت أن تسبح ضد التيار ولم يكن هناك من يمولها، أما صديقى الكبير عبد السلام فقد سافر إلى الكويت، وواصل إنجازاته الثرية، وترجم عددا كبيرا من الكتب الفكرية فى سلسلة عالم المعرفة التى عمل مديرا لتحريرها، قبل أن يرحل بعد صراع قصير مع السرطان.
أواصل فى الأسبوع المقبل إذا امتد الأجل.