رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

"طه محمد علي" الذي أضاف خيط شعاع إلى الشمس


إسراء النمر
7/22/2017 5:24:26 PM

«سأبقى بقعة دم
بحجم الغيمة
على قميص هذا العالم»
ربما كان عليّ أن أتمهل قليلاً، قبل أن أندفع بكليتي نحو الشاعر الفلسطيني طه محمد علي. ربما كان عليّ أن أخطو ببطء تجاه قصائده التي اختارها الشاعر محمود خير الله وأعاد نشرها في كتاب (صبي الفراشات الملونة) الذي للمفارقة لم تُحلق فى سماء غلافه أية فراشات، إنما حمامات السلام. ربما كان عليّ أن أضع الكتاب على الرف، وأنساه لشهر، أو لشهرين، أو لعامين. ربما كان عليّ أن أنشغل - كما أفعل دوماً - بتأمل عنوان الكتاب، وابتسم له كلما مررت من أمامه، كما لو أننى ابتسم إلى أحد أعرفه. ربما كان عليّ أن أكتفى بقراءة قصيدة واحدة، وانتظر، وأنا لا أعرف لماذا انتظر. ربما كان عليّ أن أتماسك، ولا أنطرح أرضاً هكذا، غير أننى أضعف كثيراً أمام الشعر، وأضعف أكثر أمام فلسطين، وأهلها.
لقد كنتُ فى الحقيقة جائعة. جائعة إلى الشعر. جائعة إلى شاعر أجهله. بالأحرى إلى شاعر مغمور. أؤمن بأن على الكثير من الشعراء أن يظلوا مغمورين، وأن يسعوا جاهدين إلى ذلك. أؤمن أيضاً بأن علينا كأناس مُحبين للشعر، أن ننقب عنهم، وأن نقطع أميالاً وأميالاً كى نصل إليهم، وفى النهاية قد لا نصل. لذا، لم أشعر بنفس الأسى الذى شعر به محمود خير الله، والذى عبر عنه فى مقدمة الكتاب، لأنه لم يعرف طه محمد على إلا قبل عامين. لم أشعر بالأسى لأننى أحب دائماً أن أطمئن إلى أن الرهان على الكتابة الجيدة، لا على النقاد، أو الصحافة، أو الجوائز، وأن أطمئن إلى أن ثمة جمال كثير فى هذا العالم  سوف يظهر فى أوانه. 
أعى تماماً حالة الغضب التى اجتاحت محمود خير الله، لأن زميل له، تتجاهله البلاد العربية رغم أن اسمه على اللائحة العالمية لـ «أهم مائة شاعر فى القرن العشرين»، لدرجة أنه لم يلق اللوم - سخرية - سوى على طه نفسه، «الذى لا يمكن أبداً أن تتوقعه ذائقة بليدة، فالشعراء الكبار لم يولدوا أصلاً إلا خارجين عن أية ذائقة، خصوصاً إذا كانت لا تريد أن تعترف أبداً، أن من يكتب قصيدة النثر بكل هذا العمق والإيمان بعدالة القضية، هو شاعر مجازف، لا يُمكن أبداً أن تنجح خطة فى محوه، حتى وإن أنكرته أمته ولغته، فسوف تحمله الكلمات - حرفياً - إلى كل عواصم العالم».
يقول محمود خير الله: «عن نفسي، تعرفت إليه فى صدفة عجيبة خارج بقاع الأرض العربية كلها، هناك، حيث كنتُ ذات يوم من أيام صيف العام 2015 ضيفاً على مهرجان (سيت) لشعراء البحر المتوسط، الذى يجمع سنوياً فى تلك المدينة الفرنسية الساحلية الجميلة، نخبة من الشعراء العرب والأجانب، حينما مال عليّ الصديق الشاعر الفلسطينى بشير شلش، أثناء إحدى الندوات وقال بصوت هامس فى أذني: لابد أن تقرأ يا زلمة قصيدة النثر تَبَع طه محمد علي، هايدا شاعر كبير يا أخي، ليش ما فيه حدا عايز يهتم فيه بمصر؟».
لم يستوعب حينها إيقاع هذا الاسم الثلاثى غير المعتاد، وأحس كأن أحداً يطارد اسمه منذ زمن بعيد، كأن لعنة الاحتلال الإسرائيلى التى حرمته البيت والأهل والحبيبة، طاردته حتى فى الشعر، «وهو العرش الوحيد الذى يستحق أن يتبوأه الشاعر». لم يستوعب أيضاً أن اسمه لم يصادفه مرة واحدة، وهو الحريص دائماً على اقتناء أعداد مجلة (الكرمل) الثقافية الفلسطينية التى أسسها وترأس تحريرها إلى أن مات، محمود درويش. يواصل خير الله: «فَتَح بشير حقيبته الجلدية المنتفخة بهدوء، ومنحنى نسخة من الأعمال الكاملة للرجل، عليها صورة وجهه الطيب، ذى التجاعيد الغائرة على الجبهة».
من يُحدق فى وجه طه، من يمشى مع تجاعيده، من يتبع خطى سبابته اليُمنى، سوف يصل حتماً إلى فلسطين. فلسطين التى لم تعد للأسف اسمها فلسطين. سوف يرى المُدن التى أبادها العدو الإسرائيلي. سوف يرى الناس وهم يهجّرون قسراً. سوف يرى طه مراهقاً، يجر أذيال خيبته ومرير هزيمته، هو وعائلته، بعد أن جرفت الدبابات بلدته الصغيرة (صفورية) عام 1948. صفورية التى أضحت أطلالاً وخيالاً فى الذاكرة. صفورية التى منحته اسمها، فصار يُعرف بين أصدقائه بصفورية. يحكى الشاعر عن ذلك اليوم الأغبر فى قصته «دقّ، دقّ، ظلّك دقّ» فى مجموعته القصصية الوحيدة «ما يكون»، قائلاً:
"جاؤوا قبل الفجر بدباباتهم وراجماتهم، وجنودهم، فقتلوا وجرحوا واعتقلوا، وشتتوا الأهالى فى كل اتجاه. ثم شرعوا بتدمير البلد تدميراً كاملاً فنسفوا بيتنا، ومدرستنا، وثلاثة مساجد والمدرستين الأهليتين، وثلاث غرف المجلس البلدى ودار المختار، وهدموا منزول دار بكر وقطعوا شجرة التوت، وبيت الشيخ الأبيض الذى على يمين الذاهب إلى المنزول، والمسجد الكبير، فجّروهما، وبعد أن فرغوا من إزالة جميع الأبنية، وكل الخشش، والسناسل، عمدوا إلى الأشجار فأحرقوها واقتلعوا أشجار الزيتون، وأزالوا كل مَعلمٍ يذكّر بنا أو يشير إلينا. ونحن أنا وأبى وأمى لجأنا إلى لبنان".
بعد عدة أعوام قليلة من اللجوء، أحس طه بالندم على رحيله من فلسطين، فانتهز أول فرصة للعودة، وعاد، حيث سكن مدينة الناصرة، وبالتحديد فى حى بئر الأمير الذى يعتبر حى لاجئين، حيث أن غالبية سكانه كانوا لاجئين من قرى معلول والمجيدل وصفورية. وهناك، فى الناصرة، كان كلما التقى بأحد سكان صفورية القدامى، شعر كما لو أنه لا يزال يحيا فيها، كما لو أن صفورية لا تزال موجودة. ودأب طيلة حياته على زيارة أطلالها، لكنه فى سنواته الأخيرة، كان يتهرب منها، وحين سألوه عن السبب قال: "فى كل مرة أزورها أصاب بالمرض، أنفعل. لا أستطيع تفسير مشاعري، لذا قررت أن أضع هذه المشاعر فى قصيدة".
"صفورية
ماذا تفعلين هنا
فى هذا الليل المجوسى
العاكف على ذاته
عكوف القلب على البغضاء؟
وأين أقراطك
أماشطةٌ أنت أم مشنقة؟
إن كنت ملكةً
فأين كوفيتك وعقالك؟
وإن كنت راقصة أو عين ماء
فأين جواد شرحبيل؟
ماذا صنعت بسيف صلاح الدين؟
وأين وفود الظاهر؟
أين الجميع؟"
لقد وصل إلى الشعر لاجئاً، على الرغم منه. هو الفلاح، الذى لم يستطع استكمال تعليمه، إذ خرج من الصف الرابع الابتدائي، حتى يساعد عائلته فى تدبير أمور معيشتها،  وحين كبر فتح دكان لبيع العملة القديمة والقطع الأثرية والأيقونات والجمال الخشبية فى سوق الكازانوفا بالقرب من كنيسة البشارة فى الناصرة، والذى عكف فيه طيلة حياته على تثقيف نفسه وصقل جواهره العتيدة. حيث كان يقرأ كثيراً ويبيع قليلاً، إلى أن جوّد من نفسه فى اللغة العربية، وتعلم اللغة الانجليزية. وكان يفعل ذلك حباً فى العلم، لا حباً فى شئ آخر. فهو لم يكن يخطط لأن يكون شاعراً،كما لم يكن يعنيه أن يعرف الناس أن بجعبته الكثير من القصائد، ولم يكن يعنيه بالطبع أن يصل للنقاد، أو يتوسل رأيهم، حتى أنه ظل يقنع أصدقائه الذين اكتشفوا علاقته بالشعر، بأن القصائد التى يخفيها،  ليست سوى أسماك صغيرة لا تشرّف الصيادين. لقد أهاب بهم، مجازاً، بأن ينشروا الشائعة بأن كل ما لديه هو مجرد قطع شعرية مزيفة.
"سيدى الشاعر
كيف انقادت لك رياح التفاؤل
وأين وقعتَ
على كل هذا الفرح؟
ليتنى حارس
يا سيدي
فى حدائق بهجتك!"
لكن قصائده لم تحتمل عتمة الأدراج كثيراً، وفى يوم تحررت إحداها، وخرجت إلى النور، حيث يحكى الكاتب الفلسطينى أنطوان شماس فى مقال له عن هذه الواقعة، إذ يقول: "أرسل إليّ الشاعر ميشيل حداد قصيدة للنشر كتبها طه محمد على فى 1 أغسطس ١٩٧١ - كما ذيّلها - وعنوانها "شرخ فى الجمجمة". لم أقرأ الرسالة المقتضبة المرفقة التى كتبها ميشيل حداد بخطه الجميل، إذ ما إن وقع نظرى على الأسطر الأولى (حين توفى مدرب المدرسة/ سكرت البلدُ/ ترهلت أثداء النساء/ ونام الناس من العصر/ من شدة الحزن) شعرت على الفور بشرخ فى جمجمتي، شرخ الكشف والاكتشاف، ذلك بأن أقل ما يقال هو أن هذا الكلام، باستثناء ما كان يكتبه ميشيل حداد ولم يقرأه أحد، لم يكن مألوفاً على الإطلاق فى الشعر الفلسطينى .."ترهلت أثداء النساء/ من شدة الحزن" كان تعبيراً يبعد سنة ضوئية كاملة عمّا كان يُكتب فى ذلك الوقت.
على مدى السبعينيات، واصل الأصدقاء محاولة إقناع طه بأن يجمع قصائده فى ديوان، فاسترضاهم بنشر شحيح لبعضها فى بعض الملاحق والمجلات، ولم ينشر ديوانه الأول: "القصيدة الرابعة وعشر قصائد أخرى" إلا سنة 1983، حين كان قد جاوز الخمسين من عمره، ثم نشر بعده أربعة دواوين أخرى ومجموعة قصصية (ما يكون/ 2003). ورغم أن شعر طه كان فريداً، ومميزاً، ولا يتعصب لشكل القصيدة، إذ كان التركيز ينصب عنده على المعنى وعلى الإيحاء، مما جعل نصوصه مستساغة، حتى على الذين يتعصبون للشعر القديم وللوزن والقافية، إلا أن الجميع تعمد تجاهله، ومن تطوع من نفسه، وكتب عنه، لم يعطيه حقه.
أقصد بالتحديد، الناقد الفلسطينى نبيه القاسم الذى كتب مقالاً فى جريدة الاتحاد (16 يونيو 1989) عن عاشق صفورية، أى فى العام الذى صُدر فيه ديوانه الثانى (ضحك على ذقون القتلة)، إذ قال إن "كتابة طه جيدة، لكن لماذا يصر على أن يسمى ما يكتبه شعراً؟". لم يكن لدى طه آنذاك وسيلة للرد عليه، فهو شاعر مغمور، لا يتهافت عليه الصحفيون، ولا يتسابق هو على حضور الندوات، أو المؤتمرات الأدبية، لكن فى عام 2008 أجرت معه الصحفية ابتهاج زبيدات حواراً لجريدة الشرق الأوسط، ورد عليه وقتها قائلاً: " أنا لا أصر على أن ما أكتبه شعر. هذه كتابة عليها بصماتي، وهذا يكفي. كما لا يعنينى أن تسمى كتابتى شعراً أو نثراً أو لا شيء. أنا فقط أكتب بأسلوبى الخاص، ولستُ منشغلاً بأن أسمى ما أكتبه".
"فى حياته 
ما قرأ ولا كتب
فى حياته
ما قطع شجرة
ولا طعن بقرة
(..)
فى حياته
ما رفع صوته على أحد
إلا بقوله: تفضل
والله العظيم غير تفضل
ومع ذلك
فهو يحيا قضية خاسرة
حالته ميئوس منها
وحقه ذرة ملح
سقطت فى المحيط"
لم يدخل طه محمد على فى صراع مع أحد، لم يكن يميل أصلا إلى الصراع، أو إلى العنف، ولم تدعو قصائده إلى ذلك، على العكس كان يدعو إلى التسامح، وإلى التدبر فى أننا جميعاً فى خندق واحد، ربما لأجل ذلك بدا للكثيرين وكأنه بعيداً عن الشأن الفلسطيني، لكنه فى حقيقة الأمر كان فى قلب القضية، وعقلها، هو فقط لم يسلك ذات الطريق الذى سلكه الكثيرون، أو كما قال محمود خير الله أنه "لم يكن مثل طابور طويل من شعراء فلسطين، ممن يكتبون القصيدة السهلة والمُعتادة والمتوقعة، المحمولة على أكتاف القضية، التى تمثل جرحاً عربياً غائراً، وتحظى باهتمام الإعلام العربي، الذى يشعر بدوره بالذنب بسبب تخاذله منذ ضياع الحق الفلسطينى وإلى اليوم".
الأمر إذن يتوقف على القارئ، فإذا قرأ لطه على أساس أنه شاعر فقط، وليس على أساس أنه فلسطيني، فسيكتشف حالة إنسانية مكتملة، كأن يقرأ مثلاً قصيدته (أماليد) التى جاء فيها:
"بعد أن نموت
ويسدل القلب المتعبُ
أجفانه الأخيرة
على كل ما فعلناه
على كل ما تمنيناه
وعلى كل ما حلمنا به..
تشوقنا إليه
أو أحسسناه،
ستكون الكراهية 
أوّل ما يتعفن 
فينا"
أما إذ تم تناوله فى سياق فلسطينيته، سيكتشف - كما يقول الكاتب الفلسطينى علاء حليحل - شاعراً فلسطينياً سار على درب متفردة، طويلة، عنيدة وصادقة: درب الفلسطينى الذى يُحبّ بلا حدود.
"أحياناً، أتمنى أن أبارز
الشخص الذى قتل والدي
وهدم بيتنا، فشردني
فى بلاد الناس الضيقة.
فإذا قتلنى أكون قد ارتحت
إن أجهزتُ عليه أكون قد انتقمت!
لكن، إذا تبين لى أثناء المبارزة
أن لغريمى أماً تنتظره أو أباً
يضع كف يمينه على
مكان القلب من صدره
كلما تأخر ابنه ولو ربع ساعة
عن موعد عودته 
لن أقتله، إذا تمكنتُ منه"
هذا مقطع من قصيدة "انتقام" التى كانت من بين القصائد التى تم ترجمتها إلى الإنجليزية، والتى نالت شهرة كبيرة فى سنوات طه العشر الأخيرة، كما لو أنها رسالة سلام إلى البشرية، ودرساً للعدو الذى يستبيح يومياً دماء الفلسطينيين، ويواصل الاستيلاء على أراضيهم، إذ ألقاها طه باللغة العربية فى مهرجان جيرالدين دودج الشعرى الحادى عشر فى ستانهوي، نيو جيرسي، عام 2006، بينما ألقاها مترجمها بيتر كول، الشاعر والبروفسور فى جامعة ويلسان وكلية ميدلبوري، باللغة الإنجليزية، والتى لاقت إعجاب الجماهير، الذين صفقوا بحرارة، لأن عاشق صفورية، لم يخيب ظنهم فى نهاية القصيدة التى جاءت على النحو التالي:
"أما إذا كان وحيداً
 مقطوعاً من شجرة
لا أب له، ولا أم.
لا أخوة لديه، ولا أخوات
بدون زوجة وبدون أطفال
بلا أصدقاء ولا أقارب ولا جيران
من غير معارف.. 
بلا زملاء أو رفاق أو أخدان
فأنا لن أضيف إلى شقاء وحدته
لا عذاب موت ولا أسى فناء
بل سأكتفي
بأن أغض الطرف عنه
حين أمر به فى الطريق
مُقنعاً نفسى أن الإهمال 
بحد ذاته هو أيضاً
نوعٌ من أنواع الانتقام"
هكذا كان طه محمد علي، الذى كان عليه ألا يموت، قبل أن يعيد النظر فى النص الذى قال فيه إنه "حاول - عبثاً - أن يضيف خيط شعاع إلى الشمس"، ليعرف أنه استطاع أن يفعل ذلك وأكثر.


المصادر:
كتاب "صبى الفراشات الملونة" من تقديم واختيار محمود خير الله.
دراسة "تجليات الخوف والحزن فى شعر طه محمد علي" لفاروق مواسي.
مقال "طه محمد على فى ثلاثة أمثال" لأنطوان شماس.
مقال "شاعر الفردوس المسروق" لنجوان درويش.
مقال "شاعر يقاوم الخراب" لعلاء حليحل.
مقال " بين سذاجة الأم ومكر بائع سمك" لسليمان الشّيخ.