رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

اللامنتمي سمير العصفوري


جرجس شكري
7/29/2017 12:33:43 PM

هبط يوسف بك وهبي  من سيارة أجرة  قديمة مزدحمة بمجموعة من البشر الذين يرتدون ملابس التمثيل، وكان هو يرتدي  ملابس بيومي  أفندي  بعد أن شاخ وتقدم به العمر، هبط بصعوبة من بين الركاب الذين يجهلونه تماماً، بينما كنت أقف في  شارع عماد الدين الذي  كان مازال يحتفظ بكامل بهائه وعمارته المسرحية في  بداية القرن العشرين، أمسكت بيده وهو يهبط فوضع يده علي كتفي، كان جسده الذي  تضاءل يكاد يتلاشي  في  السترة الطويلة الفضفاضة، ولايزال محتفظاً بكامل هيئته لهذه الشخصية، الطربوش والعصا، والنظرة الطيبة التي تفيض بالمحبة والرضا، وقال لي  مباشرة ودون مقدمات : لاتصدّق سمير العصفوري! كان مرهقاً وحزيناً، وأشار إلي  مقهي  لم أنتبه لوجوده  في  الجهة المقابلة لمسرح الريحاني، رفع عصاه ناحية شخص يجلس إلي  جوار النافذة  ويصوب عيناه ناحية السماء  في  جزء معتم من المشهد رغم أننا كنا في  وضح النهار وقال لي: أبلغ صديقك أننا لا نجرجر الأكفان فنحن صنّاع النهضة المسرحية إذا كان لا يعلم ! وكان يقصد الناقد فاروق عبد القادر، لم أتكلم كنت فقط أستمع،استيقظت ولم أحك  هذا الحلم لأحد ، لكنني  حاولت أن أعرف، لماذا اجتمع الثلاثة في  حلم واحد، ولماذا اقتحموا منامي  ؟ 
  قبل الحلم بأيام كان المخرج الكبير سمير العصفوري  قد أبلغني  بعد حديث طويل بيني  وبينه أنه سوف يعتزل الإخراج » وبالطبع لم تكن المرة الأولي»‬ فلا فائدة هذا ما  قاله لي  وأكمل : هؤلاء لايريدون المسرح، صدقني  أنهم يكرهون المسرح، وكان يقصد المسئولين أوبالتحديد من يديرون العملية المسرحية  في  مصر / مسرح الدولة، وقبل سنوات من هذا الحلم أيضاً دار نقاش حاد بيني  وبين الراحل فاروق عبد القادر حول ماكتبه عن يوسف بك وهبي  عام 1968 حين قدم مجموعة من عروضه في  مسرح الجمهورية حيث كتب مقالاً شديد اللهجة انتقد فيه هذا النوع من المسرح  وصاحبه، وفي  نهايته وجه رسالة إلي  عميد المسرح العربي  »‬يا عزيزي  يوسف بك وهبي  بأعوامك الثمانين، وطربوشك المائل إلي  اليمين: تبعث الصور القديمة في  غيبة البديل الحقيقي، وإذا فشلنا في  أن نقدم فكراً وفناً جديدين، فلا يجوز أن نلوم أحداً إذا استبدت الصور القديمة، وخرجت الموتي  تجرجر الأكفان» وكان يقصد بالموتي  يوسف بك وأعماله ! وفي  محاولة فهم هذا الحلم سألت نفسي  لماذا لم يقم بهذا الدور حمدي  غيث الفنان الذي  قدم العصفوري  إلي  عالم المسرح كمخرج محترف، حتي وإن كان بين العصفوري  ويوسف وهبي   حكايات ومواقف لا تخلو من دلالة، حيث حاول الأول اقتحام عرين الأسد والتعرف عليه إعجاباً وتقديراً وبعد عدة لقاءات عابرة جمع بينهما المسرح مع المخرج كمال يسن في  مسرحية »‬نور الظلام» ويحكي  العصفوري  عن دعوته إلي  مسرحية »‬ زنزانة المجانين» في  مسرح الطليعة، ولكن هذا لم يكن كافياً  لبعث يوسف بك في  ملابس بيومي  أفندي  الساعاتي  ليتدخل في  حياة سمير العصفوري  المسرحية ! فهل لأن قناعتي  الشخصية  منذ أن عرفته وأنا أشاهده  صاحب مسرح وفرقة في  شارع عماد الدين أو هكذا كان يليق به  في  عشرينات القرن الماضي   ليقدم مسرحية في  الشهر علي الأقل، ربما كان هذا مبرراً للحلم ! لقد حدثني كثيراً عن يوسف وهبي  وهذا الجيل، ومن يتأمل حياة العصفوري  ومشواره المسرحي  يشعر أنه ينتمي  إلي  حقبة الرواد الأوائل، فهو امتداد لهذه النهضة وكان يليق به أن يعمل مع عزيز عيد الذي  أدي دوره في  مسلسل تليفزيوني  فيما بعد، فهو من الجيل الذي  قدم  مسرحاً للشعب حتي إذا استعارأحدهم  نصاً أجنبياً أشبعه تمصيراً ليظن مشاهده أنه ولد وكتب في  مصر،حيث الروح المصرية تسيطر علي المسرح ،  والأعمال  في  بنائها العميق تشكيل جمالي  مؤقت في  الزمان والمكان والموضوع يتحقيق من خلالها حضورا إنسانيا يفيد أخلاقيا وإجتماعياً، ليجسد في  النهاية الفعل الجماعي  الشعبي  . ورغم انتمائه إلي  جيل الستينات أو السبعينات... الذي اهتم معظمه بتقديم النظريات والمدارس المسرحية الحديثة علي المسرح !  فمنذ أن عرفته وأنا لا أستطيع أن أشاهده بمفرده في  الحياة أو علي خشبة المسرح فدائما ما ستجد خلفه وإلي  جواره وأمامه  حشد من المسرحيين لا يفارقهم ولا يفارقوه وكأنه يصافح كل يوم طابوراً طويلاً يبدأ من جورج أبيض وعزيز عيد ويمر بيوسف وهبي  ونجيب الريحاني  ووصولاً إلي  حمدي   غيث ونبيل الألفي  وسعد أردش وكرم مطاوع، فقد عاصر وتأثر بكل التيارات الفنية المسرحية التي تعرض لها المسرح المصري  سواء في  النصف الأول من القرن العشرين، أو مرحلة مابعد يوليو 1952وما يعرف بنهضة الستينات، فلم يكن كغيره حبيس قالب مسرحي  واحد أو مدرسة واحدة، حفظ أسلوباً وآمن به وارتاح إليه وانتهي  الأمر مثل أجيال عديدة ظهرت في  سبعينات القرن الماضي  !واستمرت في  العقود الأربعة الأخيرة  تجتر ما حفظته من مناهج أو نظريات فارغة وتقدم مسرحاً للمقاعد الخالية  أيضاً وفي  أحسن الأحوال للمسئولين ولجان التحكيم ! لكن سمير العصفوري  ابن المدرسة المسرحية المصرية التي تأثرت منذ نشأتها بكل التيارات الغربية وحاولت أن تجد لنفسها مكاناً في  عالم المسرح من خلال هضم واستيعاب هذه المدارس والبحث عن مسرح مصري  أصيل ذو طابع شعبي  يستفيد من فنون الفرجة، ومن التيارت المسرحية الحديثة، ويطرح أسئلة الواقع، إذ قدم بريخت ويونسكو ودورينمات وأحمد شوقي  وبيرم التونسي  وتشيكوف وت.س إليوت، ثورتن وايلدر، بيراندللو وصلاح عبد الصبور وميخائيل رومان ولوركا، وقدم أعماله في  مسرح الدولة سواء مسرح التليفزيون أو هيئة المسرح أو الثقافة الجماهيرية، ومسرح القطاع الخاص، وفي  كل الأحوال  يعتبر نفسه صاحب العرض تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً، فهو شريك في  كل مفردات العرض المسرحي، الكتابة والتمثيل والغناء، ولكن لا يشاركه أحد في  رأس العصفوري  في  فكره ورؤيته، فالمسرح بالنسبة له حرفة وليس قيمة إضافية زائدة للحضارة ، بالنسبة له حياة  بكل معناها أو قل بمعناها العميق، والجمهور يذهب إلي  المسرح لا ليشاهد نفسه فقط بل ليعيش جزءاً من حياته اليومية، ودائما ما يمزج العصفوري  في  رؤيته للمسرح بين حملة الشواكيش والمقشات الذين يعملون في  المسرح جنباً إلي  جنب مع حملة الفكر وفلسفة المسرح، وهذا ما جعله يقدم المسرح للجمهور وليس للمقاعد الفارغة،  فزمن العرض جزء مستقطع من الحياة اليومية، وليس من المدارس والنظريات التي يطبقها البعض كحمار يحمل أسفاراً . لقد تعلم المسرح في  قاعة الدرس في  معهد الفنون المسرحية  وذهب إلي  بلاد المسرح ليشاهد عروض الكوميدي  فرانسيز والأديون، ومن قبل ومن بعد مارس فن المسرح في  المدرسة في  بورسعيد ثم في  جامعة عين شمس  في  كلية الآداب قسم اللغة العربية  ليدرس اللغة العربية وآدابها علي  يد د. عبد القادر القط ومهدي  علام والمعيد في  ذلك الوقت عز الدين إسماعيل، وقبل أن يدرس أرسطو وشكسبير  ويتعرف علي يونسكو وبيكت وسارتر سافرإلي  أسلافه العرب ودرس أبي  تمام والبحتري  والمتنبي  والشعراء الصعاليك وسيبويه وألفية ابن مالك والنحو والصرف، وربما  حفظ سينية البحتري  ونونية ابن زيدون ومعلقة عمروبن كلثوم أو حتي أبياتاً من هذا التراث  وصولاً إلي  الأدب الحديث وشعراء المهجر، جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي، وذلك إلي  جانب هاملت وعطيل ومكبث وثورتن وايلدر  ودورينمات مع بيرم التونسي  وأحمد شوقي، و المخرج المسرحي  سمير العصفوري  مزيج من كل هؤلاء أو قل ناتج هذه الثقافات المتعددة  بكل أطيافها ! فحين يقدم ياعنتر ليسري  الجندي  يقدم شخصية من التراث العربي  من شعراء الجاهلية برؤية معاصرة تجسد شخصية هذا المخرج ....وحين يقدم الأخوة كرامزوف لديستوفسكي  تتحول إلي  أولاد علي بمبة  وهبط الملاك في  بابل  لدورينمات تصبح سلطان زمانه، وهكذا في  كل أعماله وجميع مراحله الفنية .
في  سيرته الذاتية " المسرح وأنا " يحكي  صفحات عن طفولته  التي سوف تحدد شخصيته فيما بعد، فقد نشأ ونما وعيه مع إنزال صورة الملك فاروق من علي الحوائط ووضعها في  المخازن أو التخلص منها وبمعني أدق التخلص من حقبة تاريخية بكل مفرداتها ليس فقط السياسية، بل الثقافية والاجتماعية ! وصعود نجم الحركة المباركة كما كان يسميها توفيق الحكيم أو ثورة يوليو فيما بعد بكل أحداثها وأفكارها فهو ابن هذه الحركة، الابن المخلص، اقتحم العدوان الثلاثي  مدينته بورسعيد ودراسته الجامعية أيضاً، فهو من الجيل الذي  آمن بالمسرح ودوره تحت وابل من قصف ثلاث دول بالمدفعية لمصر، آمن بدور المسرح علي ضوء الشموع أثناء الحرب، لقد عرف المسرح في  المدرسة ثم في  الجامعة مارس الإخراج والتمثيل وقدم العديد من المسرحيات، وقبل أن يلتحق بمعهد الفنون المسرحية كان قد عمل مخرجاً مسرحياً ودرس اللغة العربية، ثم سافر إلي  فرنسا ليكمل دراسته وعاد ليقدم مسرحاً مصرياً بكل أطافيه بدءاً من كلاسيكيات المسرح العالمي  وصولاً  إلي  المسرح الاستعراضي  ومروراً بكل الاتجاهات والأساليب المعاصرة والقديمة، الشعبية ومابعد الحداثية !
بدأ العصفوري  الذي  ولد في  27 فبراير عام 1937 العمل كمخرج محترف في  أوائل الستينات بعد تخرجه من معهد الفنون المسرحية عام 1964 بثلاثة عروض "الدرس - بلدتنا - رومولوس العظيم " فقد كان الجو مهيأ بعد إنشاء مسرح التليفزيون عام 1962  فثمة مجموعة من الأحداث السياسية والثقافية التي أعدتها الظروف لتؤثر في  حياته المسرحية، ثورة يوليو  1952 التي استقبلها في  سنوات الدراسة، ثم العدوان الثلاثي1956 في  سنوات الجامعة وكيف كان للمسرح دوراً في  المعركة، فهو ابن هذه المرحلة  بما لها وما عليها والتي انتهت بنكسة 67 وتوجها ببعثة الدراسة إلي  فرنسا في  نفس السنة . إذن بدأ  العصفوري   العمل الاحترافي  بالمسرح العالمي  مع حمدي  غيث  في  مسرح الجمهورية  الذي  كان يطلق عليه الأستاذ العاصفة وقدم مسرحية "الدرس" تأليف يوجين يونسكو، و"بلدتنا" للأمريكي  ثورتن وايلدر، ثم "رومولوس العظيم" و"زيارة السيدة العجوز" للسويسري  دورينمات ففي  عام واحد  قدم أوارق اعتماده للوسط المسرحي  عام 1964، وفي  العام التالي  قدم زيارة السيدة العجوز لدورينمات أيضاً وفي  عام 66 قدم "جسر أرتا" للكاتب اليوناني  جورج ثيوثوكا واختتم هذه المرحلة بعرض باللغة العربية الفصحي  هو"مأساة الحلاج" لصلاح عبد الصبور في  عز النكسة .   
  لقد عاش  في  تلك الحقبة الانفجار المسرحي  التليفزيوني  حين أعلن عن تكوين ثمانية شعب، وعاش ابتكار السيد بدير للفضاءات المسرحية في  أفنية المدارس ودور السينما المغمورة والأحياء الشعبية، وعاش في  نفس الفترة طرد موسسة المسرح له ولعرضه المسرحي  "رمولوس العظيم" من مسرح الجمهورية لصالح عرض فكاهي  كوميدي  سوف يُقدم فيه للضيوف "صواني  الكباب والكفتة والمشروبات التي سوف تحتل المقاعد الأولي  بدلاً من نصوص المسرح العالمي  " فقد كانت الدودة في  أصل الشجرة،
لقد عاش نهضة الستينات بكل ما تحويه من تناقضات بالمزايا والعيوب، قدم فيها المسرح العالمي  وتم طرده من المسرح لصالح  الفكاهة  السياسية وضيوفها، قدم سمير العصفوري  المسرح في  كل صوره ولكل فئات الشعب، المخرج المثقف الطليعي  قدم مسرحاً يستطيع أن يتواصل معه الجمهور، ومنذ أن بدأ الاحتراف المسرحي  في  نهاية الخمسينات أثناء الدراسة الجامعية وحياته المسرحية تسير بالتوازي  مع صعود وتراجع المسرح المصري مع ازدهاره وسقوطه، فهو جزء من هذا التاريخ وعلي مدي  ستة عقود تمثل أعماله حال المسرح المصري   بدءاً من المسرح العالمي  في  ستينات القرن العشرين وصولاً إلي  "حزمني  يا، ألابندا، باللوا "في  نهايته وبداية القرن التالي، ومابينهما ميخائيل رومان ونجيب محفوظ وأحمد شوقي  وشوقي  عبد الحكيم ويسري  الجندي  وغيرهم، ففي  سنوات النهضة قدم دورينمات، ويونسكو وثورتن وايلدر، وتلا ذلك ميخائيل رومان ونجيب محفوظ وأحمد شوقي  ويسري  الجندي  في  السبعينات والثمنينات، وصولاً إلي  أعمال لفيفي  عبده ومحمد هنيدي  وأحمد السقا ومني زكي  وغيرهم من نجوم المرحلة  الجديدة, إنه حقاً اللامنتمي، فهو لا ينتمي   إلا لسمير العصفوري  وفن المسرح .وكأنه يقول للجميع لقد خُلقت لتقديم المسرح في  كل صوره . لقد اختار في  حقبة الستينات المسرح العالمي   مع نص لصلاح عبد الصبور بالإضافة إلي  عمله في  مسرح الثقافة الجماهيرية  الذي  كان واجباً وطنياً في  ذلك الوقت,  فهذا الرجل يعيش في  مسرح دائم، مسرح لايسدل الستار أبداً فهو يمسرح كل شيء، ولا أعرف إذا كان يري  الدنيا من خلال المسرح أم يري  المسرح من خلال الدنيا، فكل شيء عند العصفوري  قابل للمسرحة فهو يقوم بدور المخرج في  كل 
تفاصيل الحياة اليومية، وليس غريباً أن يبدأ حياته الاحترافية بمجموعة من الكتاب العالميين المعاصرين لتقديمهم للواقع المصري  مثل  يونسكو دورينمات وثورتن وايلدر، والشاعر الشاب صلاح عبد الصبور وكلهم كانوا أحياء في  تلك الفترة, قدم معاصريه في  العالم, قدم رموز الحركة المسرحية المعاصرة، فقد كان يكتشف أساليب مسرحية جديدة فهو لم يلجأ إلي  النصوص الكلاسيكية المضمونة والراسخة بل حاول اكتشاف وتقديم معاصريه من المسرحيين العالميين .
  ليس العصفوري  المخرج المسرحي  الذي  درس مجموعة من الكتب في  قاعة الدرس وحفظ النظريات المسرحية قديمها وحديثها، ثم راح يفرّغ ما حفظه علي خشبة المسرح، وليس هو مساعد المخرج الذي   ترقي بحكم الروتين فأصبح مخرجاً مثل العشرات الذين يعملون الآن، لكنه ابن المسرح، بل ابن الحياة المسرحية، والمسرح بالنسبة له أسلوب حياة فهو أقرب إلي  فرق السمّاجة الذين كانوا يمسرحون الحياة بالفطرة دون دراسة أو تعليم، أو أقرب إلي  فرق المحبظين، لكنه تعلم واستفاد من منجزات المسرح الحديث، و ظلت تحكمه هذه الغريزة،غريزة المسرح فهو يمسرح الحياة، وظني  أنه  لا يقوم بإخراج العروض المسرحية بالشكل التقليدي  المتعارف عليه، ولكنه يخرج الناس في  الحكاية، الحكام والساسة وأهل الفن، بل والزمن وحوادثه، وأحياناً يُخرج نفسه كما فعل في  مسرحية "مسافر ضهر" فالمسرح بالنسبة له فرجة، وتشعر أن هناك علاقة سرية بينه وبين المسرح، نحاول كشفها ولا نعرف عنها إلا القليل، فعلي الرغم من أنه يوهم الجميع أنه يناقش الواقع ويتعامل مع الجمهور إلا أنه يحاور فن المسرح أولاً وأخيراً ومسيرته تؤكد هذا، إذ يقول لك في  كل خطوة أنا أفكر إذن أنا مخرج مسرحي  .  لقد حاول كما حاول جيل الرواد إرساء قواعد للفن المسرحي، فكان هاجس تحويل المسرح إلي  تقليد شعبي  يُلّح عليه في  كل أعماله، وتدل اختياراته ومسيرته المسرحية سالفة الذكر علي ما أقول، وقد ساعده التوجه العام في  مصر في  ستينات القرن الماضي   علي ذلك, حيث تم طرح فكرة المسرح علي المستوي الشعبي  وتم إنشاء مسارح في  الأقاليم "قصور الثقافة " بالإضافة إلي  انتشار الفكر اليساري  الذي  ساعد علي تأكيد فكرة التوجه بالمسرح إلي  الجمهور .
وعلي الرغم من اهتمام العصفوري  بالمسرح الشعبي، إلا أنه لم يقدم عملاً واحداً لمحمود دياب صاحب مسرحيتي  "الزوبعة وليالي  الحصاد " وكلاهما تجسيد حي  لنموذج مسرح السامر، ولم يلجأ إلي  يوسف إدريس صاحب مسرحية " الفرافير" التي  سبقها بيان عنوانه " نحو مسرح عربي" ولكنه قدم المسرح الشعبي  وفقاً لرؤيته وليس من خلال الأشكال التقليدية التي قدمها الآخرون سواء السامر أو الفرفور، أو شاعر الربابة  الذي  طرحه توفيق الحكيم في  كتابه " قالبنا  المسرحي   لكنه استفاد من الظواهر المسرحية التراثية  لتقديم مسرح شعبي  يستفيد من كل الأساليب والمدارس المسرحية الحديثة كما حدث في  " الملك معروف - يا عنتر- أبو زيد الهلالي  - العسل عسل " وغيرها من العروض .
سمير العصفوري  عبر مشواره المسرحي  سليل  الجماعات التي كانت تحيي  الأفراح والأعياد وتدعي إلي  مجالس اللهو في  العصر الأموي، وأُطلق عليهم السمّاجة أو المضحك أو المُحاكي ، واعتبرهم الدارسون "أحد أهم الظواهر المسرحية في  التراث العربي، حيث كانوا يقدمون حكايتهم وألعابهم في  مجالس الخلفاء، إذ تطورت من الرقص واللعب إلي  الحكي، ومحاكاة الواقع وإعادة تمثيله " وكانت هذه الأفعال تتم بأسلوب ارتجالي  يعتمد علي  مهارة التمثيل، وقد تطورت هذه الظواهر وصولاً إلي  فن الأراجوز وعروض المخايل التي انتشرت في  القرن السادس عشر واستمرت في  مصر حتي جسد ت هذه الفرق إعدام طومان باي  للسلطان العثماني، ثم "فرق المحبظين  الذي  ذكرهم  الرحالة إدورد لين  وكيف كانوا يقدمون عروضهم  في  حفلات الزواج والختان، وإنهم كانوا يجتذبون إليهم حلقات من المتفرجين "  حتي شاهدهم يحييون حفل ختان أحد أبناء محمد علي باشا وصولاً إلي  بابات ابن دانيال وغيرها، فقد  نهل سمير العصفوري  من كل هؤلاء ليس فقط الظواهر التراثية وعناصر المسرح الشعبي  بل انحيازه إلي   نص العرض الذي  يشترك فيه المخرج مع الممثلين حتي وإن كان يستند إلي  نص مسرحي  رصين ، فقد سعي  العصفوري  منذ أعماله الأولي  إلي  سحب البساط من تحت أقدام المؤلف، محاولاً العودة إلي  فنون المسرح المصري  قبل الاعتماد علي المسرح المستورد، لقد حاول علي مدي  مسيرته المسرحية  إفساح المجال للممثل لإبراز  قدراته والإفراج عن طاقته الحبيسة، فالعمل المسرحي  وفقاً لقناعته عمل فريق يقوده المخرج لا المؤلف، لقد اختلف سمير العصفوري  عن كل أبناء جيله ومن سبقوه في  عدم انتمائه إلي  مدرسة أو أسلوب محدد فلم ينحاز إلي  المسرح الملحمي  فقط كما فعل البعض  علي سبيل المثال لكنه انحاز إلي  فكرة مغزاها البحث عن مسرح مصري  يعبّر من خلاله عن روح الشعب في  الموالد والاحتفالات الاجتماعية والدينية، وكل الظواهر المسرحية التراثية، لقد استعان بأساليب مسرحية غربية مثل البرولسك، الجروتسك  والفودفيل والريفيو والكباريه السياسي  وغيرها من الأساليب المسرحية ولكن كلها كانت تعمل لخدمة رؤيته  في  البحث عن مسرح مصري  .
لذلك كان من المفترض أن يزورني  في  الحلم ليس فقط يوسف بك وهبي  صاحب الميلودرامات الشهيرة، ولكن  من كانوا يخرجون الناس في  الحكايات في  العصرين الأموي  والعباسي، ومعهم المحبظين والمخايل المصري  الذي  جسد شنق طومان باي،  ومعهم أيضاً يعقوب صنوع وصولاً إلي  عزيز عيد وهم يصرخون جميعاً  : لا تصدّق سمير العصفوي، فهو لايستطع اعتزال المسرح, فهو يمسرح كل شيء دون حاجة إلي  خشبة مسرح.
وفي  النهاية إذا كان عزيز عيد قد وضع قواعد للإخراج المسرحي  وهو أول من حدد ورسم دور المخرج المسرحي وأهميته في  العرض  في  بداية القرن العشرين فإن سمير العصفوري  بلور فكرة المخرج المسرحي  المصري، فثمة هوية للإخراج المسرحي  المصري  تبلورت علي يد سمير العصفوري   وفي  أعماله وإن كان آخرون من قبله مهدوا الطريق الذي  سار عليه، ففي  كل أعماله سواء في  المسرح العالمي، أو العروض القائمة علي نصوص مسرحية مصرية أو أعمال القطاع الخاص التي لا تعتمد كثيراً علي النص ثمة هوية واضحة للعرض المسرحي  المصري  الذي  يستفيد من كل الظواهر التراثية وأيضاً المدارس الغربية الحديثة.







تعليقات القرّاء