رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( 21 ) جودة خليفة


محمود الورداني [email protected]
7/29/2017 12:48:10 PM

إلي جانب من ذكرتهم من قبل، من شاغلي حجرات سطح عمارة شارع أحمد عرابي، وهم كامل الكفراوي وأسامة أبو طالب وعبد السلام رضوان، كان هناك أيضا الفنان الراحل جودة خليفة، ومضيفي الشاعر نجيب شهاب الدين.ربما خانتني الذاكرة هنا، وربما كان هناك آخرون لاأتذكرهم، خصوصا وأن سيل الزائرين لم يكن ينقطع: أسامة الغزولي وخليل كلفت ومحمد جاد الرب وأروي صالح وعبد الرحيم منصور.. وغيرهم ممن غابوا عن الذاكرة.
 جودة خليفة طراز خاص من البشرية في حقيقة الأمر.فلاح أبا عن جد، ويتردد أن خيري شلبي استلهم شخصية المرأة القوية، وتد الخيمة القادرة علي تحمل مسئولية عائلة بكاملها، والتي تحمل عبء الجميع علي كتفيها، وهي فاطمة تعلبة في » الوتد»‬، من السيدة والدة جودة خليفة .تخرج في كلية الفنون الجميلة في أوائل الستينات، وكان من بين فناني دُفعته محيي الدين اللباد والدسوقي فهمي ونبيل تاج وإسماعيل دياب وعز الدين نجيب وغيرهم من كبار الفنانين المحترمين.  
ليس معروفا علي وجه التحديد لماذا كان جودة يبدو وكأنه لايحمل أي قدر من الجدية مع الحياة بكاملها، يسخر من الدنيا والرسم والثقافة السائدة بين مجايليه. لايرغب في أي شئ، ولم يمتلك أي شئ، لم يحصل علي أي منصب، باستثناء منصبه كمدير لمتحف مصطفي كامل، والذي لم يستمر   فيه إلا شهورا قليلة، ثم عمل رساما في عدد كبير من الصحف والمجلات، لكنه لم يأخذ أيا منها بجدية، وربما يتذكر البعض رسوماته لرواية فتحي غانم حكاية تو في صباح الخير، أو بعض رسوماته في مجلة أكتوبر.كذلك أهمل جودة أن يقيم معارض لأعماله أو حتي يشارك في معارض عامة.
جودة أيضا كان من أهل الخطوة، وليس مستغربا أن تراه في أي مكان، وما أن يلج المكان حتي يخلع حذاءه أو صندله ويغسل جوربه ويفرشه ليجف، ثم يباشر أي عمل. وكثيرا ما كنت أذهب إلي بيت أحد الأصدقاء أو مقهي من المقاهي، أو عند أحمد فؤاد نجم في الغورية أو عند صديقي الروائي عبده جبير في السيدة زينب فألقاه مصادفة، ثم ننزل معا أوبصحبة آخرين لنواصل الصعلكة حتي نستقر في الفحامين أو قايتباي. كان جودة صعلوكا ومشّاءً لايشق له غبار، من الصعب أن يحصل علي أي نقود، أو يبحث عن طريقة ليحصل عليها وإذا حصل علي النزر اليسير فهو ينفقه علي الفور.
والحقيقة أن جودة لم يكن وحده يحمل تلك الملامح التي أحاول رسمها الآن. أغلب أبناء ذلك الجيل كانت لهم الملامح نفسها: ملامح الاستغناء والإحساس بأن هناك رسالة، وأن عملهم غير قابل لأي شكل من أشكال المساومة، وهناك نوع من التقديس للرسالة التي يحملونها. لا أقصد المفاضلة بينهم وبين من جاءوا بعدهم، بل أحاول تسجيل بعض تلك الملامح.
علي أي حال، اضطر جودة للسفر مرة واحدة في أواخر تسعينات القرن الماضي، إثر مشاجرة في مقهي مع أحد الضباط، وكان من المؤكد صدور حكم جائر بعد أن توعده الضابط، فسافر إلي قطر، وعاد خالي الوفاض مثلما ذهب، واستقر في أخبار الأدب منذ تأسيسها وعمل هو والراحل الكبير جميل شفيق في رسم الأعمال الأدبية والأغلفة ومنحا أخبار الأدب شكلا متميزا، كان درسا تشكيليا وحده، علي الرغم من أن أجر كل منهما كان لا يقترب ولا يتساوي مع عملهما بأي حال، لكنهما أحبا التجربة وأخلصا لها.
وهكذا قُدّر لي أن أكون صديقا قريبا من جودة خليفة منذ شبابي الباكر، وحتي رحيل جودة خلال العقد الأول من الألفية الجديدة.
استكمل في العدد المقبل إذا امتد الأجل.

تعليقات القرّاء