رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

رحلة الهند.. خبرات ثقافية وهموم مصرية


د. عز الدين نجيب
8/5/2017 10:42:35 AM

للهند في نفسي منزلة خاصة منذ زرتها لعدة أسابيع في خريف عام 1990، وبقيَتْ خبرات تلك الرحلة حية ومتفاعلة بوجداني وفكري حتي اليوم، وتجاوزت آثارها أغراض المهمة الرسمية التي كلفت بها من وزارة الثقافة لتمثيل مصر في ترينالي نيودلهي الدولي للفنون التشكيلية، »قومسييرا»‬ للجناح المصري ومشاركا فيه بلوحاتي مع أعمال سبعة فنانين من شتي الأجيال والفروع الفنية، لتصبح بالنسبة لي اكتشافاً معرفياً وإنسانياً وحضارياً يولِّد بداخلي رؤي جديدة، صرت أُطل من خلالها علي واقعنا الثقافي المصري، وأقارنه بنظيره الهندي بحثاً عن آفاق ثقافية تخرج بنا من الطرق المسدودة مع الجمهور والعالم في هذا المجال.
لهذا سعدت بالدعوة التي وُجهت إلي في الأسبوع الماضي من المركز الثقافي الهندي بالقاهرة لحضور احتفالية بمناسبة صدور العدد 500 من مجلة صوت الهند التي تصدر شهرياً في مصر باللغة العربية، مساهمة في بناء جسر للتواصل الثقافي بين البلدين، وتعزيز الصداقة بين شعبنا في ضوء الأهداف المصيرية والروح الحضارية المتواشجة بينهما عبر التاريخ، وقد سبق أن نشرتُ في المجلة  إثر عودتي  مقالاً مطولاً عن زيارتي وتجربتي في نيودلهي، وتمت الإشارة إليها في العدد التذكاري الذي صدر يوم الاحتفالية... وبالرغم من الحشد الكبير  دبلوماسيا وشعبياً  الذي شهدته حديقة المركز المصري للتبادل الثقافي الدولي بالزمالك من المصريين والهنود والجنسيات الأخري الاحتفالية بهذه المناسبة، ومن كثرة الخطباء ومن  وحرارة الكلمات وعبارات الحفاوة والإشادة، فلم يخرج أغلبها عن جمل بروتوكولية من دبلوماسيين عملوا في البلدين، مع متحدث أو اثنين قدَّما خبرة عابرة عن التواصل الثقافي بين البلدين، وكان المنتظر أن نسمع ونري بالفيديو تجارب ومشروعات خبرات فنية وثقافية مشتركة  أو حتي من الجانب الهندي  يمكن لمصر أن تستلهمها في مشروعاتها الثقافية.
إن احتكاكي المحدود خلال رحلتي عام 1990 هو نوع من هذه الخبرات الجديرة بالاستلهام، لو وجدت من يستمع إليها أو من يؤرقه هاجس التطوير والتقدم في بلدنا... وخلال السطور التالية سأحاول عرض بعض هذه الخبرات الثقافية في مجال الفنون البصرية والحرفية في الهند، قمت بنشر بعضها عقب الرحلة المذكورة، ولم يكترث بتطبيقها المسئولون وإن تحمسوا لها في البداية.
إن الهند قد نجحت في تطبيق ما يسمي »‬الصناعات الثقافية»، وتعني أن تكون الثقافة سلعة استثمارية قادرة علي التمويل الذاتي وعلي التنمية الاقتصادية دون التنازل عن أهدافها الثقافية في بناء وعي الإنسان وذوقه وقيمه المعنوية غير المستهدفة للربح.. وعلي رأس هذه الصناعات تأتي السينما الهندية عبر مدينة بومباي أو بولييود الشرق، حتي أصبحت عابرة للدول والقارات ومضخة كبري للدخل القومي، ولا يقتصر عائدها علي الجانب الاقتصادي وجانب المتعة الفنية للجماهير العريضة بالهند والحصول علي حقها في العدالة الثقافية، بل يتخطي دورها ذلك إلي تأصيل الروح الثقافة الهندية بقيمها وتقاليدها العريضة، وبعث رسالة حضارية إلي العالم مضمونها الحب والسلام والجمال، والحفاظ علي التنوع الثقافي الهائل لأقاليم الهند، وتحويل الفن إلي وسيلة للوحدة والتقدم والانفتاح علي العالم، ومن ثم فإن ما خصصته الدولة من مصادر إنفاق علي هذه الصناعة منذ تأسيسها وخلال مراحلها الأولي، قد عاد بثماره أضعافاً مضاعفة علي الدخل القومي لأمة الهند، فوق ثماره الثقافية التي عملت علي تقدم المجتمع وبث القيم الحضارية والنهضوية للشعوب الهندية... ألا تستحق هذه التجربة أن نستلهمها للنهوض بالسينما المصرية المأزومة؟
ولا يقل عن السينما في ميدان الصناعات الثقافية في الهند؛ استثمارها لتراثها العريق من الحرف التقليدية، حيث تخطت منتجاتها الحدود الإقليمية إلي آفاق العالم أجمع، محققة عائدات اقتصادية هائلة، تصب مباشرة لصالح النهوض بحياة ملايين الهنود في مختلف الأقاليم، ومن ثم في مجمل الدخل القومي، وتستعين الدولة  لتحقيق ذلك  بشبكة واسعة تغطي كافة أرجاء الهند من المؤسسات والمصانع والورش الصغيرة ومتناهية الصغر في أقصي القري وداخل البيوت، 

وبإنشاء صناديق الدعم وشركات التسويق والمعارض العابرة للقارات ومنظمات التمثيل النقابي والرعاية الاجتماعية والصحية وتوفير الخدمات والتأمينات وغير ذلك، وقد تحقق أغلبه، فوق العائد الاقتصادي والعائد الاجتماعي بإتاحة ما لا يحصي من فرص العمل غير المكلفة، ناهيك عن إبراز الهوية الثقافية وتأصيلها في الداخل والخارج.
والزائر لأي مدينة في الهند يجد نفسه محاطاً بالتاريخ، عبر أشكال المباني والأزياء والحلي المبهرة بجمالها التقليدي التي ترتديها الأغلبية الساحقة من الشعب نساء ورجالاً في كل مكان حتي في الجامعات والمؤتمرات، وبأسعار منخفضة... لقد نجح الهنود في أن يكونوا هم المنتج والمستهلك لما يصنعونه بأيديهم قبل أن يكون إنتاجهم سلعاً للتصدير، فجعلوا منه نمط حياة وهوية أمة.
ولقد بهرت عند زيارتي لمدينة الحرف التقليدية بنيو دلهي، حيث وجدتني أطوف في جولة بين مختلف أقاليم الهند عبر المنازل المقامة الممثلة لبعض الأقاليم بخصائصها المعمارية وأنشطتها الحرفية، حيث تقيم بها عائلات منتجة تمثل مختلف البيئات والثقافات، وتمارس إنتاجها الحرفي بمختلف المجالات أمام الزائرين، وتقوم ببيعه لهم مباشرة بغير وسيط يستغلهم.. وألهمتني المدينة بمشروع مشابه ليقام في مصر، وفور عودتي قمت بتصميمه وعمل دراسة الجدوي له، وتقدمت به إلي وزير الثقافة آنذاك الفنان فاروق حسني بعد موافقة الفنان أحمد نوار رئيس قطاع الفنون التشكيلية عليه، ليقام بمدينة الفسطاط الإسلامية بمصر القديمة، كمشروع عالمي، وأقره المؤتمر الاقتصادي الدولي بالقاهرة 1996، وخُصصت له مساحة الأرض اللازمة، وأنشئت الوحدة الأولي منه في شكل مركز الخزف، وقامت حرم الرئيس الأسبق مبارك بافتتاحه وبوضع حجر الأساس للمدينة عام 2001، ولسبب مجهول حتي اليوم توقف المشروع، بالرغم من تصريح الوزير يوم الافتتاح بتوفير الميزانية اللازمة له محليا ودولياً، ولم يبق منه الآن غير الشاهد الرخامي الذي وضع قبل الافتتاح.. وبقيت عشرات الحرف التراثية في مهب الريح تعاني التدهور ومخاطر الاندثار.
كان يوم افتتاح معرض ترينالي نيودلهي يوماً مشهوداً مليئاً بالدروس الحضارية.. يعكس المكانة الرفيعة التي تضع الدولة فيها الفنون؛ لقد كان رئيس الجمهورية هو من قام بافتتاح المعرض، واستمرت جولته أكثر من ساعتين، ووقف طويلاً في الجناح المصري الذي كنت مسئولا عنه، ليس لأنه يضم التمثال الذي فاز بالجائزة الكبري علي مستوي كافة الدول الأربعين بما فيها أمريكاً وبريطانياً وفرنسا وإيطاليا واليابان، وإنما لأن عمل الفنان أحمد جاد الحائز علي الجائزة أعاد إلي الرئيس صورة ومكانة مصر في النحت كأبرز ملامح الحضارة المصرية القديمة، واسترسل في حديثه عن أهمية هذه الحضارة لعدة دقائق تعد طويلة جداً في مثل هذه المناسبات.. ونظراً لأن صاحب التمثال لم يحضر من مصر، لاقتصار الدعوة الهندية للحضور علي شخص واحد هو القومسيير، فقد أعطي الرئيس تعليمات بتوجيه دعوة خاصة للفنان للحضور، وهو ما حدث بالفعل وتم تكريمه فور وصوله.
وكان الدرس الثاني هو بقاء رئيس الجمهورية  بعد انتهاء الجولة  للمشاركة في حفل المهرجان، ويبدو أنه لم يكن مخططاً لإقامته من قبل، حيث أقيمت منصة علي وجه السرعة، وجلس جميع الحضور علي البُسُط المفروشة أمامها كالمصلين، وأمامهم علي المنصة الرئيس والوزراء.. كان ذلك نموذجاً مذهلاً للديمقراطية والبساطة والتقشف علي طريقة غاندي، ودليلا  في الوقت ذاته  علي الثراء الحضاري، والجميع ينصت باهتمام إلي كلمات الرئيس عن أهمية الفن ووزنه في ميزان الحضارة وتقدم الأمم.
وأثار دهشتي أنه كان من بين المتحدثين وزير المواصلات.. فما شأنه بمعرض للفن؟.. وزالت دهشتي حين ذكر أن هذا المهرجان الدولي (بجوائزه الكبري) تم تمويله من عائد طابع بريد أصدرته وزارة المواصلات بمناسبة إقامة الترينالي.. يا له من ذكاء وراء فكرة من خارج الإطار التقليدي!!.. ذلك أن فقر الإمكانات المادية لا يحول دون قيام دولة متحضرة بواجبها الذي يليق بماضيها وحاضرها.
في اليوم التالي تلقيت دعوة من أكاديمية »‬لاليت كالا» المنظمة للترينالي لإلقاء محاضرة قصيرة عن الفن المصري الحديث، ضمن برنامج ثقافي شارك فيه عدد محدود جدا من المدعوين الأجانب، وذلك للتعرف علي حركة الفن في بلد كل منهم، ولتشكيل خلفية وثائقية عنها كرصيد معرفي تحرص عليه الأكاديمية في كل دورة ليكون مادة للدارسين يرجعون إليها.
فوجئت بعد أيام بقيام لجنة من متحف الفن الحديث بنيو دلهي باقتناء عدد من الأعمال المعروضة من مختلف الدول المشاركة، وشرفتُ بأن أكون صاحب إحداها.. ما يعكس اهتمام الهند بتأسيس متحف دولي للفن يتجاوز الحدود المحلية ليحتضن فنون الحداثة وما بعد الحداثة في العالم، بدون تمييز بين شرق وغرب، أو بين مدرسة فنية وأخري، واصطحبني مدير المتحف في جولة خاصة بين قاعاته، حتي توقف أمام لوحة فوجئت بها وأنا أشعر بفرحة شديدة.. فقد كانت للفنانة الراحلة قبلها بعام واحد.. انجي أفلاطون.. وأخبرني مدير المتحف أنها أقامت معرضاً لأعمالها بنيودلهي منذ سنوات واقتني المتحف إحدي لوحاتها، وأنها محل اعتزاز كبير بين مقتنياته.
انظر ماذا تفعل دولة نامية لا تزال تجاهد لتوفير ضرورات الحياة الأساسية لمئات الملايين من مواطنيها.. وماذا نفعل نحن في مصر بما نملكه من تراث فني عالمي!.. ذلك أنه في نفس العام (1990) تصاعدت دعوة في بعض الصحف المصرية لبيع مقتنيات مصر التي بلغت 4000 عمل من التراث الفني العالمي بمتحفي الجزيرة ومحمد محمود خليل بالمزاد العلني، بحجة تسديد ديون مصر.. وقد ظلت الحكومة صامتة طوال الأسابيع التي انتشرت خلالها هذه الدعوة بالصحف، حتي بدا وكأنها بالون اختبار تطلقه لمعرفة رد الفعل قبل التنفيذ.. غير أن مئات المثقفين بادروا بإقامة مؤتمر حاشد ضد مشروع البيع، وشرفتُ بأن أكون أمينه العام، مما دعا وزير الثقافة فاروق حسني لنفي الخبر قبل انعقاد المؤتمر بساعتين، فيؤدي ذلك إلي اجهاضه بعد حضور المشاركين، لكن ذلك لم يتحقق، فقد بلغ عدد الحاضرين قرابة 500 من نخب الفنانين والأدباء والمفكرين والمثقفين، وأصدروا بياناً قوياً بإدانة الفكرة والتوجه، وبتأسيس جمعية ثقافية، للدفاع عن مقتنياتنا المتخفية، انتخب الدكتور ثروت عكاشة رئيساً لها.
كان جناح الهند في المعرض الدولي بحد ذاته درساً في تأكيد الهوية الهندية في الفن، بالرغم من متابعة الفنانين الهنود لآخر اتجاهات الحداثة الفنية في الغرب، لكنهم نجحوا بامتياز في تحقيق المعادلة الصعبة؛ بين الحفاظ علي الملامح القومية وبين التطورات العالمية، فلا يحتاج المشاهد لأي مجهود كي يكتشف الخصوصية الهندية للأعمال الفنية رغم مسايرتها لتوجهات الابداع الحديث في العالم، لكنها تهضمها وتحمِّلها بخصائص التراث أو الروح الهندية، وترتفع بها إلي حالات روحانية يندر تحقيقها في الفنون الغربية المعاصرة.. هكذا يثري الانفتاح الثقافي والحضاري الهويات الثقافية للشعوب.. وتلك الهوية أغلي ما تملكه الهند ضمن قوتها الناعمة. 

تعليقات القرّاء