رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

السينما والشعر


د. سلمي مبارك
8/5/2017 10:45:06 AM

بالرغم من أن العلاقة الأكثر شيوعا هي تلك التي تربط السينما بفنون القص وأجناسه مثل الرواية، القصة القصيرة، الحكاية الشعبية.. إلخ. إلا أن علاقة الشعر بالسينما تمس أبعادا أكثر عمق تتعلق بجوهر اللغة الفنية. اعتمد بعض النقاد في التقريب بين الشعر والسينما علي وجود ما رأوه عناصر مشتركة في الوظيفة الأنطولوجية لكل منهما. يقول فرانسيس بونج الشاعر الفرنسي أن الشئ الأساسي الذي جعله يكرس حياته لكتابة الشعر هو كون الإنسان في علاقته بالأشياء -من خلال اللغة - يفقد تلك الأشياء لأنه يتوقف عن التعامل معها كموجودات ويستبدلها بمفردات الكلام. ويبدو لبونج أن الشعر هو القادر علي إعادة استخدام اللغة لبث الحياة في الأشياء وكأننا نراها للمرة الأولي. (1)
يتحدث أيضا الشاعر إيف بون فوا عن مشروع الشعر بوصفه »محاولة لاستخدام كلمات تتساءل عن حدودها، في محاولة للحاق بخصوصية ما سيفقده العالم بمجرد أن يصاغ في كلمات.»‬ (2)
تتقاطع هذه الآراء مع ما كتبه الكثيرون عن السينما. يقول فرنان ليجي: »‬يقوم السينماتوجراف بهذه الثورة التي تجعلنا نري ما لم يلمحه أحد من قبل.»ويقول سيجفريد كراكور أن »‬السينما تستدعي للمرئي ما لا نراه أو حتي ما لم يكن من الممكن رؤيته قبل ظهورها.» (3) وفي كتابه عن مبادئ فلسفة السينما، يكتب كوهين سيات : »‬وأنا؟ تقول الورقة وهي تسقط. ونحن؟ تقول قشرة البرتقالة ولسعة الهواء العابرة ... الفيلم سواء رضينا أم لم نرض هو صوتهم.» (4)
في فيلم »‬المومياء» لشادي عبد السلام مشهد يجسد تلك المعاني، هو مشهد اللقاء بين ونيس والغريب ذلك الفلاح القادم من الوادي، حين يتجولان بين أطلال التماثيل الفرعونية الضخمة. بالنسبة لونيس هي مجرد أحجار كان يلعب بينها عندما كان صغيرا، أما بالنسبة للغريب فهي تصاوير غريبة تثير الرهبة لم ير لها مثيلا من قبل. تتماهي الكاميرا مع وجهة نظر هذا الوافد، فنري عبر زاويا غير مألوفة وتكوينات مدهشة تستخدم التضاد بين الكتل والفراغ، لقطات لتلك الوجوه والأكف والأجسام العملاقة، المبتورة، الملقاة علي الرمال. تتحول البداهة شيئا فشيئا لتعجب وتبدأ التساؤلات تحيل المعتاد لمدهش، تزيل اعتيادية تلك الأحجار، وتدعو ونيس لإعادة النظر في مسلماته ومعها تتساءل عين المشاهد المتأمل.
قامت العلاقة بين السينما والشعر أيضا علي استلهام السينما جماليات تنتمي لمدارس شعرية بعينها. وهنا يترآي لنا بقوة نموذج السريالية في الشعر والسينما. دعا أبولينير في 1917الشعراء كي يتهيأوا لهذا الفن الجديد، فن الصور المتحركة، ووجد أنه يقع علي عاتقهم إبعاد السينما عن رجال الأعمال بأن يصنعوا بأنفسهم أفلاما تخاطب ملكات الروح و التأمل بعيدا عن الخيال السوقي لصناع السينما. وقد وجد الشعراء السرياليون في الفن السابع ضالتهم فكانوا أول من استجاب لدعوة أبولينير حيث اكتشفوا في السينما سحرا، فالحلم يتجسد علي الشاشة وينتقل من عالم السبات إلي عالم اليقظة. يقول روبير ديسنوس الشاعر الفرنسي  السريالي أن المخرج عليه أن يسجل أحلامه  ثم يصورها صباح اليوم التالي. (5)
وقد تجلي هذا التزاوج المبكر بين السينما والشعر في فيلم »‬كلب أندلسي» لبونويل وفي المشهد الافتتاحي نري نموذجا للاستعارة السريالية. نعلم أن الصورة الفنية بمعناها الواسع تعتمد علي عقد علاقة تشابه بين عنصرين بالاعتماد علي شئ مشترك ينتج دلالة تجمعهما. تختلف الصورة السريالية في أنها تعتمد علي عقد علاقات تشابه بين عناصر تفتقد لهذا الشيء المشترك بحيث يشكل التشبيه صدمة للمتلقي. وفي مشهد البداية المشهور نري رجلا يسن نصل سكين ، ثم يتجه بنظره إلي السماء فيري المشاهد قمرا مكتملا تعبره سحابات رفيعة، ثم نعود إلي وجه امرأة واسعة العينين ذات وجه مستدير، و يتهيأ الرجل لشق عينها بالسكين. يقوم هذا المشهد علي استخدام الاستعارة السريالية - كما تري ليندا وليمز- التي تفكك البنية التقليدية للاستعارة حيث التشابه بين العناصر يقوم علي أساس دلالي ، بينما تقوم المقاربة السريالية في الفيلم بين صورة القمر تعبره السحابات الرفيعة وصورة العين تشقهاالسكين،علي عناصر شكلية دونما أن يتولد أي معني.
شكل ثالث للتداخل بين السينمائي والشعري يتبدي في تجارب ينتقل فيها الشعر المكتوب إلي فيلم. وهنا نجد نوعين من الأعمال، في النوع الأول تقتبس السينما قصيدة فيتحول نص شعري بعينه إلي فيلم. خاضت العديد من الأعمال هذه المغامرة، خاصة في عصرالسينما الصامتة حيث تسمح مساحات الصمت بانبعاث لغة الشعر وايقاعاته في تشكلات الصورة. نذكر الأفلام العديدة التي اقتبست عن قصيدة فاوست للشاعر الألماني جوته وتلك التي اقتبست من قصائد إدجار آلان بو النثرية، والأفلام التي استلهمت الأوديسا

 لهوميروس حيث شكلت القصائد الملحمية الكلاسيكية منبعا ملهما للعديد من المخرجين. وفي السنوات الأخيرة اقتبس المخرج الفرنسي  كريستوف أونوريه في فيلمه »‬التحولات» 2014 قصيدة لأوفيد الشاعر اللاتيني تحمل نفس العنوان. تجربة أخري فريدة من السينما اليابانية في فيلم »‬أيام شتوية» وهو فيلم رسوم متحركة يتكون من 36 فيلما قصيرا مدة كل منهم تتراوح بين 30 ثانية ودقيقتين، ويستلهم كل فيلم مقطعا شعريا من قصيدة کenku التي اشترك في كتاباتها شعراء عديدون من القرن السابع عشر. وفي السينما العربية المستقلة حول المخرج اليمني حميد عقبي  قصيدة »‬حياة جامدة» للشاعر العراقي  سعدي  يوسف لفيلم قصير عام 2005 في تجربة نادرة لاقتباس الشعر في السينما العربية.
 النوع الثاني من تجارب تحول الشعر للسينما يحدث عندما ينتقل مجمل العالم الشعري لشاعر ما بمفرداته وخصائصه لفيلم. وهو عمل قام به المخرج الفرنسي جان دانييل بوليه في فيلم Dieu sait quoi  . المخرج هنا يستلهم مشروع فرنسيس بونج الشعري الذي يعتمد فيه علي الوصف، باعتبار الوصف لا يهدف إلي التعبير عن الشيء الموصوف بقدر ما هو أداة لخلقه.  يقول بونج : »‬سأعتبر نفسي قادر (ولو قليلا) علي التعبير عن التفاحة إذا استطعت أن أخلق نصا لديه من الحياة في عالم النصوص نفس هذا القدرمن الحياة الممنوح للتفاحة في عالم الأشياء.»هذا المشروع الشعري الذي  يقود فرنسيس بونج في مجمل كتاباته هو المستلهم في فيلم   Dieu sait quoi   كما يشرح روجيه أودين في دراسة عن هذا الفيلم(6)، حيث يعتمد السينمائي علي اللقطات الوصفية الطويلة ذات الطول غير المعتاد لأشياء تنتمي إلي عالم بونج الشعري، كمحطة القطار. فمحطة القطار من الأماكن المحملة برصيد هائل من الحكائية. يتوقف بونج عند هذا المكان مستخدما لقطات طويلة جدا كي يصور مكانا فارغا من الحياة، فارغا من كل شيء سوي من الأشياء الرئيسية التي تشكل محطة قطار : قضبان ، أرصفة، ساعة ،... ثم لا شئ آخر. و من خلال اضطرار المشاهد للتعامل مع طول اللقطات يبدأ شيئا فشيئا في التخلص من مخزون الخيال المرتبط بالمكان والولوج للعالم البصري للأشياء والتعرف علي كينونتها. و هي التجربة التي أطلقت عليها ماري كلير روبار عملية غسيل بصري.
مدخل رابع للتداخل بين الشعري والسينمائي  نجده في استخدام تقنيات خاصة بلغة الشعر في الفيلم بحيث يقترب شكله من الشعر متخلصا من القواعد التقليدية للسرد. يقول بيير باولو بازوليني مفرقا بين سينما النثر وسينما الشعر أن المهم في سينما النثر هو الحدث ،  لذا فالكاميرا لا يجب أن تشعر المشاهد بوجودها. أما في سينما الشعر فالكاميرا تعلن عن نفسها وعن ذاتية من يقف وراءها لتعكس رؤيته للعالم باستخدام تقنيات تتحرر من أساليب السرد الكلاسيكي لتخترع نحوا سينمائيا مغايرا، كما يخلق الشعر نحوا مغايرا لقواعد اللغة النثرية. (7)
تقدم أفلام جان كوكتو مثالا نموذجيا لسينما الشعر فهو شاعر جاء من حقل الكلمة لكنه رأي في السينما كتابة »‬بمداد من الضوء».يقول حميد عقبي  : »‬في  فيلم »‬الجميلة و الوحش» مارس كوكتو هوايته المفضلة في  التلاعب مع الظلمة والنور مع الأبيض والأسود، هو سيد الضوء هو شاعر الغرفة المظلمة..» (8) لذا كان الشعر هو لغة ذات إيقاع، وإذا كان الإيقاع يتولد من تكرار بعض الموتيفات الصوتية فمن الممكن أن نجد في واحد من المقاطع الشهيرة من فيلم »‬الجميلة والوحش»، مرادفا بصريا لمفهوم الإيقاع الشعري. إذ نري الجميلة تدخل قصر الوحش للمرة الأولي باستخدام تقنية التصوير البطيء. تتفقد الجميلة أرجاء المكان حيث تتناوب مناطق الإظلام الدامس مع مناطق ظلالية في تبادل منتظم بحيث يصبح للصورة بعدا تشكيليا ذا إيقاع بصري. كذلك تخلق الحركة داخل الكادر إيقاعا آخر، إذ تجري الجميلة في ترافلينج للأمام داخل طرقات القصر بخطوات واسعة وملابس هفهافة متموجة. تتقاطع هذه الحركة الرأسية مع حركة أفقية هي حركة الستائر المتطايرة التي تغطي النوافذ
العديدة علي جانبي الطرقات فتتجلي شعرية الصورة في الايقاعات البصرية التي تصنعها الكاميرا بالضوء والحركة.
وفي واحد من كلاسيكيات الواقعية في السينما المصرية وهو فيلم »‬الحرام»، يمكننا أن نتلمس بلاغة الفيلم الشعرية في قدرته أولا علي الولولوج للعالم الداخلي لشخصية عزيزة والتعبير عن مشاعرها بحميمية نبيلة، ثانيا يحدث تحريك المشاعر بأقل قدر من استخدام الحوار، حيث تطبق مساحات من الصمت العميق علي لغة الفيلم عندما تسكت عزيزة عن الكلام بعد حادث الاعتداء. ترسم الظلال والتكوينات البصرية وحدة الشخصية وسط الحقول وبين الجموع وفي قلب الدار مع أسرتها. يقول باردو جافيه أن لغة الشعر تتميز بالقدرة علي التعبير عن الما وراء، ما وراء المادة وما وراء
المشاعر. (9) وفي »‬الحرام» يتداخل الحكي مع الشعر في تلك المشاهد التي تصور آلام عزيزة المكتومة، حيث يتجاوز التعبير عن الألم المستوي الميلودرامي و المستوي النفسي  لما وراء الألم.
إذا كانت هذه النماذج تمثل بعض من الأشكال المطروحة لتداخل السينما والشعر فمن المؤكد أنه توجد أشكال أخري عديدة تتجلي في السينما كما في الشعر، فتشي بخصوبة هذه المادةالفنية المتسربة بين حدود الفنون كي تحث الدارسين للالتفات لثرائها.

تعليقات القرّاء