رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( 22 ) سايس حصانك ع القنا وتعالي


محمود الورداني
8/5/2017 10:47:15 AM

إذا كنت قد ترددت عدة مرات علي سطح عمارة شارع أحمد عرابي، إلا أن زيارتي الأولي كانت الأطول، ولا أتذكر السبب: هل كانت نوبة تمرد علي الرفيقة نعمات، أم لسبب آخر.كان مضيفي هو صديقي الكبير الشاعر نجيب شهاب الدين وهو في الأصل صديق شقيقي الأكبر عبد العظيم، وأظن أنه ممن ترددوا علي شقة العمرانية، وبعد أن التقينا علي قهوة إيزافيتش عدة مرات، كان من الطبيعي أن نصبح أصدقاء، أو هكذا كانت تجري الأمور في زماننا.
نجيب بالنسبة لي حالة خاصة جدا، وأعتبره مثلا من أهم وأرق شعراء العامية المصريين في الجيل الذي جاء بعد جيل الأبنودي وسيد حجاب وعبد الرحيم منصور وغيرهم، وبعد مرور مايقرب من أربعين عاما علي تعرفي عليه، لم يهتم بجمع قصائده في ديوان مطبوع، وهناك شاعر آخر لايقل أهمية، وهو أحد مجايلي وأصدقاء نجيب، الشاعر أسامة الغزولي، كلاهما شاعران كبيران، أكرر كبيران، لم يعنيا بإصدار دواوين، واكتفيا بنشر قصائد قليلة، في جاليري 68 والمساء، كما غني الشيخ إمام عيسي قصيدتين أو ثلاثا لنجيب واشتهرت من بينها سايس حصانك.
كانت أولي القصائد التي استمعت إليها سعد اليتيم، والشتا، ومنذ تلك اللحظة تدفقت قصائد نجيب التي اعتاد إلقاءها علي أصدقائه، وهي قصائد فاتنة، وعلي  مدي عدة عقود، أي أن لديه عدة دواوين جاهزة للنشر. أكاد أقول أن الاستغناء والعزوف وعدم الاهتمام بالظهور وانتفاء شهوة التواجد سمات أساسية لتلك الموجات من الكتاب، منذ أواخر الستينات، وربما حتي أوائل الثمانينات، وإذا أضفنا إلي ذلك أن تلك الفترة شهدت أيضا تصدي الكتاب لتأسيس منابر مستقلة، وما كنت قد أطلقت عليه ثورة الماستر، والمقصود بها ذلك السيل الذي لم ينقطع من المجلات غير الدورية والمطبوعة بطريقة التصوير، والمتمردة علي المجلات الرسمية للحكومة، إذا أضفنا كلا من الظاهرتين للأخري لأدركنا أن ذلك الرفض النبيل للمؤسسة الرسمية اتخذ أشكالا متعددة، تصل إلي حد المقاطعة التلقائية الواسعة، أي من دون اتفاق أو توجيهات، كل مافي الأمر أن هناك موجات من الكتاب وجدوا أنه من غير المحترم أو اللائق النشر في مثل تلك المنابر.
 نجيب كان طرازا وحده وأحد شيوخ تلك الطريقة. المستغنيين والمكتفين ومن لايريدون شيئا، ومن هم علي استعداد لدفع الثمن كاملا في مقابل اختياراتهم مثل جودة خليفة وعبد السلام رضوان وحسن عقل ومحمد جادالرب وغيرهم وغيرهم.
 نجيب استغني، ظل مستغنيا في كل مراحل حياته، فقد سافر مثلا مع أسرته إلي باريس وأمضي هناك مايقرب من عشر سنوات، لايختلط بأحد ولاعلاقة له بالسيرك المنصوب في الخارج، في فترة رواج المهاجرين من الكتاب والصحفيين المصريين في السبعينات، وعاش في استديو صغير بصحبة آلة كاتبة كان يعيش من أجر الكتابة عليها، بل لم يتعلم الفنية وفرض علي نفسه عزلة اختيارية.
وعندما عاد التحق بشئ كان إسمه المجلس الأعلي للفنون والآداب، وهو نفسه الذي التحق به أحمد فؤاد نجم وأمل دنقل ويحيي الطاهر عبدالله، وهو أشبه بمؤسسة خيرية حكومية تمنح أقل القليل مما لايمكن أن يقيم أود الإنسان، إلا أولئك المستغنين.وهكذا عاش صديقي الكبير الذي لم تنقطع علاقتي به، حتي لو تعذر لقاؤنا. وعلي عكس مايردده الخبثاء من أصدقائنا أن نجيب من شيوخ الاكتئاب، لا أري أنه أكثر اكتئابا من أي منا، بل كان أكثر حرصا علي الاطمئنان علي أصدقائه والسؤال عنهم.
وأخيرا أدين لنجيب بقراءة كتاب إنجلز »أصل الملكية الخاصة»‬ .. والذي كان موجودا علي مكتبه المصنوع من الصاج الرخيص في تلك الحجرة المعتلية سطح عمارة شارع أحمد عرابي، عندما استضافني نجيب في مطلع الشباب.