رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( 24 ) بيوت عبده جبير


محمود الورداني
8/19/2017 11:23:16 AM

  البيوت التي سكنها صديقي عبده جبير تحملت الكثير من ضجيجنا ورذالاتنا ، شأنها شأن بيت الرفيقة نعمات في العمرانية ثم الهرم، وبيت محمد سيف في حارة درب البوارين، وسطح عمارة شارع أحمد عرابي، وبيت الفيل في حارة الزير المعلّق.
  عبده من أوائل من تعرّفت عليهم علي قهوة إيزافيتش، وقاده تعليمه الأزهري للالتحاق بكلية اللغات والترجمة التابعة لجامعة الأزهر ، وأيامها كان يسكن في حجرة في شقة أم محمد بجوار حديقة المريلاند بمصر الجديدة، ولم يكن ضروريا، كما أتذكر، أن تدخل الحجرة عبر الشقة، فهناك شرفة صغيرة في الدور الأول، وبقفزة واحدة تصبح داخل الحجرة . عبده كريم جدا، وكثيرا ماشهدت تلك الحجرة أعدادا تفوق طاقتها علي الاحتمال وتبرم وثرثرة أم محمد التي تجلس في برج المراقبة في الصالة طوال الوقت.
  أتذكر أنني أمضيت عنده ليالي عديدة بصحبة يحيي الطاهر عبد الله وخليل فاضل وعلي كلفت، وفي الصباح كان عبده هو أول من يستيقظ ليعد لك الحلبة باللبن والفايش الذي لايمكن للواحد أن ينسي إلي أي حد كان شهيا.
  ظلت بيوت عبده مفتوحة لأصدقائه علي مدي عدة عقود، وهو واحد من أمهر الطباخين وأكثرهم قدرة علي إعداد الولائم بمفرده. وعلي قهوة إيزافيتش قرأت قصصه الأولي الفاتنة مثل ضوء مصباح الغاز ودحرجة الأحجار في الحديقة والأمواج، وقصة أخري نسيت عنوانها عن زوجين عائدين بعد أن دفنا ابنهما.. وغيرها وغيرها فهو قصاص مهم ومؤثر وساحر. كنا ننشر معا في المساء سواء عند عبد الفتاح الجمل، أو عند فاروق منيب خلال الشهور القليلة التي أمضاها الجمل في الأخبار قبل أن يفرّ عائدا إلي المساء.ثم توثقت علاقتنا أكثر عندما سكنا معا متجاورين تقريبا في الهرم، وكان بيت عبده ملاذا للعشرات بلا أي مبالغة، سواء إقامة دائمة أو مؤقتة، والحقيقة أن تلك كانت ملامح أساسية للمرحلة، فلا شئ يخص أحدا بالحدة التي يمكن تصورها، ونحن لانتبادل الكتب وحدها،  بل نتبادل القروش والزاد والنميمة ومن الطبيعي أن تنفق ما معك ولاحساب بين الناس.
  بالمناسبة عبده صعيدي من إسنا وهو ابن أحد مشايخ الأزهر الكبار، لكن الكتابة اختطفته مبكرا، وسرعان مابدأ يتكاسل عن التردد علي المعهد الذي يدرس فيه، ثم استهوته الصحافة، وفجأة قرر في أوائل السبعينيات السفر إلي بيروت ليتعلم علي يد الأسطوات الكبار. بالمناسبة أيضا ولمن لايعرف عبده أحد أسطوات الصحافة .. جورنالجي شاطر وديسكمان لايشق له غبار ، وعمل فترات متقطعة في المصور والهلال وكل الناس وكان العمود الأساسي لمجلة القاهرة عندما تولاها غالي شكري وأصدرت أعدادا أسطورية.
  عبده صديقي طبعا، لكنني لاأمتدحه هنا ، بل أتحدث عن حقائق موجودة ماتزال ،فقد أمضي، علي سبيل المثال نحو عشر سنوات متواصلة كأحد مديري تحرير جريدة القبس، وكان يحرر وحده- أكرر وحده - ملحقا يوميا من اثنتي عشرة صفحة.
وفي الوقت نفسه أصدر عددا من الروايات المهمة بدءا من فارس علي حصان من الخشب ثم تحريك القلب وسبيل الشخص ومواعيد الذهاب إلي آخر الليل  وغيرها من المجموعات القصصية.
  أما بيروت فقد أمضي بها وقتا لابأس به وتعلّم علي يد اسطواتها ، ثم عاد بصحبة زوجته الأولي الإيرلندية السيدة جين، التي شقت لنفسها طريقا من المودة  والمحبة في كل بيوت أصدقاء عبده التي دخلتها، كما فتحت بيتها أيضا لأصدقاء عبده لسنوات وسنوات في الدور الأخير في بناية عتيقة في السيدة زينب .. وتلك قصة أخري سأستكملها في العدد القادم إذا امتد الأجل..

تعليقات القرّاء