رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

زمن القليوبي (25 ) استعادة ما جري

كتابة


محمود الورداني [email protected]
8/26/2017 11:13:22 AM

 ليس من بين أهداف هذه الأوراق كتابة نقد أدبي رصين، كما أن ليس من بين أهدافها أيضا الحنين للزمن الجميل والنوستالجيا المرتبطة به، وغاية ماتطمح إليه استعادة ماجري وتأمله والتقليب في تفاصيله، ووسيلتي  الأساسية- لا الوحيدة  هي الذاكرة.
علي أي حال كنت قد ذكرت من قبل أنني تعرفت علي عبده جبير في قهوة إيزافيتش عام 1970 أو 1971 علي الأكثر، ومنذ قصصه الأولي انتبهتُ بشدة إلي أن هناك شيئا ما خلابا في ذلك الحكي الذي يبدو محايدا ورصينا، لكنه يمور بحركة داخلية تصل إلي حد العنف لاأكتب نقدا هنا  لكنني أشير بسرعة إلي أنه كاتب تجريبي بامتياز، وتنقل بين عدد كبير من الأساليب والطرائق الفنية بحثا عن مرفأ، ويُحسب له أنه أدرك أن لامرفأ ، وأن كل كتابة هي مرفأ جديد.
لحُسن الطالع سكنّا في الهرم متجاورين يفصل بيننا نحو ربع ساعة سيرا علي الأقدام، ولأنه كان أعزب، استراح كثير من الأصدقاء لتمضية الوقت معه، ولحسن الطالع أن صديقنا المخرج الكبير سيد سعيد كان يسكن في منتصف المسافة بيني وبين عبده ومعه شقيقه الراحل محمد السيد سعيد الذي كان طالبا أيامها في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ولك أن تتخيل الرغد الذي عشناه، وكمية الأصدقاء الذين أتيح لنا أن نلتقي بهم.
أما شقته في الدور الأخير في بيت السيدة زينب المتداعي فقد استضاف فيها، خلال ثمانينيات وجانب من تسعينيات القرن الماضي العشرات من الكتاب والمثقفين والفنانين التشكيليين من أجيال مختلفة، وقبل اختراع الهواتف كان من النادر أن تتوجه إلي عبده ولاتجده وتجد أصدقاءك وتمضي الوقت الذي تشاء، ولو كنت جائعا ستجد طعاما وتشرب شايا، وستجد- علي الأغلب الشيخ إمام ونجم أونجم وحده ويستقبلك عبده وزوجته جين بكل مودة ومحبة ، كما كان هناك مكان للنوم أيضا، إذا تعذر عودتك .
 وعلي الرغم من أن كلا منا كان قد اختار أن ينتمي إلي تنظيم يساري مختلف إلا أن صداقتنا كانت أقوي وأكثر صمودا من الخلافات الطاحنة، ولا أنسي أنني أرسلت له من محبسي في سجن طرة عام 1980 أن يوفر لي عددا من الكتب من بينها تاريخ الجبرتي، فسارع بإرسالها، واستمرت صداقتنا حتي وقعت الطامة الكبري، عندما وقع البيت المتداعي وتهدم في لحظة واحدة، بينما كان هو  إذا لم تخني الذاكرة- في الفيوم التي كان من أوائل من نزحوا إليها في قرية تونس المطلة علي بحيرة قارون. فَقَد عبده مكتبة نادرة أمضي عمره في تكوينها من المكتبات القديمة، إلي جانب ثروة نادرة من الدوريات والمخطوطات والأوراق.
  ماجري كان كارثة بكل المقاييس، ولاأعلم كيف تحملها عبده، وكيف استعاد نفسه، فما فقده من المستحيل تعويضه. دعك من الكتب النادرة والدوريات، ولكن الأوراق والمخطوطات ومشروعات الكتابة، والأثاث الذي يحمل الذكريات ، والمكان نفسه المطل علي دار الهلال من الخلف، والقرب من مقام الطاهرة.
 وبعد عشر سنوات من التغريبة في الكويت كأحد مديري تحرير القبس، عاد عبده واستأنف حياته، وواصل الكتابة من مقر إقامته في الفيوم، وعندما هاتفته أخيرا أخبرني أنه علي وشك إنهاء روايته الجديدة قيام الفاكهة، وتذكرت علي الفور أنها أحد الأعمال التي بدأها منذ أكثر من ثلاثين عاما، وعاد إليها علي فترات متقطعة، لكنه هذه المرة أوشك علي الانتهاء منها.
  أواصل في الأسبوع القادم إذا امتد الأجل.

تعليقات القرّاء