رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

زمن القليوبي ( 26 ) عن جاليري 68

كتابة


محمود الورداني
9/2/2017 11:19:15 AM

سوف أنتقل هنا إلي واحد من أهم ملامح تلك الفترة وأكثرها تأثيرا، وهو صدور مجلة جاليري 68. كنت في الثامنة عشرة، وأتردد علي استحياء علي قهوة ريش، محاولا الهروب من دفع ثمن المشروب، وبصحبة يحيي الطاهر عبد الله.وعلي مدي الأعداد الثمانية التي صدرت، لم يتح لي النشر فيها، وإن كان قد تقرر إعداد ملف  لنشر نماذج من قصصي، وعدد محدود من الدراسات حول القصص التي كتبتها، وبالفعل أعطيت القصص لغالب هلسا، وكتب ملاحظاته ( مازلت أحتفظ بها) وتحمس إبراهيم منصور بشدة، لكن المجلة توقفت علي نحو لم يفاجئ البعض، مثل إدوار الخراط الذي ألمح إلي ذلك في العدد الثامن.
أظن أن المجلة كانت واحدة من أهم التجارب الثقافية، وهي لم تكن ردا علي هزيمة أو كارثة 1967 فقط، بل أيضا كانت العمل المستقل الأول بعد عقود من تأميم الصراع الاجتماعي ومنع إصدار الصحف والمجلات، وكافة المنابر الموجودة مملوكة للاتحاد الاشتراكي. لذلك تم استئجار رخصة مجلة كانت قد توقفت عن الصدور، وهي مجلة الأدباء وصاحب الامتياز هو عثمان حلمي، كما حرصت المجلة علي كتابة تلك المعلومة في عددها الأول لدواع قانونية.
بدأت الفكرة علي قهوة ريش، وتحمس لها الكثيرون، بل إن نجيب محفوظ ويوسف إدريس كانا من أوائل من بادر بالتبرع لها عندما أُعلن عن اكتتاب، ونظّم الفنانون التشكيليون معرضا لبيع أعمالهم، وخصصت حصيلة البيع للمجلة الوليدة.
أعتمد في الكتابة هنا علي الطبعة الجديدة التي أصدرتها مجلة الكتابة الأخري ربما في أوائل الألفية الجديدة ( ليس هناك تاريخ محدد في الطبعة الجديدة، وإن كانت هناك إشارة إلي دعم صندوق التنمية الثقافية للطبعة) .فالطبعة الأصلية التي كانت في حوزتي، طلبها مني جميل عطية إبراهيم، واشترطت عليه أن يعيدها لي بعد أن يصوّر مايحتاجه منها، لكنه لم يعيدها، بل وادعي أنني لم أعطه شيئا مطلقا!! والمهم أنني فقدتها علي يد الرجل المعروف بالعدل والحق، ولله الأمر من قبل ومن بعد!!
أتذكر جيدا أن المناقشات الصاخبة حول ضرورة إصدار مستقل، أكرر مستقل، كانت تدور علي ريش، والإصرار علي أن تكون مستقلة شارك فيه الجميع حتي ممن كانوا حريصين علي عدم التورط في عمل له جانبه السياسي، شئنا أم أبينا، لأن أي كلام عن حرية التعبير والاستقلال عن الأجهزة الرسمية كان يعد آنذاك معصية بل ومن الكبائر. إلا أن هناك مايشبه الإجماع علي الترحيب بالمجلة التي لم تكن مطلقا للبحث عن سُبل للنشر، وهذه نقطة مهمة أود تأكيدها، فالمنابر الموجودة بالفعل مثل مجلة المجلة أو الكاتب أو جريدة المساء، أوحتي خارج مصر مثل الآداب اللبنانية وغيرها كانت ترحب بشدة بنشر إنتاج كتاب من طراز إبراهيم أصلان ومحمد البساطي وبهاء طاهر وأمل دنقل ويحيي الطاهر وإدوار الخراط وحسن سليمان وغيرهم. هؤلاء لم تكن لديهم أزمة نشر، كان لديهم أزمة مع الهزيمة والأصوات العالية الجوفاء، والكذب والتدليس الذي مارسه حكام يوليو علي نطاق واسع، علي الرغم من إيجابيات الحكم الجديد المتناثرة هنا وهناك.
التصدير الذي أعلنت به 68 عن نفسها في العدد الأول أكثر من دال، ويتكون من كلمات قليلة جدا ووفّقه الفنان أحمد مرسي رئيس تحرير العدد الأول. التصدير يتحدث عن » النكسة العسكرية»‬ التي حلّت، ويعتبرها الثمن الفادح الذي كان علينا أن ندفعه لـ» »‬الوقوف علي الحقيقة العارية» وهذه الحقيقة هي »‬ الأرض الصلدة التي نقف عليها بأقدامنا اليوم في انتظار لحظة الميلاد الجديد».
  أواصل في الأسبوع القادم إذا امتد الأجل.