رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

تاريخ الإسلام و الحج في روسيا الاتحادية


د. محمد نصر الدين الجبالي
9/2/2017 11:22:34 AM


يقع إقليم شمال القوقاز في جنوب غربي روسيا وعلي الحدود الفاصلة بين أوروبا وآسيا. وتضم منطقة شمال القوقاز سبع جمهوريات (داغستان والشيشان وأنغوشيا وقبردين بلغاريا وأوسيتيا الشماليَّة وكرتشاي تشريكاسيا وأديغيا). ويبلغ إجمالي عدد المسلمين في هذه الوحدات الإدارية نحو 6-7 ملايين نسمة. أما الديانة السائدة فهي الإسلام تليها المسيحية الأرثوذكسية.
ويعمل معظم سكان القوقاز في الزراعة حيث تتسم الأراضي بالخصوبة الشديدة ووفرة المياه واعتدال الطقس. كما يشتغلون ببعض الصناعات المعدنية وذلك نظرًا لتوفر الفحم والنفط والغاز الطّبيعي. كما ينشط سكان القوقاز في مجال تجارة التجزئة وخاصة المحاصيل الزراعيَّة. ويعمل جزء آخر في مهنة الرعي وذلك لوفرة العشب في الجبال.
يعود تاريخ الإسلام في القوقاز إلي القرن السابع الميلادي. وكانت ديربينت أول مدينة فتحها المسلمون في روسيا وذلك عام 651م. وتقع هذه المدينة في جمهورية داغستان. وقد أقام المسلمون فيها مسجدًا هو أول مسجد بني في روسيا. وقد كانت هذه المدينة لبنة لتأسيس دول مسلمة مستقلة داخل حدود روسيا.
ويمثِّل الشعب الداغستاني أهمية كبيرة بين شعوب روسيا الإسلاميَّة. وتضم داغستان عددًا كبيرًا من الشعوب المسلمة نذكر منها الأفار والدارجين والكوميك والليزجين وغيرهم.
وقد كانت مدينة ديربنت وشبكة القلاع المحصنة التي تحيط بها خطّ دفاع أول عن الخلافة الإسلاميَّة من الناحية الشمالية. كما كانت أيْضًا مركزا لنشر تعاليم الإسلام في المناطق الشماليَّة من القوقاز.
ويُعدُّ الشيشان من أكبر الشعوب المسلمة في القوقاز عددًا حيث يبلغ تعدادهم أكثر من مليون ونصف المليون نسمة. ويعيش أغلبهم في جمهورية الشيشان بجنوب روسيا الاتحادية ويتوزع الباقون في الجمهوريات المجاورة مثل أنجوشيا وداغستان.
وقد ارتبط مصير الشعب الشيشاني دائمًا بشعب آخر شقيق له وهو الشعب الأنجوشي. ويعيش في روسيا أكثر من أربعمائة ألف أنجوشي يقطن أغلبهم جمهورية أنجوشيا.
وقد خرج من منطقة القوقاز العديد من العلماء والأدباء والقادة ونذكر منهم العالم تايجيب بن عمر (القرن السادس عشر) وهو عالم ومؤلف للعديد من كتب اللغة العربيَّة والمنطق والفقه. وهناك أيْضًا شعبان بن إسماعيل (القرن السابع عشر) عالم مستعرب أسس مدرسة ذاع صيتها خارج القوقاز. كما نذكر العالم محمد بن موسي من قرية كودوتل (منتصف القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر) وهو عالم شهير ومؤلف للعديد من الكتب في اللغة العربيَّة. وقد لعب هؤلاء الثلاثة دورًا كبيرًا في النشر والحفاظ علي اللغة العربيَّة في القوقاز.
وهناك شخصيَّة أخري قوقازية تحظي بمكانة عظيمة ليس فقط في القوقاز بل وفي روسيا بأكملها وهو الإمام والقائد العسكري شامل. وقد ولد شامل في عام 1798م. وتلقي منذ صغره علوم اللغة العربيَّة والفلسفة والفقه والأدب العربي. وبرز كإداري ممتاز، وقائد فذ بصير، ويجمع في نفسه عقل رجل الدين العالم، ورجل السياسة. وأنشأ حكومةً وطنيَّة، بسط سلطانها علي معظم البلاد، وعني بالنواحي العمرانيّة والمدنيّة، وحافظ علي الأمن والنظام.
وقضي ربع قرن في مقاومة القوات الروسية دفاعًا عن استقلال بلاده، وتولي رئاسة الحكومة كما ترأس وفد القوقاز الشماليَّة إلي مؤتمر الصلح في باريس، حيث طالب بوحدة القوقاز.
صمد شامل أمام الفرق الروسيّة الخمس وقاتل الروس خمسًا وثلاثين سنة، وانتصر عليهم في كثير من المواقع التي خاضها معهم. وكان من البديهي أن تضمحل مقاومته أمام قوات الروس عظيمة العدد، وانشغال الدَّولة العثمانيّة بحرب القرم. وتقدّمت القوات الروسيّة ببطء فحاصرته في كوينب آخر معاقله وعرضت عليه تسليم نفسه إلي الخليفة العثماني، فسلم نفسه سنة 1859 بعد نزوله علي إرادة أصحابه، وحمل إلي قيصر روسيا إسكندر الثاني في سانت بطرسبرج، فأحسن استقباله، وعاش حتَّي سنة 1869 في كالوغا إلي الجنوب من موسكو.
وقد استمرت عملية دخول أهالي القوقاز في الإسلام فترة طويلة. وقد حدث شيء من المزيج الحضاري والثقافي بين الطقوس الإسلاميَّة والطقوس المحليَّة ونتج عنه خليط حضاري مميز من التقاليد والعادات الشعبية.
والإدارة الروحية لمسلمي شمال القوقاز مقرها مدينة محج قلعة بداغستان. و تقوم هذه الإدارة بطباعة القرآن الكريم وكذا إصدار التقاويم الهجرية للمسلمين وتوفير احتياجات المساجد لأداء المشاعر.
وتنتشر المؤسسات التعليميَّة في مختلف الأقاليم الروسية ومنها القوقاز. وعن التَّعليم الإسلامي يمكن القول إنه يشهد تطوَّرًا في الفترة الأخيرة وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م. وظهر الكثير من التيارات الدينيَّة والمذاهب. وقد برزت مدرستان أساسيتان اجتذبتا المسلمين في روسيا: الأولي في الفولجا في مدينة كازان. أما المدرسة الثانية فكانت في شمال القوقاز وخاصة جمهورية داغستان التي تتمتع بتقاليد تمتد لأكثر من 1400 عام. وقد شهدت هذه المنطقة إنجازات الكثير من علماء الدين حتَّي قبل دخول العرب مدينة ديربنت. وكان لهؤلاء فضل كبير في تأسيس أول مدرسة فكرية دينية مكتملة ألا وهي المدرسة الشافعية وهو الأمر الذي سيكون له أيْضًا عظيم الأثر في تحقيق وحدة المسلمين وتضامنهم.
وقد شهدت السنوات العشر الأخيرة من القرن الماضي اهتمامًا متزايدًا وغير مسبوق بالدين وبإحياء التقاليد الدينيَّة عمومًا والإسلام بوصفه الديانة الثانية من حيث العدد. والظاهرة الجديدة في القوقاز هو افتتاح مؤسسات التَّعليم العالي الإسلاميَّة مثل المعاهد والجامعات. وتشير الإحصاءات إلي أن عدد هذه المؤسسات يبلغ حاليًّا أكثر من 40 في القوقاز. ومن المؤسسات التي تتمتع بسمعة قوية الجامعة الإسلاميَّة التي تحمل اسم القاضي سيف الله بمدينة بويناكسيك وكذا المعهد الإسلامي في كيزيليورت حيث تقوم هذه المعاهد بتأهيل الكوادر التي تعمل فيما بعد بالإدارة الدينيَّة لمسلمي القوقاز. كما تنشط في مدينة محج قلعة الداغستانية جامعة شمال القوقاز الإسلاميَّة التي يُتوقَّع أن تصبح أهم مركز تعليمي إسلامي في القوقاز.
ووفقًا للإحصاءات الحديثة بلغ عدد المؤسسات التعليميَّة الإسلاميَّة المسجلة في روسيا في عام 2010م أكثر من 100 تتراوح بين مؤسسات تعليم متوسط وعالي فيما بلغ العدد الفعلي بما فيها غير المسجل أكثر من 300.
وفي عام 2006م صدر مرسوم رئاسي يقضي بتأسيس صندوق دعم الثقافة والعلوم والتَّعليم الإسلامي. وتَمَّ اتِّخاذ مجموعة من الإجراءات لضمان إعداد وتأهيل المتخصصين في العلوم الإسلاميَّة في الفترة ما بين 2007م-2010. وتهدف هذه الخطة إلي إعداد العدد الكافي من المتخصصين المؤهلين للعمل في المؤسسات الدينيَّة الإسلاميَّة كرجال دين ومدرسين وموظفين بالإدارة الدينيَّة لمسلمي روسيا وكذا في دور النشر الإسلاميَّة.
ولا يمكن توقع سيناريو مستقبل شمال القوقاز في عام 2030م مثلاً من دون الأخذ في الاعتبار دور الإسلام المتنامي عامًا بعد الآخر. ويتعاظم هذا الدور بنفس القدر الذي تتسارع فيه وتيرة تحديث وعصرنه المجتمع القوقازي ومنظومة التَّعليم فيه. هناك نهضة حقيقية في هذه المنطقة استفادت من تحوَّل الدَّوْلة الروسية إلي النهج الديمقراطي والحرية الدينية. ومن الممكن أن نتوقع مستقبلاً سعيدًا لهذه المنطقة وذلك بفضل التعايش السلمي بين مختلف القوميات والمعتقدات وكذا ما تحقق من إنجازات علي طريق تحقيق استقرار القيم الروحية والدينية.
الإسلام في حوض الفولجا
في عام 737 م قام العرب بفتح الكثير من المناطق حتي سهول القزوين و نهر الفولجا. و قد استمرت عملية انتشار الإسلام بين القبائل التركية في وادي الفولجا الجنوبي و من ثم الأوسط حتي عام 922م عندما تم الاعتراف بالإسلام كديانة رسمية عند بلغار الفولجا و هي الدولة التي اتخذت من مدينة بلغار عاصمة لها.
وفي القرن الثامن و التاسع واصل الإسلام انتشاره في مناطق الفولجا و شاعت الثقافة و اللغة الغربية بين السكان في تلك المناطق.
وفي القرن العاشر الميلادي و تحديدا في عام 922 تأسست دولة بلغار الفولجا - أول دوله إسلامية حكمت في هذه المناطق. و دامت هذه الدولة قرابة ثلاثة قرون. و توسعت لتضم أراضي إقليم الفولجا الأوسط. و في نفس العام أعلن الإسلام ديانة رسمية لدولة بلغار الفولجا. و في عام 1241م. غزا التتار هذه الدولة و أخضعوها لسيطرتهم و ضموها الي إمبراطورية أوردا الذهبية.
و قد استمر حكم أوردا الذهبية قرابة قرنين من الزمان. و في عام 1312م اعتنقت مناطق أوردا الذهبية الديانة الإسلامية. و تعد هذه الدولة أحد ورثة إمبراطورية جنكيز خان حيث امتدت علي مساحات شاسعة من أراضي روسيا المعاصرة و كانت تضم (مناطق الفولجا والقوقاز وسيبيريا حاليا). بالإضافة إلي ذلك شهدت الفترة من 1240- 1312 م مرحلة من التسامح الديني سادت هذه المناطق.
انهارت دولة أوردا الذهبية في منتصف القرن الخامس عشر و شهدت الفترة من 1433-1502 قيام ثلاث دويلات إسلامية علي أراضي حوض الفولجا الحالية و هي المملكة الكازانية و مملكة استرا خان مملكة الأوردا النوجايية.
وشهدت تلك الفترة استعادة إمارة موسكو لقوتها و سعيها الذي تكلل بالنجاح لاسترجاع الأقاليم الروسية واحدا تلو الآخر. استطاع القيصر الروسي إيفان جروزني استعادة مملكة أستراخان علي مصب نهر الفولجا.
في عام 1794م اعترفت الامبراطورية الروسية رسميا بالجالية الإسلامية. وفي عام 1817م وقع الإمبراطور الكسندر الأول علي مرسوم يقضي بتأسيس وزارة للشئون الدينية، وأن يتم انتخاب المفتي من قبل المجتمع المسلم. و تم إضافة هذه المادة في ميثاق الشئون الدينية و الذي تم اعتماده في عام 1836م. إلا أنه و علي أرض الواقع كان المفتي يعين من قبل الإمبراطور بتوصية من وزير الشئون الدينية. و في سبتمبر 1889م أجري مجلس الدولة تعديلات علي التشريع حيث تم تقنين إجراءات تعيين المفتي من قبل الإمبراطور رسميا.
وشهدت الفترة التي أعقبت ثورة فبراير 1917م سيطرة علماء مدينة أوفا في حوض الفولجا علي الإدارة الروحية الدينية لعموم روسيا. وتم تشكيل لجنة للإشراف علي الإدارة تتكون من 16 شخصية دينية يرأسهم الإمام حبيب الله اختياموف.
وقع سكان هذه الأراضي من المسلمين بين المطرقة و السندان في الفترة من 1917-1922م و هي الفترة التي شهدت الحرب الأهلية في الاتحاد السوفيتي.فقد كان عليهم أن يتحملوا ديكتاتورية الطرفين المتناحرين في التعامل مع المسلمين.
وقد لعبت مدينة كازان عاصمة منطقة حوض الفولجا دورا هاما بوصفها عاصمة تاريخية للأمة الإسلامية. و يقول الأديب التتاري الكبير عبدلله توكاي أن مكانة كازان تتجاوز الحديث عن التتر، و أن مدينة كازان كانت علي مدي قرون عديدة مركزا للعلوم و الثقافة و التنوير و التأليف و الطباعة.
وقد لعب التتار دورا هاما في تأسيس الدولة الروسية. و يمكن تقسيم إسهام التتار في تأسيس روسيا إلي مرحلتين أساسيتين: إسهام التتار المسلمين أنفسهم و إسهام أصحاب الأصول التتارية التركية الذين ارتبطوا بالثقافة الروسية. فقد كان أول سفير للاتحاد السوفيتي في المملكة العربية السعودية تتاري و هو كريم حكيموف حيث بعث إلي المملكة و اليمن في الفترة من 1920-1930م. و يرجع إليه و إلي جهوده الفضل في أن يصبح الاتحاد السوفيتي أول دولة تعترف بالمملكة العربية السعودية. وقد نشط حكيموف في إقامة و تقوية علاقات التعاون بين الاتحاد السوفيتي و البلدان الإسلامية. حيث كان له دور كبير في مشاركة روسيا في أول مؤتمر إسلامي عقد في مكة عام 1926م. و قد كان هذا المؤتمر علي قدر كبير من الأهمية حيث وضع الأساس لإنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي فيما بعد.  
ويأتي الباشكير في حوض الفولجا في المرتبة الثانية بعد التتار من حيث العدد، حيث يبلغ عددهم حسب آخر الإحصاءات ما يناهز 1,7مليون نسمه يعيش معظمهم في جمهورية باشكيريا فيما يتوزع الآخرون في أنحاء روسيا الاتحادية. و ينتمي الباشكير أيضا إلي الجنس التركي و قد تشكلت لغتهم القومية الباشكيرية الفصحي بشكل كامل في العشرينيات من القرن الماضي.
ويمكن القول بثقة أن من أهم أسباب استقرار و انتشار السلام في حوض الفولجا هو نزوع سكان هذه المناطق بفطرتهم نحو الإيمان بوحدانية الله و التي ورثوها من أجدادهم الترك القدماء. و بمجرد الاعتراف الرسمي بالإسلام كديانة في حوض الفولجا أصبح يمثل أيديولوجية أساسية و قام بكامل الوظائف السياسية و الاجتماعية. كما لعب الإسلام دورا هاما في تحديد المفاهيم الأخلاقية.
ولم تكن عملية انتشار الإسلام في الفولجا سهله إلا أنها بشكل عام اتسمت بالطابع السلمي. و قد شهدت فترة اعتناق الإسلام في حوض الفولجا الكثير من التحولات الايوديولوجية و الثقافية في حياة السكان. و بعد تغلغل الإسلام في هذه المنطقة الفولجا اكتسبت حضارة هؤلاء السكان ميزة الاستفادة بانجازات الحضارات الإسلامية المجاورة و منها التركية و الإيرانية و الهندية حتي أن المسلم في تلك الفترة كان يعيش في أحضان ثقافة عالمية متنوعة.
كما دعم الإسلام من القيم الإيديولوجية و السياسية للدولة في بلغار الفولجا و مثل دفعة قوية لتطور الثقافة و التعليم و العلوم. كما أصبحت المدن في حوض الفولجا يوما بعد يوم تكتسب الطابع الإسلامي حيث انتشرت المساجد في كل مكان.
ويتغلغل الإسلام في مختلفات طبقات المجتمع الفولجي و منذ القرن العاشر أصبحت تعاليم الإسلام الثقافية و المعيشية و السلوكية غيرها تسيطر في البيئة و الوسط الشعبي. و اتسم الإسلام في هذه المناطق طوال الوقت بالسماحة و عدم التشدد و مثل مسلمو الفولجا نموذجا للإسلام الوسطي.
تاريخ الحج من روسيا
يعود اعتناق الروس للإسلام إلي عام 22 هجرية. و كانت مدينة ديربنت الداغستانية أول المدن الروسية التي فتحها المسلمون.  ثم تلي ذلك تأسيس ممالك إسلامية توسعت في مناطق روسيا المختلفة و نذكر منها مملكة أوردا الذهبية و مملكة كازان و أستراخان و غيرها. وبطبيعة الحال كان عدد الحجاج في هذه الفترة قليلا بسبب الصعوبات و المخاطر التي يتعرضون لها أثناء سفرهم. و كان أغلب الحجاج هم من الأثرياء و العلماء و التجار و الرحالة.
كما قام عدد من أعضاء الأسر الحاكمة بآداء فريضة الحج. ففي عام 1494م قامت الملكة نورسلطان بالسفر الي مكة لأداء فريضة الحج مرورا بالقاهرة. و في عام 1524م قام الخان صاحب جيري بالتخلي عن عرش كازان لرغبته في السفر للحج.
وفي القرون التالية استعادت روسيا الممالك الإسلامية واحدة تلو الأخري و لم تحظ قضية الحج بالاهتمام اللائق من قبل الحكومات الروسية المتعاقبة. و لذا فمن غير المستغرب أن يكون أول تشريع روسي عن الحج في عام 1803م.  و يسمح هذا التشريع لأهل بخاري المقيمين بروسيا بالسفر للحج.
وقد قام العديد من المشاهير و رجال الدين و العلماء الروس بالسفر إلي مكة للحج و نذكر منهم العالم الكبير شهاب الدين المرجاني و الشيخ زين الله البشكيري و الإمام شامل الشيشاني.
وكان هناك ثلاثة طرق رئيسية للسفر الي الحج من روسيا. أولها عبر القوقاز الي شمال ايران ثم العراق ثم عبر صحاري الجزيرة العربية مباشرة الي مكة و المدينة. وثاني هذه الطرق عبر سمرقند و بخاري في أوزبكستان ثم الي أفغانستان و باكستان و الهند و من هناك بحرا الي جدة و ينبع. وأخيرا كان هناك الطريق عبر مواني البحر الأسود الي اسطنبول و السويس في مصر ثم جدة و ينبع و منهما الي مكة و المدينة.
وقد شهد القرن التاسع عشر تباينا و اختلافا في أعداد الحجاج الروس و ذلك بسبب الأوبئة و الأمراض التي شاعت في تلك الفترة. و بلغ متوسط أعداد الحجاج الروس من 9-10 آلاف حاج سنويا. و قد قامت القنصلية الروسية بجدة بإجراء إحصاء دقيق لأعداد الحجاج عام 1894م و بلغ عددهم 3349 حاجا. و في عام 1901م كان العدد 6000 ثم ارتفع الي16000 عام 1902م ثم انخفض الي 5000 عام 1903م.
وقد شهد القرن الماضي ظهور مسارات و طرق جديدة للسفر الي الحج. حيث أصبح من الممكن السفر من موسكو بالقطار الي وارسو و منها الي فيينا ثم اسطنبول. و كان الطريق يستغرق ستة أيام و تبلغ التكلفة حوالي 100 روبل روسي.كما كانت السفن تبحر بالحجاج من موانئ باطومي و سيفاستوبل و أوديسا علي البحر الأسود. وكانت هناك رحلات بحرية مباشرة الي جدة.
وكان الفقراء يسافرون عبر أفغانستان حيث كان ذلك أقل تكلفة بمعدل خمس مرات من الطريق عبر تركيا.
وكان الكثير من الحجاج الروس يبقون في مكة بعد الحج. و أغلب هؤلاء من بخاري و تركستان. فيما كان التتر يفضلون العيش بالمدينة المنورة. كما كان كثير من طلاب العلم الروس يبقون لتلقي العلوم علي أيدي كبار رجال الدين والعلماء.
وقد لعبت القنصلية الروسية في مدينة جدة دورا هاما في عملية تنظيم الحج. و كان أول قنصل روسي هو شاجي مراد ميرياسوفيتش إبراهيم و هو تتري الأصل و تم تعيينه في عام 1890م.  و قد استمر عمل القنصلية حتي بداية الحرب العالمية الأولي في 1914م عندما اندلعت الحرب بين روسيا و الإمبراطورية العثمانية. ثم أعيد فتح القنصلية مع تدشين العلاقات السوفيتية السعودية عام 1924م. و كان الاتحاد السوفيتي هو الدولة الأولي التي تقيم علاقة دبلوماسية مع المملكة.
ثم توقفت عملية الحج لأسباب أيديولوجية. حيث لم تشجع السلطات السوفيتية الشيوعية علي ممارسة الشعائر الدينية و قاومت بشده كافة أشكال الدعاية الدينية. وفي عام 1945م سافرت مجموعه قليلة من الحجاج بقيادة المفتي إيشان باباخان. و كان متوسط عدد الحجاج سنويا لا يتعدي العشرين حاجا. و يكفي القول أن إجمالي عدد الحجاج الروس خلال الفترة من 1945-1990م لم يتجاوز 900 حاج.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991م حدث تحول كبير. حيث تغيرت السياسة الدينية الروسية وأصبحت هناك تشريعات تتيح حرية الاعتقاد لكل مواطن روسي. وصارت هناك حاجة ملحة لتلبية رغبات المسلمين في أداء الفريضة الخامسة. و علي مدي العقدين الأخيرين بلغ عدد الحجاج الروس في المتوسط سنويا ما يقارب 25 ألفا. و تحاول روسيا الاستفادة من الدول التي لديها خبرات طويلة في تنظيم الحج الي المملكة كما يزداد التعاون عاما بعد الآخر مع السلطات السعودية لتذليل العقبات وتيسير أداء الشعائر. 
ويسعي مجلس الإفتاء الروسي الي زيادة حصة روسيا السنوية من أعداد الحجاج نظرا للطلب المتنامي. وهو الأمر الذي يعكس حرص المسلمين الروس علي أداء الشعائر كما يعكس الارتفاع الملحوظ في مستوي الرفاهية المعيشية لدي المواطنين الروس. ومن المزمع إنشاء مركز رئيسي للحج بالعاصمة موسكو يكون تابع لمجلس الإفتاء الروسي مباشرة و له أفرع بالإدارات الدينية بالأقاليم الروسية المختلفة. كما أصدر مجلس الإفتاء دليلا بالمؤسسات والهيئات العاملة في مجال تنظيم الحج حتي يستطيع الحاج الحصول علي المعلومات الموثوق. و يقوم المجلس بإعداد الكوادر المؤهلة للعمل في إدارات الحج و تنظيم المحاضرات للحجاج قبل شهرين من سفرهم للحج و تنظيم مؤتمرات سنوية لطرح المشاكل والعمل علي حلها و تحديد خطط العمل السنوية.
إن السنوات القادمة ستشهد بلا شك تنامي ملحوظ في أعداد الحجاج الروس الراغبين في أداء الفريضة و هو أمر يتطلب الكثير  من الجهود و التنسيق. و دور الحجاج الروس لا يتوقف فقط علي أداء الفريضة الدينية بل و يمثلون جسرا ثقافيا مهما للحوار و التواصل بين  ثقافتين عريقتين و فرصة لا تعوض لبناء الثقة والبحث عن المشتركات و هي بلا شك كثيرة.
أستاذ اللغة الروسية وآدابها بجامعة عين شمس

وهناك شخصيَّة أخري قوقازية تحظي بمكانة عظيمة ليس فقط في القوقاز بل وفي روسيا بأكملها وهو الإمام والقائد العسكري شامل. وقد ولد شامل في عام 1798م. وتلقي منذ صغره علوم اللغة العربيَّة والفلسفة والفقه والأدب العربي. وبرز كإداري ممتاز، وقائد فذ بصير، ويجمع في نفسه عقل رجل الدين العالم، ورجل السياسة. وأنشأ حكومةً وطنيَّة، بسط سلطانها علي معظم البلاد، وعني بالنواحي العمرانيّة والمدنيّة، وحافظ علي الأمن والنظام.
وقضي ربع قرن في مقاومة القوات الروسية دفاعًا عن استقلال بلاده، وتولي رئاسة الحكومة كما ترأس وفد القوقاز الشماليَّة إلي مؤتمر الصلح في باريس، حيث طالب بوحدة القوقاز.
صمد شامل أمام الفرق الروسيّة الخمس وقاتل الروس خمسًا وثلاثين سنة، وانتصر عليهم في كثير من المواقع التي خاضها معهم. وكان من البديهي أن تضمحل مقاومته أمام قوات الروس عظيمة العدد، وانشغال الدَّولة العثمانيّة بحرب القرم. وتقدّمت القوات الروسيّة ببطء فحاصرته في كوينب آخر معاقله وعرضت عليه تسليم نفسه إلي الخليفة العثماني، فسلم نفسه سنة 1859 بعد نزوله علي إرادة أصحابه، وحمل إلي قيصر روسيا إسكندر الثاني في سانت بطرسبرج، فأحسن استقباله، وعاش حتَّي سنة 1869 في كالوغا إلي الجنوب من موسكو.
وقد استمرت عملية دخول أهالي القوقاز في الإسلام فترة طويلة. وقد حدث شيء من المزيج الحضاري والثقافي بين الطقوس الإسلاميَّة والطقوس المحليَّة ونتج عنه خليط حضاري مميز من التقاليد والعادات الشعبية.
والإدارة الروحية لمسلمي شمال القوقاز مقرها مدينة محج قلعة بداغستان. و تقوم هذه الإدارة بطباعة القرآن الكريم وكذا إصدار التقاويم الهجرية للمسلمين وتوفير احتياجات المساجد لأداء المشاعر.
وتنتشر المؤسسات التعليميَّة في مختلف الأقاليم الروسية ومنها القوقاز. وعن التَّعليم الإسلامي يمكن القول إنه يشهد تطوَّرًا في الفترة الأخيرة وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م. وظهر الكثير من التيارات الدينيَّة والمذاهب. وقد برزت مدرستان أساسيتان اجتذبتا المسلمين في روسيا: الأولي في الفولجا في مدينة كازان. أما المدرسة الثانية فكانت في شمال القوقاز وخاصة جمهورية داغستان التي تتمتع بتقاليد تمتد لأكثر من 1400 عام. وقد شهدت هذه المنطقة إنجازات الكثير من علماء الدين حتَّي قبل دخول العرب مدينة ديربنت. وكان لهؤلاء فضل كبير في تأسيس أول مدرسة فكرية دينية مكتملة ألا وهي المدرسة الشافعية وهو الأمر الذي سيكون له أيْضًا عظيم الأثر في تحقيق وحدة المسلمين وتضامنهم.
وقد شهدت السنوات العشر الأخيرة من القرن الماضي اهتمامًا متزايدًا وغير مسبوق بالدين وبإحياء التقاليد الدينيَّة عمومًا والإسلام بوصفه الديانة الثانية من حيث العدد. والظاهرة الجديدة في القوقاز هو افتتاح مؤسسات التَّعليم العالي الإسلاميَّة مثل المعاهد والجامعات. وتشير الإحصاءات إلي أن عدد هذه المؤسسات يبلغ حاليًّا أكثر من 40 في القوقاز. ومن المؤسسات التي تتمتع بسمعة قوية الجامعة الإسلاميَّة التي تحمل اسم القاضي سيف الله بمدينة بويناكسيك وكذا المعهد الإسلامي في كيزيليورت حيث تقوم هذه المعاهد بتأهيل الكوادر التي تعمل فيما بعد بالإدارة الدينيَّة لمسلمي القوقاز. كما تنشط في مدينة محج قلعة الداغستانية جامعة شمال القوقاز الإسلاميَّة التي يُتوقَّع أن تصبح أهم مركز تعليمي إسلامي في القوقاز.
ووفقًا للإحصاءات الحديثة بلغ عدد المؤسسات التعليميَّة الإسلاميَّة المسجلة في روسيا في عام 2010م أكثر من 100 تتراوح بين مؤسسات تعليم متوسط وعالي فيما بلغ العدد الفعلي بما فيها غير المسجل أكثر من 300.
وفي عام 2006م صدر مرسوم رئاسي يقضي بتأسيس صندوق دعم الثقافة والعلوم والتَّعليم الإسلامي. وتَمَّ اتِّخاذ مجموعة من الإجراءات لضمان إعداد وتأهيل المتخصصين في العلوم الإسلاميَّة في الفترة ما بين 2007م-2010. وتهدف هذه الخطة إلي إعداد العدد الكافي من المتخصصين المؤهلين للعمل في المؤسسات الدينيَّة الإسلاميَّة كرجال دين ومدرسين وموظفين بالإدارة الدينيَّة لمسلمي روسيا وكذا في دور النشر الإسلاميَّة.
ولا يمكن توقع سيناريو مستقبل شمال القوقاز في عام 2030م مثلاً من دون الأخذ في الاعتبار دور الإسلام المتنامي عامًا بعد الآخر. ويتعاظم هذا الدور بنفس القدر الذي تتسارع فيه وتيرة تحديث وعصرنه المجتمع القوقازي ومنظومة التَّعليم فيه. هناك نهضة حقيقية في هذه المنطقة استفادت من تحوَّل الدَّوْلة الروسية إلي النهج الديمقراطي والحرية الدينية. ومن الممكن أن نتوقع مستقبلاً سعيدًا لهذه المنطقة وذلك بفضل التعايش السلمي بين مختلف القوميات والمعتقدات وكذا ما تحقق من إنجازات علي طريق تحقيق استقرار القيم الروحية والدينية.
الإسلام في حوض الفولجا
في عام 737 م قام العرب بفتح الكثير من المناطق حتي سهول القزوين و نهر الفولجا. و قد استمرت عملية انتشار الإسلام بين القبائل التركية في وادي الفولجا الجنوبي و من ثم الأوسط حتي عام 922م عندما تم الاعتراف بالإسلام كديانة رسمية عند بلغار الفولجا و هي الدولة التي اتخذت من مدينة بلغار عاصمة لها.
وفي القرن الثامن و التاسع واصل الإسلام انتشاره في مناطق الفولجا و شاعت الثقافة و اللغة الغربية بين السكان في تلك المناطق.
وفي القرن العاشر الميلادي و تحديدا في عام 922 تأسست دولة بلغار الفولجا - أول دوله إسلامية حكمت في هذه المناطق. و دامت هذه الدولة قرابة ثلاثة قرون. و توسعت لتضم أراضي إقليم الفولجا الأوسط. و في نفس العام أعلن الإسلام ديانة رسمية لدولة بلغار الفولجا. و في عام 1241م. غزا التتار هذه الدولة و أخضعوها لسيطرتهم و ضموها الي إمبراطورية أوردا الذهبية.
و قد استمر حكم أوردا الذهبية قرابة قرنين من الزمان. و في عام 1312م اعتنقت مناطق أوردا الذهبية الديانة الإسلامية. و تعد هذه الدولة أحد ورثة إمبراطورية جنكيز خان حيث امتدت علي مساحات شاسعة من أراضي روسيا المعاصرة و كانت تضم (مناطق الفولجا والقوقاز وسيبيريا حاليا). بالإضافة إلي ذلك شهدت الفترة من 1240- 1312 م مرحلة من التسامح الديني سادت هذه المناطق.
انهارت دولة أوردا الذهبية في منتصف القرن الخامس عشر و شهدت الفترة من 1433-1502 قيام ثلاث دويلات إسلامية علي أراضي حوض الفولجا الحالية و هي المملكة الكازانية و مملكة استرا خان مملكة الأوردا النوجايية.
وشهدت تلك الفترة استعادة إمارة موسكو لقوتها و سعيها الذي تكلل بالنجاح لاسترجاع الأقاليم الروسية واحدا تلو الآخر. استطاع القيصر الروسي إيفان جروزني استعادة مملكة أستراخان علي مصب نهر الفولجا.
في عام 1794م اعترفت الامبراطورية الروسية رسميا بالجالية الإسلامية. وفي عام 1817م وقع الإمبراطور الكسندر الأول علي مرسوم يقضي بتأسيس وزارة للشئون الدينية، وأن يتم انتخاب المفتي من قبل المجتمع المسلم. و تم إضافة هذه المادة في ميثاق الشئون الدينية و الذي تم اعتماده في عام 1836م. إلا أنه و علي أرض الواقع كان المفتي يعين من قبل الإمبراطور بتوصية من وزير الشئون الدينية. و في سبتمبر 1889م أجري مجلس الدولة تعديلات علي التشريع حيث تم تقنين إجراءات تعيين المفتي من قبل الإمبراطور رسميا.
وشهدت الفترة التي أعقبت ثورة فبراير 1917م سيطرة علماء مدينة أوفا في حوض الفولجا علي الإدارة الروحية الدينية لعموم روسيا. وتم تشكيل 

يل لجنة للإشراف علي الإدارة تتكون من 16 شخصية دينية يرأسهم الإمام حبيب الله اختياموف.
وقع سكان هذه الأراضي من المسلمين بين المطرقة و السندان في الفترة من 1917-1922م و هي الفترة التي شهدت الحرب الأهلية في الاتحاد السوفيتي.فقد كان عليهم أن يتحملوا ديكتاتورية الطرفين المتناحرين في التعامل مع المسلمين.
وقد لعبت مدينة كازان عاصمة منطقة حوض الفولجا دورا هاما بوصفها عاصمة تاريخية للأمة الإسلامية. و يقول الأديب التتاري الكبير عبدلله توكاي أن مكانة كازان تتجاوز الحديث عن التتر، و أن مدينة كازان كانت علي مدي قرون عديدة مركزا للعلوم و الثقافة و التنوير و التأليف و الطباعة.
وقد لعب التتار دورا هاما في تأسيس الدولة الروسية. و يمكن تقسيم إسهام التتار في تأسيس روسيا إلي مرحلتين أساسيتين: إسهام التتار المسلمين أنفسهم و إسهام أصحاب الأصول التتارية التركية الذين ارتبطوا بالثقافة الروسية. فقد كان أول سفير للاتحاد السوفيتي في المملكة العربية السعودية تتاري و هو كريم حكيموف حيث بعث إلي المملكة و اليمن في الفترة من 1920-1930م. و يرجع إليه و إلي جهوده الفضل في أن يصبح الاتحاد السوفيتي أول دولة تعترف بالمملكة العربية السعودية. وقد نشط حكيموف في إقامة و تقوية علاقات التعاون بين الاتحاد السوفيتي و البلدان الإسلامية. حيث كان له دور كبير في مشاركة روسيا في أول مؤتمر إسلامي عقد في مكة عام 1926م. و قد كان هذا المؤتمر علي قدر كبير من الأهمية حيث وضع الأساس لإنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي فيما بعد.  
ويأتي الباشكير في حوض الفولجا في المرتبة الثانية بعد التتار من حيث العدد، حيث يبلغ عددهم حسب آخر الإحصاءات ما يناهز 1,7مليون نسمه يعيش معظمهم في جمهورية باشكيريا فيما يتوزع الآخرون في أنحاء روسيا الاتحادية. و ينتمي الباشكير أيضا إلي الجنس التركي و قد تشكلت لغتهم القومية الباشكيرية الفصحي بشكل كامل في العشرينيات من القرن الماضي.
ويمكن القول بثقة أن من أهم أسباب استقرار و انتشار السلام في حوض الفولجا هو نزوع سكان هذه المناطق بفطرتهم نحو الإيمان بوحدانية الله
و التي ورثوها من أجدادهم الترك القدماء. و بمجرد الاعتراف الرسمي بالإسلام كديانة في حوض الفولجا أصبح يمثل أيديولوجية أساسية و قام بكامل الوظائف السياسية و الاجتماعية. كما لعب الإسلام دورا هاما في تحديد المفاهيم الأخلاقية.
ولم تكن عملية انتشار الإسلام في الفولجا سهله إلا أنها بشكل عام اتسمت بالطابع السلمي. و قد شهدت فترة اعتناق الإسلام في حوض الفولجا الكثير من التحولات الايوديولوجية و الثقافية في حياة السكان. و بعد تغلغل الإسلام في هذه المنطقة الفولجا اكتسبت حضارة هؤلاء السكان ميزة الاستفادة بانجازات الحضارات الإسلامية المجاورة و منها التركية
و الإيرانية و الهندية حتي أن المسلم في تلك الفترة كان يعيش في أحضان ثقافة عالمية متنوعة.
كما دعم الإسلام من القيم الإيديولوجية و السياسية للدولة في بلغار الفولجا و مثل دفعة قوية لتطور الثقافة و التعليم و العلوم. كما أصبحت المدن في حوض الفولجا يوما بعد يوم تكتسب الطابع الإسلامي حيث انتشرت المساجد في كل مكان.
ويتغلغل الإسلام في مختلفات طبقات المجتمع الفولجي و منذ القرن العاشر أصبحت تعاليم الإسلام الثقافية و المعيشية و السلوكية غيرها تسيطر في البيئة و الوسط الشعبي. و اتسم الإسلام في هذه المناطق طوال الوقت بالسماحة و عدم التشدد و مثل مسلمو الفولجا نموذجا للإسلام الوسطي.
تاريخ الحج من روسيا
يعود اعتناق الروس للإسلام إلي عام 22 هجرية. و كانت مدينة ديربنت الداغستانية أول المدن الروسية التي فتحها المسلمون.  ثم تلي ذلك تأسيس ممالك إسلامية توسعت في مناطق روسيا المختلفة و نذكر منها مملكة أوردا الذهبية و مملكة كازان و أستراخان و غيرها. وبطبيعة الحال كان عدد الحجاج في هذه الفترة قليلا بسبب الصعوبات و المخاطر التي يتعرضون لها أثناء سفرهم. و كان أغلب الحجاج هم من الأثرياء و العلماء و التجار و الرحالة.
كما قام عدد من أعضاء الأسر الحاكمة بآداء فريضة الحج. ففي عام 1494م قامت الملكة نورسلطان بالسفر الي مكة لأداء فريضة الحج مرورا بالقاهرة. و في عام 1524م قام الخان صاحب جيري بالتخلي عن عرش كازان لرغبته في السفر للحج.
وفي القرون التالية استعادت روسيا الممالك الإسلامية واحدة تلو الأخري و لم تحظ قضية الحج بالاهتمام اللائق من قبل الحكومات الروسية المتعاقبة. و لذا فمن غير المستغرب أن يكون أول تشريع روسي عن الحج في عام 1803م.  و يسمح هذا التشريع لأهل بخاري المقيمين بروسيا بالسفر للحج.
وقد قام العديد من المشاهير و رجال الدين و العلماء الروس بالسفر إلي مكة للحج و نذكر منهم العالم الكبير شهاب الدين المرجاني و الشيخ زين الله البشكيري و الإمام شامل الشيشاني.
وكان هناك ثلاثة طرق رئيسية للسفر إلي الحج من روسيا. أولها عبر القوقاز إلي شمال إيران ثم العراق ثم عبر صحاري الجزيرة العربية مباشرة إلي مكة و المدينة. وثاني هذه الطرق عبر سمرقند و بخاري في أوزبكستان ثم إلي أفغانستان و باكستان و الهند و من هناك بحرا إلي جدة و ينبع. وأخيرا كان هناك الطريق عبر مواني البحر الأسود الي اسطنبول و السويس في مصر ثم جدة و ينبع و منهما إلي مكة و المدينة.
وقد شهد القرن التاسع عشر تباينا و اختلافا في أعداد الحجاج الروس و ذلك بسبب الأوبئة و الأمراض التي شاعت في تلك الفترة. و بلغ متوسط أعداد الحجاج الروس من 9-10 آلاف حاج سنويا. و قد قامت القنصلية الروسية بجدة بإجراء إحصاء دقيق لأعداد الحجاج عام 1894م و بلغ عددهم 3349 حاجا. و في عام 1901م كان العدد 6000 ثم ارتفع الي16000 عام 1902م ثم انخفض إلي 5000 عام 1903م.
وقد شهد القرن الماضي ظهور مسارات و طرق جديدة للسفر الي الحج. حيث أصبح من الممكن السفر من موسكو بالقطار الي وارسو و منها الي فيينا ثم اسطنبول. و كان الطريق يستغرق ستة أيام و تبلغ التكلفة حوالي 100 روبل روسي.كما كانت السفن تبحر بالحجاج من موانئ باطومي و سيفاستوبل و أوديسا علي البحر الأسود. وكانت هناك رحلات بحرية مباشرة الي جدة.
وكان الفقراء يسافرون عبر أفغانستان حيث كان ذلك أقل تكلفة بمعدل خمس مرات من الطريق عبر تركيا.
وكان الكثير من الحجاج الروس يبقون في مكة بعد الحج. و أغلب هؤلاء من بخاري و تركستان. فيما كان التتر يفضلون العيش بالمدينة المنورة. كما كان كثير من طلاب العلم الروس يبقون لتلقي العلوم علي أيدي كبار رجال الدين والعلماء.
وقد لعبت القنصلية الروسية في مدينة جدة دورا هاما في عملية تنظيم الحج. و كان أول قنصل روسي هو شاجي مراد ميرياسوفيتش إبراهيم و هو تتري الأصل و تم تعيينه في عام 1890م.  و قد استمر عمل القنصلية حتي بداية الحرب العالمية الأولي في 1914م عندما اندلعت الحرب بين روسيا و الإمبراطورية العثمانية. ثم أعيد فتح القنصلية مع تدشين العلاقات السوفيتية السعودية عام 1924م. و كان الاتحاد السوفيتي هو الدولة الأولي التي تقيم علاقة دبلوماسية مع المملكة.
ثم توقفت عملية الحج لأسباب أيديولوجية. حيث لم تشجع السلطات السوفيتية الشيوعية علي ممارسة الشعائر الدينية و قاومت بشده كافة أشكال الدعاية الدينية. وفي عام 1945م سافرت مجموعه قليلة من الحجاج بقيادة المفتي إيشان باباخان. و كان متوسط عدد الحجاج سنويا لا يتعدي العشرين حاجا. و يكفي القول أن إجمالي عدد الحجاج الروس خلال الفترة من 1945-1990م لم يتجاوز 900 حاج.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991م حدث تحول كبير. حيث تغيرت السياسة الدينية الروسية وأصبحت هناك تشريعات تتيح حرية الاعتقاد لكل مواطن روسي. وصارت هناك حاجة ملحة لتلبية رغبات المسلمين في أداء الفريضة الخامسة. و علي مدي العقدين الأخيرين بلغ عدد الحجاج الروس في المتوسط سنويا ما يقارب 25 ألفا. و تحاول روسيا الاستفادة من الدول التي لديها خبرات طويلة في تنظيم الحج إلي المملكة كما يزداد التعاون عاما بعد الآخر مع السلطات السعودية لتذليل العقبات وتيسير أداء الشعائر. 
ويسعي مجلس الإفتاء الروسي إلي زيادة حصة روسيا السنوية من أعداد الحجاج نظرا للطلب المتنامي. وهو الأمر الذي يعكس حرص المسلمين الروس علي أداء الشعائر كما يعكس الارتفاع الملحوظ في مستوي الرفاهية المعيشية لدي المواطنين الروس. ومن المزمع إنشاء مركز رئيسي للحج بالعاصمة موسكو يكون تابع لمجلس الإفتاء الروسي مباشرة و له أفرع بالإدارات الدينية بالأقاليم الروسية المختلفة. كما أصدر مجلس الإفتاء دليلا بالمؤسسات والهيئات العاملة في مجال تنظيم الحج حتي يستطيع الحاج الحصول علي المعلومات الموثوق. و يقوم المجلس بإعداد الكوادر المؤهلة للعمل في إدارات الحج و تنظيم المحاضرات للحجاج قبل شهرين من سفرهم للحج و تنظيم مؤتمرات سنوية لطرح المشاكل والعمل علي حلها و تحديد خطط العمل السنوية.
إن السنوات القادمة ستشهد بلا شك تنامي ملحوظ في أعداد الحجاج الروس الراغبين في أداء الفريضة و هو أمر يتطلب الكثير  من الجهود و التنسيق. و دور الحجاج الروس لا يتوقف فقط علي أداء الفريضة الدينية بل و يمثلون جسرا ثقافيا مهما للحوار و التواصل بين  ثقافتين عريقتين و فرصة لا تعوض لبناء الثقة والبحث عن المشتركات و هي بلا شك كثيرة.
أستاذ اللغة الروسية وآدابها بجامعة عين شمس